منتدى الجاحظ: تونس 1 جويلية 2009
جذور التحول الإجتماعي وآفاقه في الرواية التونسية
محمد الجابلي
مدخل نظري: من أجل الدفاع عن مسؤولية الإبداع وإ نسانيته
إن إرباك المفاهيم والمسلمات هو من أهم مظاهر العولمة ومن أشد مضارها، لذلك وجب التذكير في هذا المقام بالدور الحقيقي للإبداع ومنه الأدب بمجمل أصنافه، وهذا التذكير يجد مشروعية في الدعاوى الكثيرة والمتكررة أعني بها دعاوى الهدم المقنع بأقنعة شتى تلك التي تجد سبيلها في المباديء النظرية لنقد المفاهيم الكلية بدعوى المراجعة، كمرثيات الموت، والتبشير بالنهايات: كنهاية التاريخ وموت الفلسفة وموت الإيديولوجيا…ومن كل ذلك موت المعنى وتلاشي القيمة كعلامة فارقة في التاريخ البشري .وهذه الدعوات على اختلاف مبرراتها، تمهد السبيل لتفتيت أو لتفكيك بنية الإعتراض التي تجد في الفكر النقدي والإبداعي ملاذا أو أرضية دفاع أخيرة على انتهاكات خطيرة للمجال الإنساني بمفهومه الأشمل، لتترك السبيل لحريات جديدة بزعامة حرية السوق وسطوة التجار المسلحين، وبريادة مفاهيم بديلة تنظر لأنانيات فردية كالنجاعة والنفع، وهذا التفكيك يعبر من خلال إعادة تأهيل للعقل النقدي الإبداعي ليكون جسر عبور يخلط عمدا بين النقاد ومزيفي النقود والعقود، ويخلط عمدا بين النتاج الإبداعي ومنتجات التزويق والتزيين.
فساد التنظير لشكلنة مسطحة تنظر للفن البريء والجميل، في مقابل الفن المكدر بالإيديولوجيا، وفي مجال المكتوب سيطرت دعاوى الإشتغال على اللغة والإنشغال بممكناتها في محاولة لعزل النص عن جملة مراجعه فيما يسميه باختين" بالأسلوبية في غرفة مغلقة"، وتحذلق بعض النقاد لإعادة تصدير إشكاليات قديمة في ثوب جديد، كالصراع الذي حسم قديما بين مذهبين في بداية عصر النهضة الغربية: واعني بهما الفن للفن او الفن للمجتمع، وكنت قد حاربت هذه النزعات الهدامة في كتابي "نظام الرواية الذهنية" الصادر سنة ست وتسعين.
ودعاة الشكلنة حرفوا بعض المفاهيم اللسانية حتى تلائم مقاصدهم، فنظروا لنصوص بريئة خالية من المقاصد والصراع، واستغلوا مجمل سلطاتهم ومنها الأكاديمية، لأنتاج نصوص تدعي الجمالية المفرغة لكنها لا تقول شيئا في علاقتها بلحظتها التاريخية وقد لا تحيل على شييء، باستثناء ذوات صانعيها وبشكل ضبابي معتم.
ومن هذا الإرباك المقصود، نشأت نصوص كثيرة مقنعة، تحت لافتات شتى بعضها دعائي مقصود بغاية تجميل الواقع وتزويقه وتبرير تناقضه، وبعضها هروبي كالأحاجي، وهذه النصوص دمرت الهدف الأسمى في كل عمل إبداعي: ونعني به هدف التواصل والتلقي، الذي يستجيب للشرط المبدئي في الخطاب وفي اللغة باعتبارهما مجتمعين، مرجعا دلاليا وباعتبار ان المرجع الدلالي هو مرجع اجتماعي بالضرورة، وان المرجع الإجتماعي في مجتمع التناقض، هو محمول إيديولوجي يختزن أبعاد الصراع في الواقع والقيم.
ومن هذا المنطلق تتأسس مشروعية هذا اللقاء، من خلال التذكير بالوظيفة الفنية المعلومة والمغيبة، ونعني بها، التعبير عن أوجه التدافع الإجتماعي من خلال الإبداع عن مراحل من تاريخنا القريب.
جذور التحول الإجتماعي في الرواية الواقعية في تونس:
سأنطلق من فهمي للتحولات الإجتماعية التي تبطن صراعا قد يكون هادئا وقد يكون حادا وفيه ماهو ضمني في خفاء وفيه المتجلي للعيان وعلى اعتبار انه مفهوم شمولي لا يقتصر على الصراع الطبقي، بل يتعداه الى تشظيات أخرى: كالصراع الحضاري، والصراع الفئوي، والصراع الجهوي…الصراع الذي يتمظهر في الفن عبر وسائط الخيال والرمز ويجعل من النصوص معبرة بأدوات الفن عن عمق قضايا الواقع المتغير، من خلال ذلك التفاعل الدائم بين الذاتي والموضوعي.
والرواية بما هي جنس أدبي جامع ومنفتح، احتضنت ذلك الصراع منذ بداياتها المبكرة التي تعود الى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في تونس، وأذكر في هذا الصدد بإشكالية كنت قد أثرتها في مناسبات سابقة وأعني بها " تغليب النقد على التاريخ" عند معظم الباحثين التونسيين، لتكون بداية الرواية التونسية عند بعضهم في الثلاثينات مع نصوص المسعدي، وعند بعضهم الآخر في الخمسينيات مع العروسي المطوي، ويغيبون بذلك، نصوصا تونسية رائدة في مجال التاريخ الروائي، بدعوى أنها منقوصة في رؤية النقد، باعتبار أنها تفتقر الى الوعي الفني بالرواية واساليبها.
وهذه النصوص في اعتقادي، هي الأرضية الأولى للرواية الواقعية التي تتخذ من الواقع سندا، ومن تناقضاته مرجعا للتصوير الفني، وكان الصراع فيها وليد لحظة تاريخية، تتخذ من النضال ضد المستعمر أومن الدفاع عن الذاكرة أوالعقيدة أوالهوية مرجعا، فانعكست فيها أصداء الذاكرة بوضوح في العقد الأوّل من القرن العشرين وتحديدا في رواية "السهرة الأخيرة في غرناطة" التي ألفها "حسن حسني عبد الوهاب" ونشرت في مجلة "النهضة لشمال إفريقيا" سنة 1905 (14) ويرتبط موضوعها بأفول نجم الحضارة الإسلامية (16) وفي الفترة نفسها صدرت رواية "الهيفاء وسراج الليل" لمؤلفها "محمد صالح سويسي القيرواني" ونشرتها جريدة "خير الدين" سنة 1906 وتشترك مع سابقتها في الحنين وكذلك في التوجه الإصلاحي رغم اختلافهما في فضاء المكان…
وفي النصوص المتقدمة إنشداد إلى الماضي يكاد يغيب معه الحاضر، فتتالت المقالات الداعية إلى ضرورة ارتباط القصة التونسية بالواقع وبضرورة تأكيد صورة للحياة التونسية بما فيها من ألوان وأذواق، وأتى هذا التوجه بنتائجه كما ذكر "الفاضل بن عاشور" فكان فيما نشرته مجلة "العالم الأدبي" من أقاصيص ذات لون تونسي مستمد من صميم الحياة الشعبية والنفسية العربية …إلا أن أكثر ما نُشر من تلك القصص كان ممضى بإمضاء رمزي (20) ويبدو، أن إخفاء الأسماء مرتبط بالتوجّه النضالي الجديد، وبالرسالة التي وعاها المثقف، والتي ستتجسّد في نصوص روائية لاحقة، يمكن أن نعتبرها فاتحة مرحلة هامة في الرواية التونسية، ستفعل في توجيهها فنيا ومضمونيا وسيستمر أثرها لعدة عقود لاحقة.
وهذا التوجه، أثمر رواية اختلف فيها النقاد وأثارت جدلا (21) ولم يعرف إلا جزؤها الأوّل الذي نشر ما بين سنة 1910 و1915 وهي رواية "الساحرة التونسية" لصاحبها "الصادق الرزقي" صاحب الإسهامات المشهودة في الحياة السياسية والثقافية، وصاحب مؤلفات عديدة من أهمها : "الأمثال التونسية" و"الأغاني التونسية" وأهم ما في هذا النص الروائي، عزوف صاحبه عن قطبي الإقتباس والحنين، ومحاولة تمثُله للواقع التونسي في أبعاده السياسية والإجتماعية والجغرافية إذ انشدّ المكان في الرواية إلى المدينة بحاراتها وأرباضها : ك "القصبة و الجلاّز والجيارة والمركاض" (22) كما ارتبط الحدث فيها بعائلة فقيرة فقدت عائلها في النضال ضدّ الأجنبي، وقد برع الكاتب في إثارة تعاطف القارئ من خلال تصويره المتقن للإطار الأسري وتركيزه على شخصية الوطني الذي سيضحي بذاته وأسرته في سبيل مبادئه. ويظهر النقد السياسي من خلال نقمة الكاتب على "الحسن الحفصي" الذي "اشتغل باللهو… وقد فشى في المملكة خبر انشغاله عن أمور الملك بالملاذ والملاهي، فشقت عصا الطاعة عرب بطون رياح وأولاد سعيد وجبال مطماطة…(23)
ورواية "الساحرة التونسية" بما قيها من جرأة التشهير بالفساد السياسي فتحت السبيل لكتابات لاحقة أو متزامنة معها، سارت على المنوال نفسه، واتخذت من الهُزء بالمعمرين ورجال الاستعمار مضامين لها، من ذلك رواية (دالماس) لـ"سليمان الجادوي" وهو من الذين تجندوا لمقاومة الاستعمار عبر إنضاج الوعي الوطني المقاوم فأسس لذلك الغرض صحفا عديدة كان لها كبير الأثر في الثقافة الوطنية وهي (المرشد ومرشد الأمّة وأبو نواس)، ومن واقعية هذه الرواية، أن اتخدت من اسم أحد الاستعماريين المكلفين بإدارة المدرسة الصادقية بطلا لها، وتميزت رواية "دالماس" بطولها إذ اشتملت على سبعة فصول و تعتبر "النموذج التاريخي لميلاد الرواية المقاومة والقصة النضالية " بعبارة المرحوم محمد صالح الجابري (24)
ولا تخلو هذه الرواية من بعض الخصائص الفنية المميّزة مثل استبطان أغوار الشخصيات وتصوير "دالماس" مفضوحا أمام نوازع نفسه الاستعمارية، فراوح الكاتب فيها بين حوار خارجي وآخر داخلي، وأكد على ضرورة مواجهة الاستعمار من خلال تعريته والانتصار للشخصية النقيضة من خلال تطوير مستويين نضاليين: يرتبط الأوّل بالوطن، ويتصل الثاني بالعقيدة… (25) إلا أن هذه الرواية لم يعرف منها سوى بعض الفصول التي نشرت في جريدة "أبي نواس"، ولا يُخفي الكاتب نزعته الإصلاحية السياسية ووعيه بشروط العمل الفني، بل يؤكد أن الخيال في القصة أو الرواية هو تقنية يخفي من خلالها مواقفه من الاستعمار .
إن تميز نصوص "الرزقي" و"الجادوي" بمقاربة البيئة المحلية لم يمنع ظهور نصوص روائية أخرى فيها حسّ سياسي لكنه على صلة بالحنين للخلافة العثمانية الآفلة، فسجّل بعضهم صفحات من "الحرب المليّة" في صياغة روائية تمجّد بطولات الأتراك وتحلم بعودة أمجاد الإمراطورية العثمانية، ومن أبرز هؤلاء الكتاب "محمد الحبيب" الذي أصدر روايتين في نفس الغرض رغم اختلاف أسلوبهما وهما (بسالة تركية) و(وطنية الأتراك) (27) تأثر فيهما بزيارته لدار الخلافة في "الآستانة" فحاول أن يجمع بين مشاهداته وعاطفته وخياله .
ومرحلة التأسيس لأبعاد الصراع الإجتماعي في الرواية التونسية يمكن أن تمتد إلى أواخر الثلاثينات من القرن العشرين، بما في ذلك نصوص "محمد قبادو" التي وظف فيها أسلوب المقامة، إلاّ أن الأثر الأعمق في نشأة الرواية التونسية وتشكّل ملامح الوعي الفنّي بدأ مع "جماعة تحت السّور" وتحديدا مع نصوص "علي الدوعاجي" التي تميزت بخصائها الفنية إضافة إلى عمق مقاربتها للواقع الإجتماعي وصدق تمثلها للشخصية التونسية، ورغم أن شهرة "الدواعاجي" اربتطت أساسا بفن القصة، فإن أثره جليّ في توجيه الكتابة السردية عموما وجهة واقعية أثمرت لاحقا مع كتاب انضجوا فن الرواية، وكان لهم كبير الأثر في خلق ما يمكن أن نسميه "مدرسة واقعية"، لها خصوصيات مميّزة كالتي ستتطوّر مع "البشير خريف" وغيره. وقد أسهم "علي الدوعاجي" بروايتن إحداهما من أدب الرحلة وهي (جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط) أمّا الثانية فقد أشار إليها "محمد فريد غازي" ووصفها بأنها : عمل روائي مرموق (29) لكنها لم تر النّور في عالم النشر وهي بعنوان (شارع الأقدام المخضّبة).
ملامح التحول الإجتماعي وآفاقه في نماذج من الرواية التونسية:
أكدت في المنطلق على تلك البدايات لأنها في اعتقادي قد هيأت أرضية الكتابة الواقعية، تلك التي وان اختلفت وجهاتها وتسمياتها من واقعية الى واقعية نقدية الى واقعية فنية وغيرها، قد اجتمعت نصوصها في الدفاع عن تلك العلاقة المميزة للفن في تقاطعه مع لحظة تاريخية معينة، نصوصا أسست تراكما جديرا بالدرس سننتقي منها نماذج كان الصراع فيها واضحا في صلته بالتدافع الاجتماعي من زوايا متعددة، ومن هذه النماذج نذكر تجربة محمد الهادي بن صالح، في نصوصه الكثيرة والمختلفة في زمن الكتابة انطلاقا من سبعينيات القرن الماضي، إذ يتجسد الصراع في معظم نصوصه بين الريف والمدينة ويتركز حول المهمشين الذين ينزحون من الأرياف ويتمركزون في محيط المدينة ثم يتحولون من أحيائها القصديرية الى قصورها، ومن مهمشين الى سادة، لكن الكاتب يعاقبهم بأن يعيدهم الى ما كانوا عليه،
وفي مستوى المنظور النقدي استطاع الكاتب تعرية بعض الجوانب الإجتماعية والسياسية خاصة منها ظواهر النزوح والوصولية واستغلال السلطة… لكننا نتساءل عن مبررات رؤية آحادية أرادها الكاتب لمسيرة شخوصه في حتمية تقارب حتمية القدر بل تفوقه أحيانا، وكأن الرؤية العامة التي توجه الكاتب تعلن أن لاجدوى صراع الذوات ضد مصيرها وكأن حركة الفضاء الروائي هي لحظة اضطراب وإرباك تتداخل فيها الطبقات والفيئات ثم تعود في النهاية من حيث بدأت وكأن الإرتفاع الموهوم ما هو إلا تهيؤ للسقوط المحتوم، وهذه الرؤية تحيل على توصيف ما للصراع الإجتماعي الذي يبطن صراعات جهوية وطبقية، وعلى اختلال البنية الطبقية وسهولة انتقال الأفراد فيها عبر الوصولية لكنه يبقى في كل الأحوال عاجزا عن الغوص في بنية المجتمع التونسي وحركة طبقاته بالمفهوم الأشمل…
سقنا هذه الملاحظة الأخيرة لأننا لاحظنا إصرار الكاتب على فضاءات متشابهة وعلى بناء يكاد يتماثل في تدعيم المنظور الواحد، وخاصة في روايتي "في بيت العنكبوت" و"عودة عزة المغتربة" وهذه الرواية الأخيرة هي إستكمال -وإن تقدمت في النشر - للأبنية الهشة- من خلال مواصلة مسيرة الهامش في حياة عزة: سليلة الأكواخ وساكنة القصور، مسيرة درامية تؤكد منظور الكاتب ذلك الذي تساءلنا حوله قبل حين.
في نصوص رضوان الكوني يتمظهر الصراع بشكل آخر تماهيا مع تشكل المجتمع التونسي ضمن ثنائيتين متداخلتين الأولى الريف والمدينة في رواية "رأس الدرب" والثانية ذات أبعاد سياسية طبقية في صلة بالمحدث في الواقع والوعي، من انحلال القيم بفعل التداخل او التزاوج بين السلطة والمال لتكون رواية "عيد المساعيد" مجازا ساخرا ينقلنا بين السياسة وكرة القدم، وليكون الواقع ملعبا ضخما تحركه آلة دعائية واحدة لا نفوذ فيها إلا للمال ولا وجاهة فيها إلا لللاعبين، فكانت الشخصية الروائية ممثلة في البطل كنمط اجتماعي معبرة عن ذلك التحول، ليكون بطل الرواية الأولى في عشريات سابقة متموقعا في العاصمة بعد نزوحه من الجنوب، يدخل المدينة بأحلام كثيرة فيها إشراق البدايات ويتخلى في مقابل ذلك عن حنين الأصول، يقول بطل رأس الدرب متحدثا عن مدينة السبعينيات: "لا تفتح أبوابها بسهولة إلاّ لمن اقتحم أسوارها وعرف زواياها وطاف في أرباضها القديمة من باب الجديد إلى الحفير وباب سويقة سرة المدينة وباب الأقواس والصبّاغين"(ص 15). ويرد في موضع آخر: "لم أستطع الثّرثرة والدّخول في أحاديث طويلة لعدم تمكّني من لهجة العاصمة ، وخوفا من أن أكون باعثا على الضّحك والسّخرية عند سماعهم لي وأنا أتكلم اللّهجة التّي حفظت بالجنوب" (ص 136).
وليكون بطل الرواية الأخيرة " عيد المساعيد" الصادرة سنة ألفين من الجيل الثاني، من المتعلمين الذين ولدوا وتربوا في العاصمة وضبطوا حركتهم على إيقاعها وتشبعوا بها مكانا ووعيا إلا أن الحركة تستحيل فيها اعتراضا على ما أصابها من مسخ فترد صورة هجائية للمدينة في فاتحة الرواية " أن يتعالى صوت هذا مفرقعا عاويا…وأن تئز عجلات سيارة مجنونة مصحوبة بصيحة فزع مروعة …أن ترتدي إحداهن فضلة قماش مقعر…وأن تلون تلك وجهها بالأزرق والأخضر والأحمر…أن يتحول الممر الأوسط الفسيح لشارع الرئيس الى نزاع دائم بين أصحاب المصالح الجدد…" ص9و10
وينتهي المطاف بالبطل الى السجن اعتراضا واحتجاجا على ما حل بالمدينة من انقلابات عصفت بالقيم.
توقفنا عند روايتي رضوان الكوني لوضوح رصد التحولات الإجتماعية فيهما بين عشريتي السبعينيات والتسعينيات ولوضوح تمثل تلك التحولات بمجمل ما فيها من تداخلات وأبعاد بين الإجتماعي والإقتصادي والفئوي …
وكذ الأمر مع نصوص الناصر التومي، فهي على تعددها تؤكد هجاء الواقع ورثاء القيم من منظورات رصد التحولات الإجتماعية انطلاقا من رواية "النزيف" التي تنبني على تعارض بين فئتين نازحتين، إحداهما من الوسط والثانية من الساحل، لتفرخ الأولى المهمشين في حين تفرخ الثانية أصحاب الجاه والنفوذ، وينسج الكاتب خيوط الصراع ليتحول الى صراع طبقي ينتهي بأحداث 26 جانفي واحتراق المدينة…وفي روايته الأخيرة" رجل الأعاصير" ينقلنا الكاتب الى صراع عبر وسائط أخرى يكون فيها البطل مثقفا يصارع من أجل حريته الإبداعية فينتهي به الأمر الى التهميش ثم الى العزلة والجنون…
وفي نصوص عبدالقادر بلحاج نصر صراع بين المال والقيم وسعي الى رصد ما خلفته العولمة وحرية السوق من دمارات من أهمها انتفاء القيمة الذاتية سواء في الريف أو في المدينة…ولا ننسى في هذا السياق نصوص جلول عزونة ومسعودة بوبكر وحسن نصر والمرحومين مصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري مع الإشارة المتحفظة لكتابات انشدت الى الحنين " كدار الباشا " لحسن نصر وكتابات أخرى نشأت في المهجر ظلت سجينة الذاكرة والحنين الى فضاءات مفقودة ك "عشاق بية " للحبيب السالمي.
ونعتبر أن النماذج المتقدمة تعكس الخط الكلاسيكي في النظر الى ملامح التحول الاجتماعي، ينظاف إليها رافد من كتابات جديدة تؤسس لرصد أعمق لذلك الصراع باعتبار تمثلها لأنماط من الكتابة الروائية الجديدة وتشبع كتابها بالفلسفات ومنها الوجودية لتكون مقاربة الصراع الإجتماعي مندمجة مع غربة الذات المثقفة، الذات الإشكالية التي تعي العالم بقدر ما تعي مأساتها ومن هذه النصوص رواية " في انتظار الحياة" لكمال الزغباني، التي تتداخل فيها أبعاد الصراع بين الوجودي والوجداني، وبين الطبقي والفئوي والسياسي لتكون الذات الروائية نموذجا للإغتراب بمداراته الكفكاوية، رغم انطلاقه وانخراطه في التدافع بمراجعه الواقعية المعلومة، ولا تفوتنا الإشارة في هذا الباب الى نص جريء، نعتبره رائد أدب السجون في الرواية التونسية، رواية " وجهان لجثة واحدة " للزهر الصحراوي، رواية طبعت طبعات مختلفة في المشرق ونالت جائزة الشارقة للإبداع الروائي، لكنها ظلت ممنوعة في تونس –قبل صدور القرار الرئاسي القاضي بإبطال العمل بالإيداع القانوي – رواية الإدانات الكثيرة للواقع بتعدد أقطابه: بدءا بتسلط السلطة مرورا بصلف المعارضة ممثلة ببعض دوائرها، وصولا الى غربة الذات وتلاشيها بين شظايا الحلم وأوزار الواقع.
وفي نص "خير الدين الصوابني" بعنوان "الوغد" إطلالة مرعبة على الصراع الإجتماعي من منظور سياسي يجعل من البطل نموذجا متفردا في الرواية التونسية، مخبرا يرتقي في سلم مهامه الخطيرة، ليكشف زوايا اخرى من التدافع الإيديولوجي لحظة ازمة ذاتية يستعيد معها ومن خلالها تاريخية العلاقة المتوترة بين الجهاز الخطير والفيئات الإجتماعية على اختلافها، انطلاقا من قصة غرامية درامية قديمة بين المحقق وإحدى طالبات المعارضة…
ختام المقال
استعرضنا بعض النماذج المجسدة لمظاهر من الصراع الإجتماعي في الرواية التونسية، وهي تنتمي مجتمعة للتيار الواقعي بفروعه الكثيرة وفي ذلك انتصار وانتظار: انتصار لنصوص اجتهد أصحابها من أجل طرح تصور يعتني بالفن من أجل القيمة والنقد، وانتظار لآفاق ممكنة تكون فيها النصوص أكثر جرأة من جهة ملامسة الواقع وأكثر طرافة من جهة الخيال، لأن الفن تقتله المباشرة. نقول ذلك ونبدي تحفظا في شأن نصوص كثيرة غيبت الواقع بحثا عن جمالية غائمة فغاب منها الفن والنقد.
وندعو الكتاب -من هذا المنبر- الى تحمل مسؤولياتهم التاريخية لأن فعل الكتابة هو فعل حرية بالأساس، يتحرر من خلاله المبدع ذاتيا ويتطلع الى الحرية الأشمل، ولأن الفن هو صراع دائم من أجل أفق أرحب، ولأن الرواية بالأساس، هي تاريخ من لا تاريخ لهم، وهي إعادة إنتاج للمعرفة والقيم، ولأن قدر الكاتب -كما ورد في حوار مع أحد الكتاب الألمان – هو أن يقف دوما في صف الخاسرين، الذي هو صف الإعتراض من أجل الدفاع عن الحقيقة المغيبة، الحقيقة التي يجب أن تجد سبيلها الى النصوص الإبداعية المتميزة، تلك التي سيخلدها التاريخ باعتبارها مقاومة بأدوات الفن لكل مظاهر الفوضى والإرباك، وباعتبارها فضحا وتعرية لكل محجوب ولكل خفي في محطات تاريخنا المعاصر.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية