الملتقى الدوري لنادي القصة بالحمامات 2009
- مدخل عام
تتصل هذه القراءة بنماذج من المجموعات المتوجة في مسابقة نادي القصة’ ولا بد أن نذكر في هذا المقام’ بالجهود المبذولة من قبل المشرفين على النادي من أجل تطوير هذا الفن الذي هو من أعرق فنون السرد ومن أكثرها تعقيدا وتأثيرا’ وهذه الجهود على اختلافها: سواء في الورشات الأسبوعية أو في الندوات الشهرية لنادي مطارحات’ أو في الملتقيات الدورية السنوية: كلها مجتمعة أدت إلى زيادة عناية الكتاب وتواصل جهودهم عبر سنوات لتطوير قدراتهم وعرض انتاجهم ضمن المسابقة السنوية التي أصبحت تقليدا محمودا يرصد ما يمكن أن يكون جديدا ومختلفا.
وهذه المسابقة التي افتتحت سنة 2003 قد أثمرت تراكما جديرا بالدرس والتمحيص’ ذلك أنها استقطبت وخلال مسيرتها عددا كبيرا من كتاب القصة ومن أجيال مختلفة’ وفي هذا الإقبال على المسابقة يكمن تميز هذه التجربة من خلال ثرائها واختلافها وتجددها ومن ذلك تجدد الإقبال على هذا الفن الإبداعي وتغذيته بروافد تخصب الجديد من سنة إلى أخرى.
فخلال ست سنوات من تاريخ هذا الإنجاز’ تم تتويج ثمانية أعمال هي على التوالي : (حكاية الرجل الآخر) لمالك حمودة’ و(أضغاث أحلام) لرضا سهيل’ و(انكسارات هشام السعيد) لحسن مشري’ و(عاصفة النسيان) لناجي الفرشيشي’ و(سيدة العلب) لآمنة الوسلاتي’ و(متسع للضياع) لحبيب المرموش’ و(رحيل) لجميلة الرقيق’ وأخيرا (غربال الضوء) لرضا البركاتي.
وكل هذه الأعمال المتوجة نشرت في طبعات مقبولة ضمن منشورات قصص’ وهي تمثل الأفضل من بين عشرات المجموعات الأخرى المقدمة خلال السنوات المتعاقبة والتي استجابت لمقتضيات الترشح للجائزة’ وعدد غير قليل منها’ يتوفر على مستوى فني مقبول إلا أن حدود الجائزة تقتضي إفراد الآحاد من بين تلك العشرات... وفي هذا المدخل تحية لكل الكتاب الذين وثقوا في هذه المسابقة ودفعوا بأعمالهم خلال سنوات’ وفيها تذكير بأن الأعمال المتوجة قد بلغت تراكما جديرا بالنقد والتمحيص’ لأن جهود النادي والقدرات الإبداعية المتحققة فيه’ لن تثمر إلا باكتمال حلقاتها ومنها آفاق التلقي عبر القراءات النقدية لتلك الأعمال ودعوة النقاد إلى العناية بهذه التجارب.
وحسبنا في هذا الباب’ أن نقدم ثلاثة أعمال وهي المتوجة خلال الدورتين الأخيرتين من مسابقة النادي وهي: (متسع للضياع) لحبيب المرموش التي توجت سنة 2007 ومجموعتين متوجتين في الدورة السابقة 2008 وهما: (رحيل) لجميلة الرقيق و(غربال الضوء) لرضا البركاتي’ وهذه المجموعات الثلاث تتحد في المستوى الإبداعي لكنها تختلف من حيث تقنية الكتابة والمناخات التي تحيل عليها’ مما يؤكد بعدا إيجابيا كنا قد أشرنا إليه’ يتصل بديناميكية هذا الفن القصصي’ سواء من جهة المنطلقات الإبداعية عند الكتاب أصحاب النصوص’ أو في مستوى التلقي الأول من جهة التتويج’ عند لجان التحكيم والمشرفين على هذه الجائزة.
وسنسعى في هذا المدخل’ إلى التقاط العلامات المميزة لكل واحدة من هذه المجموعات الثلاث’ وسنعمد الى قراءة متحررة تعتمد النص في كله’ لأن القدرات النقدية تتجه أحيانا إلى تفكيك النص بحثا عن مكامن الإبداع فيه’ فتعمد إلى تجزئته ليتشظى في بحث مزعوم عن المتعة’ وغالبا ما يعمد الناقد إلى تشريح ذلك المنجز’ فيكون حديثه عن النص وليس في النص’ مما يزيل المتعة’ لأنها كامنة في كل النص باعتباره عملا فنيا من شروطه التماسك واندماج عناصره ضمن كل لا انفصال فيه بين المبنى والمعنى:
"و لأن لذة النص’ - كما يقول بارط - هي احتجاج موجه ضد فصل النص عن الباقي’ إذ ما يقوله النص عبر خصوصية اسمه الفردية’ هو حضور اللذة دفعة واحدة’ في كل مكان وعدم انتماء المتعة إلى أي مكان"( 1)
- مركزية الذات وخاصية اللغة الشعرية في متسع للضياع لحبيب المرموش:
هذه المجموعة هي أقدم المجموعات الثلاث’ توجت سنة 2007 وصدرت ضمن منشورات قصص عدد
وبالنظر في جماع القصص’ لاحظنا نزوعا إلى الإتحاد بين الرواية والبطولة في عدد من القصص حيث تكون البداية كاشفة لذلك الخيار الذي يعبر عبر ضمير المتكلم من قبيل: " تملكني الفقد فمسكت ذاتي من يديها..." ص5 في قصة (شرنقة) أو:" وأنا قابع بمقهى محطة لاقار..." ص17 في قصة (مقهى) أو " كان من حقي الموت بسلاحي لكنني لن أموت إلا والخنجر في يدي..." ص109 من قصة (أمازال يستهويك الرحيل؟) أو " اليوم الأول وأنا شاخص إلى هرم الأسئلة أتفحص الوجوه المبعثرة في طريقي..." ص113 في قصة (أسكنتها أضلعي) وهذه الوضعية المعلومة توحي بحرارة أكبر من خلال زوال الوسائط بين طرفي الخطاب’ لأن الراوي هو قناع الكاتب يوهم من خلاله بحيادية ما’ وفي لحظة زواله تستدعى صورة الكاتب استدعاء مباشرا كذات حاضرة في مخيلة المتلقي’ ليكون الأمر أشبه بالإعتراف وينعرض الخيال في سمة الواقع’ وقد يتخذ بعدا أكثر حميمية وحيوية وقد يكون أشد وقعا من جهة التأثير...
وهذا الوضع السابق’ مدعوم بوضعيات أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه في الملمح الأول لهذه القصص: ونعني به الذات الحاضرة في مجمل مناخ المجموعة’ من ذلك أن قصصا أخرى اختار لها الكاتب بدايات تقليدية معلومة في الحكاية’ ونعني بها وضعية الراوي العليم والمحايد الذي يوجه السرد بضمير الغياب في انفصال واضح بين الرواية والبطولة’ لكن الكاتب سرعان ما يعود إلى ضمير المتكلم’ لنكتشف أن ذلك الآخر المعني بالحدث والبطولة ماهو إلا قناع للأنا في لحظة اتحاد تزول فيها الأقنعة والوسائط الإبلاغية التي اصطنعها الكاتب في بداية السرد’ ففي قصة (متسع للضياع) يفتتح السرد بالجمل التالية: " أسرع نحو الباب يفتحه أشعل النور جذب كرسيا وهمس بصوت خافت..." ص105 ثم ينغلق في اندماج ذاتي أشبه بالإعتراف أو المكاشفة في نهاية القصة:
" وتواريت في العتمة يسبقني طيفها وهو يعدو نحوي ...كنت وقتها أنا أما الآن فإنني إنسان آخر’ لكنني مازلت أشعر بالسحق ودموعها تحاصرني’ وصوتها الناشج يسري في مسامعي..." ص107 . وفي استقراء لهذه القصص يمكن أن نستنتج أن الكاتب يسعي إلى تموضع ما في علاقة بالحدث والشخصية’ فتبدأ دوائر القص محيلة على "غيرية ما" في علاقة بالآخر في درجة إيهام بالحياد والتعدد’ ضمن الشخصية والحدث ثم سرعان ما ترتد إلى حميمية في صلة بالذات الكاتبة’ فيبدأ القص واقعا’ ثم ينتهي وجدانا في وضع هو أشبه بالحالة الشعورية أو الوجدانية’ تزول فيها الفواصل’ وتنتفي الحيادية ليتمركز الكل في الذات ولينصهر السابق في إرهاصات اللاحق...
وفي بعض القصص الأخرى’ تحضر الذات من خلال وضعية ثانية: هي وضعية الإندماج عبر المشاركة الحوارية ليكون الحدث بين "هي وأنا" كما في قصة (مهرجان) أو بين "هو وأنا" كما في قصة (نصف الدنيا) وبذلك’ تكون الذات حاضرة حضور الإندماج في ثنايا الفعل والإنفعال أو في الحدث والوجدان... وفي قصة (ضيف شرف) يوهمنا السرد في حدوده المنظورة بوضعية تقليدية تبتعد عن مركزية الذات:" انتصب أمام المرآة يدندن لحنا حزينا لازمه منذ أيام الطفولة..." ص65’ لكن الحدث وبعض العلامات الحافة الأخرى تعيدنا وبشكل مباشر إلى الذات الكاتبة التي تدعى إلى حفل تكريم في ناد ثقافي’ وتأمل أن تجد فيه بعض الأعلام المعروفة بالجهة والمذكورة بأسمائها وصفاتها’ مثل الأستاذ عبد الوهاب بوزقرو:
" عشرون سنة مضت وأنا ما أزال أذكر ذلك الشيخ الوقور صاحب الجبة الصفراء واللحية البيضاء والرأي اللاذع والفكر الحكيم...على أية حال لابد أنه سيسر بملاقاتي بعد قليل وربما أثنى على شعري الجميل...نعم فأنا شاعر كبير مثله..."ص66 كما ترد إحالة أخرى على ذات الكاتب ضمن حوار داخلي: " لا...ياسي الحبيب لا بد أن تتجلد وتصبر فأنت لها..."ص68
ومن خلال هذه القصص وباختلاف أدواتها الفنية - تلك التي توهم بالإختلاف والتعدد- لكنها تنتهي إلى التوحد خلف إحالات دلالية تؤكد الحضور الذاتي’ تنعرض أوضاع الذات الكاتبة ضمن مساري الحنين والتذكر في استعادة شعرية لمناخات الطفولة كما في قصة (شرنقة)’ أو في إحالات وجودية ووجدانية موصولة بالحب والغربة والموت في قصص أخرى’ كما كان لوضع الكاتب وغربة المثقف نصيب في قصتي (مقهى وضيف شرف).
فيما تقدم’ أكدنا مركزية الذات المبدعة وفعلها في توجيه القص’ شكلا من خلال أوضاع الراوي’ ومضمونا من خلال الإحالات الدلالية الموصولة بمدارات شخصية’ ولم نصدر حكما في هذه الظاهرة’ لأن الفن ذاتي بالضرورة’ والأهم أن يكون النص مقنعا بكله من خلال إيحاءاته وأساليبه’ وسنسعى إلى استكمال المبحث المتقدم برافد آخر هو من الذات قريب’ ونعني به "شعرية النص": وكأن حبيب مرموش - كذات كاتبة- تنحاز للشعر عبر وسائط القص’ فكانت الغنائية موجهة لمجمل الخيارات الفنية: غنائية تسبق الداخل على الخارج’ أو تقول الخارج بلغة الدواخل’ لتكون القصص أقرب إلى الحالات الوجدانية المتقنعة بأحداث الواقع’ حتى أن بعض القصص يختفي منها الحدث لتكون أشبه بلحظة وجدانية هي من فيض الذات الشاعرة’ مثل قصة (لارا والبحر) حيث يكون الفقد والغربة والموت من مداخل تلك اللحظة’ وحيث يكون البحر - كما في معظم القصص- معمدا لتلك الحالات...
وشعرية النص تتبدى في مواضع كثيرة’ بعضها مجزأ في انتقاء العبارة وإيحاء الإشارة’ وبعضها في الصور الطريفة التي لا تكاد تخلو منها قصة كما ورد في فاتحة قصة (حتى الثمالة):
" يركض الليل في القلب’ ويستقر في الحدقتين قبل أن يمسكه من خناقه ويلقي به في بؤرة الندم العنيد’ تغرس السنون أنيابها في لحم الذاكرة وتطوقه حلقات الجدب’ وحده يتقدم إلى جدار الخوف...يصرخ عاليا’ تتيه صرخته في الفضاء الضيق فينثر الكون صداها’ وتطلع الوجوه الدميمة من هنا وهناك تضحك تبصق...تتهكم’ فيتجعد الوجع وتغور الفرحة في أوحال الحكاية..." ص27
والمجاز بأنواعه هو من دعائم اللغة الشعرية التي تقدم الدليل من خلال إيحاءات متعاقبة على ذلك التداخل المقصود بين عالمي الذات والموضوع’ وتدعم المنظور الذاتي للعمل الفني الموصول بالتفريغ قبل التبليغ’ والمسكون بغاية تفريغ شحنات وجدانية تتسع ضمن دوائر الحنين والتذكر والغربة والفقد والخيبة والتحدي...
لتكون مجمل الأحداث والوقائع أصداء لذات تتشظى في حميمية الزمان والمكان’ تتقنع بأقنعة السرد لتقول ذاتها بوعي وتصميم’ يرد في قصة (مقهى): " وأنا في الحقيقة أرغب في أن تنتبهوا لحكايتي هذه وتصدقوني’ لأني لا أكتب لكم هذه المرة من ذاكرتي خاصة بعد ان اعتقد الكثير منكم انتم قرائي الأوفياء أن مسيرتي الأدبية تنهل من سيرتي الذاتية ...ولعل بعضكم سيكون قد ذهب الى المقبرة العالية على مشارف البحر’ بجانب مقام سيدي المازري’ حيث توجد تلك القبة الصغيرة ما بين قبري أمي وأبي ليقرأ علي آيات اللعنة بدل آيات الكرسي" ص18
وقصص هذه المجموعة - في عمومها- تذكر بكتابة تيار الوعي في الرواية الجديدة’ حيث تنتفي الوسائط التقليدية وتتداخل الأبعاد: من زمان ومكان’ وتنصهر في داخل الشخصية حيث تكون اللغة ترجمة مباشرة للوعي والشعور’ وحيث يكون ذلك الوعي في حالة تكوين وعدم استقرار ضمن جدل موتور بين الداخل والخارج’ تكون الأسبقية فيه للأحاحيس ضمن دوائر حرة من التشكل وفق لحظة الكتابة...
ومن هذه الدلالات مجتمعة’ نذكر بعلامة البداية’ من خلال التماهي مع مناخات محمد شكري’ وبصفة خاصة إذا استحضرنا بدايات حبيب مرموش الشعرية’ ثم فضاءه الروائي في روايته (أعراس العزلة) لنؤكد انخراط الكاتب ضمن أدب السيرة الذاتية الذي غذى ولازال يغذي السرد بعلامات إبداعية مرموقة’ لكننا نتساءل عن حدود هذا الفضاء’ وعن مدى قدرة كتابنا -عموما- على الحفر في متاهات الوجود’ من خلال دوائر الذات المفردة في واقع موسوم بالعزلة والتعقد ومحتجب خلف عديد الأقنعة ؟.
- المنظور النقدي كخاصية فنية في غربال الضوء لرضا البركاتي:
المقصود بالمنظور النقدي’ هي وجهات النظر التي تحكم جماع العمل الفني’ تلك المواقف الضمنية التي لا يخلو منها عمل إبداعي’ لأن الأدب كما يرى - تودوروف- "موجه نحو الحقيقة والأخلاق’ ولن يكون الأدب شيئا إذا لم يتح لنا أن نفهم الحياة بصورة أفضل"(2) ولأن الإبداع - في عمومه- يصدر عن ذات ملأى تفرغ شحنة في المستوى الإنفعالي’ وتصدر موقفا في المستوى الإدراكي’ ومن هذا الحد’ كان الفن في جوهره احتجاجا ضد الرداءة والتغييب والتغريب’ وهو دفاع بأدوات شتى عن قيم كبرى: كالجمال والفضيلة والصدق... وهو إعلان عن حرية ما يرتئيها المبدع’ ثم يسعى إلى تجسيدها عبر مختلف الأدوات والوسائط.
وفي مجموعة (غربال الضوء)’ تتأكد خصوصية التماهي بين العام والخاص’ لتكون الحكاية حكاية جيل’ وحكاية حي’ وحكاية مدينة’ بل حكاية وطن من خلال الحيوات الفردية: حكاية دوائر’ بعضها يحيل على كلها ضمن ترابط تزول فيه الفواصل وتنتفي الحدود’ لتكون حكاية الخالة زعرة’ واسطة في الزمن بين الحاضر المديني والماضي القبلي’ ولتكون خيطا ينسج بساط التذكر بين مكانين مختلفين: الريف والمدينة’ ولتكون لحظة موتها استدعاء لكل تلك الأبعاد في تعددها وثرائها’ مراوحة بين هنا وهناك :
"ماتت هنا ودفناها هنا في حين أن منبتها هناك...لكن طعم مرارة بقي عالقا في الحلوق مع إحساس بالغربة باليتم...شعور أغبر يثقل الصدر اشتركنا فيه جميعا نحن رجال الجيل الأول لجموع النازحين المتكدسين هنا على حافة المدينة المتورمة" ص13 وهذا التكدس على حافة المدينة المتورمة موصول بفشل تجربة التعاضد وخراب الزرع بعد الجلاء الزراعي ويحيلنا الكاتب على صور الخراب ضمن مشهدمتكامل: "لقد ضاقت بنا الأرض فهجرنا هجرت أغلب البيوت في الصوالحية ثم تهدمت أمحت شبكة الثنايا بين المنازل المتناثرة’ وانغلقت المسارب التي كانت تشق المزارع...كل الدروب تبدلت’ إلى أين نمضي؟ إلى أين نعود؟" ص16
وتتميز هذه المجموعة بقدرة فائقة على دمج المواقف في ثنايا الحدث ضمن خيط خفي لا يعرقل القص بقدر ما يثريه’ مثلما ورد في حوار ثنائي خلال مشهد تشييع جنازة الخالة زعرة واحتجاج المحاور الأول على حضور النساء في الجنازة:
"خاطبه عبدالحق:
- قوللهم إيروحو’ فأجابه: خليهم يمشيو راهي جنازة خالتي زعرة’ قالها وهو يمشي فامسكه من ذراعه واستوقفه قائلا: - راهو الحاكم يمشي ورانا...فانتزع ذراعه منه وقال: - وقتاش كان يمشي قدامنا؟ وواصل مشيه بنفس الخطوة الجريحة".ص 18
ومن سيمات هذا العمل القدرة على المجاز الذهني’ ونعني به الرمز الموحي الذي يجعل من المفارقات الكبرى مجالا للقص’ كقصة (الحاج) التي تصل باقتدار بين مجالين وتنقلنا من التراويح ببعدها القدسي إلى الترويح ببعده الحياتي’ حيث يعود الحاج إلى جسده المغيب وينشد إلى الحياة ومتعها من جديد(انظر ص 122).
ومن ذلك’ القدرة على استغلال المكان الذي يستحضر من خلال طاقة هجائية تدعم أوجه النقد وتحيل خاصة على الضياع والتهميش’ في مقارنة بين كلبة خالتي زعرة التي تطوف الحي لكنها تعود دائما الى صاحبتها’ في مقابل شباب الحي الذين ضيعوا خطاهم في المسالك الموحلة للمدينة المكتظة ص21. ومن ذلك أيضا ما ورد في قصة (غربال الضوء) من تهجين للمكان في علاقة بسيمات أهله ليطل البطل على الحي من عل’ فيراه قميئا بأهله المتضائلين وببيوته المتراصة كالعلب’ وبعد إضاءات عديدة موصولة بالتذكر والحنين إلى زمن القرية’ ينغلق السرد على مشهد يصل بين الحي وأهله في مقابلة واضحة بين عالمين: الأول موسوم بالسكينة والقناعة والهدوء’ والثاني موسوم بالصخب والإجهاد والضياع:
" وعيط القطار كان صوته موحشا...هذا قطار الضاحية يدخل المحطة’ يتوقف القطار بمحطة بئر الباي وتنزل جحافل العاملات والعمال وتتجه إلى الحي بخطى مكدودة محطمة’ خطى جيش مهزوم’ وراء خط السكة خط الشاطيء’ هناك البحر مستلق حزين’ وعلى خط الأفق كانت الشمس ملقاة ذبيحة ودمها مهدور في اللجة." ص79
ومجمل الرؤى والمواقف مندمجة في عناصر القص منصهرة في جزئيات الفضاء من مكان وزمان وشخصية’ إذ برع الكاتب في رسم ملامح شخصيات نمطية شديدة العمق والحيوية’ مثل شخصية خالتي زعرة التي تقود فتيان الحي وتنقضهم من التيه والضياع’ كما كانت فاعلة نشطة زمن التعاضد لأنها وجدت في مبادئه العامة بعض التضامن الذي هو من أبرز ملامح شخصيتها الإنسانية’ كما برع الكاتب في رسم ملامح صورة الأب خاصة في قصة غربال الضوء وشحنها بأبعاد شديدة الأصالة والعمق’ وما يعنينا في هذا الباب قدرة الكاتب على تصوير الإنفعالات في لغة مجازية شديدة الإيحاء والأثر كتصوير فجيعة القوم بوفاة الخالة زعرة:"عند الباب وأنا أنظر الى عبير’ رأيت الروح تتوجع’ تتلوى داخل قشرة الجسد’ سمعتها تعوي كالذئب الجريح تريد ان تمزق الجسد وتخرج’ تريد ان تلحق بأختها التي مضت كما العصفور يتكسر جناحاه على قضبان القفص."ص17
ونشير الى اتساع الفضاء التعبيري من خلال حسن توظييف أجناس فنية أخرى كالمسرح في قصة (حلم ليلة باريسية) والسينما في قصة (غربال الضوء) حيث نسج الكاتب بمهارة خيوط الصلة بين الحاضر والماضي واستدعى بدايات التواصل مع الصورة انطلاقا من ذاكرة الطفل في أواخر الخمسينيات’ واستدعى من ذلك فضاء ريفيا شديد الخصوصية تبدى من خلاله القدرة على التصوير من جهة’ ثم القدرة على التركيب والإنتقال بين تلك الجزئيات المتعالقة من الجهة الثانية:
" كان الغربال في حركة دائبة بين يديها ترفعه يدور بضع درجات ويرتكز على الرقعة فيحدث صوتا ويثير زوبعة صغيرة وترتفع سحب من الطحين...كانت يداها والغربال في انسجام تام ترفعه وتعطيه دفعة ليدور في الهواء’ من اليسار إلى اليمين فيدور ثم يسقط على الرقعة في نفس الوقت’ يدور الطحين حول نفسه داخل الغربال في حركة مندفعة نحو المركز حيث تتجمع النخالة وهي تلف حول نفسها في شكل حلزوني تدور وتتجمع في الوسط ...هكذا حركة الغربال: دفعة ولفة وارتكازة’ ثم تتلقفه يدا أمي فدفعة فلفة فارتكازة...وتعود الى الغربال لتملأه طحينا وتراقصه’ والى الجهد تطحنه أنينا وتنثره غناء’ يصعد نغما مزموما دائريا يروض أتعاب البدن ويسكتها ليعبر عن أوجاع الروح: مآسيها الفاتنة ومخاوفها من الآتي."ص64
وفي المشهد المتقدم قدرة واضحة تجلي مكامن الشعر في الوصف’ وتذكر بقولة ابن رشيق الشهيرة: "إن أفضل الشعر هو ما أحال السمع بصرا" والقصد من ذلك لغة التعبير من خلال الصورة في حركتها واكتمال جزئياتها. تضاف الى ذلك - كما سلفت الإشارة- القدرة على التركيب والربط بين عناصر متباعدة في الظاهر’ لكنها تنصهر ضمن الكل المعبر ليدعم جزؤها الكل التعبيري فيها’ كالصلة بين غربال الطحين وغربال الضوء في السينما’ الذي يغربل الخيوط فتلتقي ألقا على الشاشة مفصحة معبرة’ أو كذلك التركيب بين عالمين: عالم الماضي المستعاد من خلال التذكر وعالم الحاضر المعيش’ من خلال الشخصية في قصة (خالتي زعرة) ومن خلال البطل الراوي في قصة (غربال الضوء)’ حيث يتوزع السرد بين فضاءين متنافرين يجمعهما وعي البطل’ فضاء الماضي الموصول بالحنين والمشحون بطاقة إيحائية داخل القرية’ وفضاء الحاضر المشحون بطاقة هجائية ترتبط بالمدينة وزمنها الموسوم بالغربة والكدح والضياع’ والإنتقال من خلال شاشة مجازية هي شاشة وعي البطل’ إلى شاشتين حقيقيتين يصل بينهما الضوء الذي يغربل ثم يتجمع في خيوط دالة: الأولى شاشة السينما زمن الطفولة والأحلام الممكنة’ والثانية شاشة التلفاز’ الحاضرة برعبها وقتامة عوالمها المحيلة على الحرب والدمار .
- خصوصية النظر إلى الواقع والتنوع داخل الوحدة في مجموعة رحيل لجميلة الرقيق
توجت هذه المجموعة سنة 2008 وصدرت ضمن منشورات قصص عدد 48 وتحوي إحدى عشرة قصة’ وفي المستوى الفني تتوحد معظم القصص في وضعية معلومة للراوي الذي يوجه السرد ضمن المألوف في الحكاية التقليدية ليكون الحدث موصولا بضمير الغياب بين الإفراد والتثنية والتذكير والتأنيث:"هو وهي وهما" وتختص قصة واحدة بوضعية الإندماج في اتحاد بين الرواية والفاعلية في الحدث وهي قصة (رحيل) حيث تواجه البطلة حدث الموت من خلال مرض الأب’ وحيث تقاسمة لحظة الإحتضار وتستعيد من خلالها مجمل محطات الحنين في علاقة باستحضار المكان واستعادة أزمنة سعيدة مضاءة ومشحونة بعبق أصالة الأرض والإنشداد إلى الجذور...وكان للتداعي أثر في حميمية اللحظة المدعومة بضمير المتكلم...
والملاحظ أن معظم القصص تتوفر على بنية حدثية ضمن زمان ومكان معلومين’ ويسير الحدث فيها ضمن تعاقب خطي ينهض به السرد بداية ووسطا ونهاية’ مما يؤكد الوعي بمقتضيات البناء القصصي.
وما يعنينا في هذه المجموعة’ هو قدرة الكاتبة على استدعاء مقومات الفضاء الواقعي من زمان ومكان وشخصية’ وصهر تلك المقومات في حيز قصصي مكثف يحفل بالمشاهد ومن خلال ذلك بالرؤى النقدية التي يمكن أن نقسمها الى قسمين: عامة وخاصة’ ونعني بالعامة تلك التي تطال أوجه الحياة في اشتراكها من قبيل: الهجرة والعنصرية’ والنضال من أجل لقمة العيش’ وخيبة أحلام الطبقة الوسطى في الإرتقاء المشروع بأسباب عيشها...ونعني بالخاصة’ زاوية النظر فيما يتصل بعالم الأنثى المشحون بعواطف وانفعالات شديدة الحساسية’ برعت الكاتبة في إجلائها بلغة دقيقة في تعبيرها وإيحائها’ ونلاحظ في هذا الباب’ أننا لا ننظر لكتابة نسوية’ لكننا ننبه إلى مزايا خصوصية النظر الى عوالم المرأة بعين شديدة النفاذ إلى الدواخل’ ضمن الإنفعالات الموصولة بصيرورة الحياة الواقعية بمختلف وقائعها’ من ذلك ما ورد في قصة (طول العمر يناسب الطيور) حيث انقدح السرد من دائرة أولى في علاقة بهي البنت’ والتي تعمل مدرسة’ ثم انتقل مباشرة إلى درجة ثانية في علاقة بهي الأم التي ترافق ابنتها والتي تستعيد حياتها ضمن خيط من عدم الرضى’ موصول بغربة تتوضح معالمها الأشد قتامة في تقاطع مع الظاهر الموسوم بالرضى والقناعة: " حتى عندما تزوجت ليلة العرس لم تفرح كالعذارى’ وبكت كثيرا’ زوجها الأكثر خبرة منها هتك كل الحجب دفعة واحدة ولم يمهلها ولم يحادثها...ثم تركها وأشعل سيجارة وانخرطت هي في بكاء صامت’ ولم يسع إلى تخفيف حرقتها بل لعله لم ينتبه إليها فقد غط في نوم عميق..."ص22
واستطاعت الكاتبة من خلال تداعيات الأم’ أن ترسم صورة نمطية لحياة مغتصبة لا خيار فيها’ لكنها تختفي تحت ستار القناعة والتضحية: "للمرأة التي تخشى الإنفراد بزوجها’ والتي بدأت تحس بالقرف كلما لمسها’ وتحول القرف كرها لكنها لم تمانع ولم تفكر حتى في الإعتراض والرفض" ص23. هذه المرأة التي تزوجت إرضاء لأهلها ثم واصلت العيش إرضاء لأبنائها’ ترحل معهم من مكان لآخر’ وحتى حين التجأت للصلاة لم تجد فيها ما يخفف أوزارها الخفية:
" دأبت على الصلاة ...لكنها كانت تستغرق في عالم معتم مشوش تتزاحم في مخيلتها صور كثيرة’ ثم يثقل رأسها حزن كبير فيطول سجودها..." ص24
واستطاعت الكاتبة بلغة شفافة أن تعبر عن غربة وجودية في متاهة الحياة العادية’ التي تنعدم فيها الخصوصية الفردية لصالح المنجز الإجتماعي’ الذي يغتال الكيانات في صمت وتصميم ضمن مسار معلوم من فقد الحرية الذاتية لامرأة دأبت الرحيل والانتظار’ لأنها ترحل دائما في الإتجاه الخطإ فهي إلى الآن لم تركب القطار الصحيح’ وتتعثر في ثوبها الطويل "الذي يناسب سنها" والذي يشدها إلى الأرض ويغوص بها نحوالنهاية و العدم... وفي قصة (ليلة باردة جدا) استطاعت الكاتبة رصد أحاسيس الأنثى في إطار أسري عادي’ واستطاعت من خلاله الوصل بين جزئيات عادية متكررة’ وتوظيفها مجتمعة لتعميق الإحالة على الغربة: من الهاتف الجوال الذي لا يرن’ إلى المدفأة المعطبة’ إلى الزوج الذي يعود متأخرا ويغط في نومه’ إلى الحلويات الرديئة’ إلى برد الشتاء وتجاهل الجميع لعيد ميلادها...
ورغم انفتاح القصص على مناخات اجتماعية متعددة فإن ذلك التعدد ينصهر في وحدة نظرة الأنثى لتلك الفضاءات’ نظرة مأخوذة بقطبين: الأول صورة الأب بين الحضور والغياب في قصتي(رحيل وحكاية أخرى)’ والثاني صورة الرجل بين التسلط واللامبالاة وبينهما جملة من الوضعيات الإجتماعية الموسومة بالتدافع والصراع...
وتجدر الإشارة الى قدرة اختزال تلك الفضاءات ضمن أطر واقعية حافلة بالمشاهد’ تكون المراوحة فيها يسيرة بين الخاص والعام’ ويكون الانتقال من الأماكن المزدحمة إلى صخب الذوات’ ومن حركة خارجية إلى أخرى داخلية استأثرت بعناية الكاتبة ضمن دوائر الانفعالات المتوترة في تقاطع العلاقات الاجتماعية والفئوية والطبقية...
- خاتمة
حاولنا في هذه القراءة المتقدمة’ أن ننظر في نماذج من أعمال متوجة في الملتقيات الدورية’ واعتمدنا انتقاء حرا سعى إلى رصد أهم الخصائص المميزة في كل مجموعة من المجموعات الثلاث’ فكان الانطلاق من مركزية الذات وخصائص اللغة الشعرية في مجموعة (متسع للضياع) ثم كان التركيز على وجهات النظر النقدية والفضاء التعبيري في مجموعة (غربال الضوء)’ وختمنا بإبراز خصوصية المنظور الواقعي في مجموعة(رحيل)’ ونشير إلى أن هذا المدخل الانتقائي فيه تركيز على بعض الخصائص دون غيرها’ مما يؤكد الثراء والتنوع في هذه النماذج المتوجة’ ونذكر بأن النصوص الجيدة تنفتح على قراءات متعددة وفي ذلك تأكيد على دعوتنا المتقدمة للعناية بهذه الآثار المتوجة لما تحويه من قدرات إبداعية مميزة’ تثري بتنوعها الإتجاه الواقعي في القصة التونسية’ وتذكر بجذور مشرقة تطورت عند الرواد الأوائل وعلى رأسهم علي الدوعاجي’ الذي استطاع باقتدار فني أن يحيل على ثنائية الإنسان والواقع’ في المستويين الإجتماعي العام والنفسي الخاص’ ونذكر في الختام نقادنا الكرام’ بأن البنية الأدبية لا تنفصل عن البنية الإجتماعية’ وأن الشيء الأساسي في دراسة الإبداع - كما يرى -غولدمان- "هو العثور على الطريق التي من خلالها عبّر الواقع الإجتماعي والنفسي عن نفسه’ عبر الحساسية الفردية للمبدع داخل العمل الأدبي أو الفني’ الذي نحن بصدد دراسته"(3)
الهوامش:
- (1)- رولان بارط - لذة النص ص 58 - دار طوبقال ط1 - 1988
- (2)- تزتيفان تودوروف - نقد النقد ص25 - دار الآداب 1982
- (3)- لوسيان غولدمان - البنيوية التكوينية والنقد الأدبي – مؤسسة الأبحاث العربية
المصادر:
- متسع للضياع : حبيب المرموش - منشورات قصص عدد 47 سنة 2008
- غربال الضوء : رضا البركاتي - مطبعة فن الطباعة سنة 2009
- رحيل : جميلة الرقيق - منشورات قصص عدد 48 سنة 2009
ألقيت هذه المداخلة في الملتقى الدوري لنادي القصة بالحمامات 6/9/2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية