رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

السياسي والإبداعي في رواية لزهر الصحراوي

السياسي والإبداعي في رواية "وجهان لجثة واحدة للزهر الصحراوي"

 

-         بقلم جمال حسني

 

462mee

 
 

نظمت رابطة الكتاب الأحرار عشية الجمعة 2008/05/30 ملتقى أدبيا بفضاء ألتاليير بالمنزه الخامس، وكان موضوعه تقديم قراءات لرواية الكاتب لزهر الصحراوي وجهان لجثة واحدة، تولى الأستاذ محمد الجابلي افتتاح اللقاء فقدم في إيجاز الرواية وصاحبها وأشار الى تعرضها للمنع، معتبرا أن هذا المنع غير مستند الى مبررات، وذكر بالمناسبات التي دعت فيها الرابطة الكاتب للتعريف بنصه، وهي تدعوه الآن في سياق آخر، وهو سياق نقدي يحتفي بالنصوص الجيدة من خلال تعدد وجهات النظر فيها... ثم انتهى الى تحديد برنامج اللقاء وأشار برنامج الندوة الذي يتكون من مداخلة أساسية وإضاءات في شكل ورقات وانطباعات وتعقيبات...

قدم المداخلة الأولى التي اتسمت بشيء من الطول، الكاتب القصاص لسعد بن حسين وانطلق في كلمته من بيان دواعي اهتمامه بهذه الرواية: أهمها المنع الدي تعرضت له وما نشأ عن ذلك من آثار، ثم عرف بالكاتب، فهو كاتب قصة قصيرة قبل أن يكون روائيا، وهو ينتمي الى جيل من المثقفين اليساريين الدين حملت إبداعاتهم أصداء تجربتهم الإيديولوجية، ونبه كذلك الى أهمية الرواية، فقد حضيت باهتمام طائفة من النقاد لا سيما في ملتقى مختبر السرديات الدي نظم بمدينة "المسيلة" بالمغرب وهو عامل حفز صاحب الكلمة بمزيد الإهتمام بالرواية، وبين ان هذه الرواية تحمل سيرة ذاتية لجيل من المثقفين الحالمين أهداهم الكاتب روايته.

 ونزل المتدخل الأثر في سياق أعمال روائية عالمية وعربية اشتغلت بتصوير التجارب الشخصية وتحدث فيها الكتاب عن مراحل من حياتهم اليومية في شبابهم، وذكر أمثلة على ذلك مثل تجربة الكاتب جيمس جويس "صورة الفنان في شبابه" وفي السياق التونسي ذكر الكاتب عبدالجبار العش في رواية "محاكمة كلب"، ولعل الخيط الرابط بين هذه الأعمال ما سماه المتدخل "الطقوس الكلبية" فالفنان المبدع يراقب جثته او ما بقي منه في واقع بائس... ثم قدم إضاءات تعلقت بمضمون فصول الرواية وهي بصفة اجمالية تصور خروج بعض التقدميين اليساريين في مظاهرة احتجاجية نصرة للقضبة الفلسطينية، ويؤول بهم الأمر الى الوقوع بين أيادي الشرطة ويغرق الكاتب بعد ذلك في تصوير ألوان التعذيب البدني والنفسي في السجن ويصور الخيبة التي آل إليها البطل بسبب تنكر الرفاق وانحراف بعضهم الى السلوك الإنتهازي يكشف عن ذلك ان البطل لم يجد العزاء الا من بعض العامة ممن لا يفقهون في الإيديولوجيا وانما يحملون مشاعر انسانية صادقة...
 
ولئن غلبت في هذه المداخلة القراءة المضمونية، فإن لسعد بن حسين وقف على بعض العلامات النصية محاولا تأويلها وتفجير دلالاتها، فنبه الى المحمول الدلالي بعنوان الفصل الأول: احتراق الطين مبرزا دلالة الاحتراق القهرية والجنسية وإحالة الطين على الإنسان في أصل النشأة، وبين ان الفصل الثاني "مدينة العكاكيز القصيرة" يضفي مسحة كاريكاتورية على واقع تراجيدي، فالكاتب يتوسل بروح الدعابة وهو يصور مظاهر من إهانة الإنسان وإذلاله، وفي السياق داته أشار الى القصدية في انتقاء أسماء الشخصيات -لاسيما شخصية صابر الجنفاوي- الذي يستخدم اليد اليسرى وقصد من هذه الصفة التعبير عن انتماء البطل السياسي اليساري ...وانتهى المتدخل الى ملاحظات عامة خلاصتها ان الرواية على درجة عالية من الجرأة فهي بمثابة الصرخة الواقعية التي صورت بعض التجارب السياسية في تونس مند أواخر الستينات الى الثمانينات من القرن الفائت، إذ تحيل البنية الحدثية الى تجربة التعاضد والسياسات الاقتصادية التي تميزت باستشراء الفساد والرشاوي والاثراء بطرق غير شرعية وفضحت الرواية من جهة أخرى بعض الإنتهازيين بأسمائهم أو كناياتهم فهي من هذا الوجه بمثابة البيان السياسي
 ولهذا الإعتبار نزل المتدخل لسعد بن حسين الأثر أجناسيا في إطار الرواية السياسية إلا أن هذا الجنس يقع العزوف عنه، لوقوع بعض الكتاب في مزلق جلب الرواية الى السياسة في غير عناية بالأدوات الفنية الجمالية لكن الكاتب -حسب راي المتدخل- انتصر للفن الروائي أكثر من انحيازه للسياسي ولكن بعض المقاطع في الرواية لم تسلم من هذا المطب وخلص لسعد بن حسين من تدخله الى استنتاجات اثار بعضها جدلا حادا، من دلك تنزيله الاثر في اطار ما سماه الكتابة الانتقامية: فالكاتب ينتقم من ماض أرهقه إذ يضعه بين دفتي كتاب وكأنه مدفوع برغبة التخلص منه مع التقدم في العمر وتجارب الحياة، والكتاب يمثل نصا سير داتية ناشئا عن رغبة في التقييم والمحاسبة، وكانت الأداة التي استند عليها التذكر أو الذكرى لمواجهة مظاهر الرداءة والإنحدار في الواقع القائم، بيد أننا لا نعدم في الرواية رؤية تفاؤلية جسمها الكاتب في نمادج من عامة الناس: في الملاكم المتقاعد وفي عزاء بعض الجيران، ومع ذلك فالمفعول النفسي للكتاب يبقى خطيرا اذ تؤدي قراءته الى جلد الذات واحتقارها...
 

وعقب الأستاد محمد الجابلي على هذا التدخل، مبرزا وجهة القراءة التي حكمت التدخل الأول إذ التفت صاحب الكلمة بشكل مكثف الى المستوى المضموني من النص، وهو الجانب السياسي فيه، والحق ان وجهات القراءة تظل مختلفة، ونبه الى ان قوام القراءة التوازن بين مستويين: المستوى الإبداعي وما يتصل به من خيال ونسيج لغوي وكل ما يؤثث جمالية الشكل، والمستوى الدلالي ومعانقة المضمون لقضايا الناس ومشاغلهم الأساسية...

وإثر دلك قدم الأستاد محمد صالح النهدي جملة انطباعات حول الرواية فاعتبرها حدثا إبداعيا يحمل توقا للخلاص من المعاناة، وهي رواية تتحرك في جدلية الفشل والأمل، والإيمان بقدرة الجهد البشري... وانتهى الى أن ما تعرضت له من منع يمثل بحق وساما للمؤلف في مدينة العكاكيز القصيرة وثمن ما في العمل من صدق في التصوير وجمالية في الممازجة بين الواقع الذاتي والتخييلي، وابرز اهمية فضاء السجن في الرواية فالاحداث جميعها تنطلق منه او تنطلق اليه، وتبعا لذلك فإن المكان يختزل دلالة الرواية بما فيه من طاقة ترميزية للسلطة القهرية المفروضة على الحريات ...

وتدخل الأستاذ ابراهيم لعميري فبين ان هذه الرواية علامة من علامات الإنصهار الإبداعي الجمالي والإلتزام الفكري، وبين أن قيمتها الجمالية تعود الى درجة التخييل الفائقة الممتعة فيها والتي كانت أساس الرؤيا إلا أنها تظل مستعصية على التجنيس أي التحديد الأجناسي وذلك لتعدد أبعادها فهي بقدر ما تصور الواقع تغوص في أعماق الذات، اما وظيفتها حسب المتدخل فهي معرفية قدم الكاتب من خلالها جملة من المعطيات حول حقبة من تاريخ تونس الحديث وهي أيضا وظيفة حجاجية مارس فيها الكاتب محاكمتين: محاكمة السلطة ومحاكمة تيار من تيارات المعارضة ...

اما الأستاذ عبد الرزاق الهمامي، فاستهل كلمته بتنزيل الكتاب في إطار مجمل ما كتب الصحراوي إذ هو قاص يتجه للرواية، وتعرضت مجموعته الأخيرة " متى كنت حيا لأموت" لمثل ما تعرضت له الرواية وذكر مجموعتيه السابقتين "أضاعوني" و" السوس يأكل الأخشاب" وابرز عناصر مشتركة بين الرواية وهده المجموعات وأشار المتدخل الى ظاهرة إبداعية ميزت هذا النص الروائي: وهي تداخل المجالين الواقعي -السياسي والتخييلي- الأسطوري، واعتبر الرواية رواية -كاتب قاريء- إذ تحمل في أعطافها أصداء نصوص فكرية وإبداعية أثرت في تكوين الكاتب، وبين ان الكاتب يروم من خلال هذا النص تجذير الإنخراط في مواجهة مظاهر القهر والإحباط وتعرية الواقع وأومأ الى أن النص لا يدل على رغبة التفصي من مرحلة الإنتماء والنضال خلافا لما ذهب اليه لسعد بن حسين.

وتلت هده الكلمة جملة من التعقيبات من بينها تعقيب الكاتب كمال الرياحي حول مسألة الإبداعي والسياسي وانحيازه لما هو إبداعي، مهونا من شأن التيمة، إلا أن الأستاذ محمد الجابلي عقب على هذا الرأي مذكرا بأن العمل الإبداعي قوامه التعبير جماليا عن مواضيع جوهرية تتقاطع مع لحظة تاريخية في حياة الناس، محذرا من مزلق الشطط في أحد الإتجاهين...

 تم تدخلت الكاتبة رشيدة الشارني وابتدأت بالوقوف على المسألة الكمية في الرواية واعتبرتها من الروايات المتسمة بالطول وحاولت تأويل هذا الإمتداد الكمي، فالكاتب يغرق في المقاطع الوصفية في غير إخلال بوحدة البناء، وأشارت الى الخلفية الفكرية التي حكمت البطل الكاتب مبرزة أن الرواية فيها جوانب مرجعية تحيل على تجربة النضال السياسي للحركة اليسارية في تونس في الربع الأخير من القرن الماضي، وختمت كلمتها بأهمية المشهد الختامي الذي يجسم انتصار الشخصية وفقدان الإحساس بالإنتماء...

وعمد الأستاذ مبروك المعشاوي الى إثارة مسائل لم يقع التطرق اليها في التدخلات السابقة منها مسألة التقارب بين زمن الأحداث وزمن الكتابة، ومنها جدلية الرواية والتاريخ، وأكد أن المزية في هذا العمل لا تكمن في تسييس الرواية وإنما في تروية التاريخ، أي تصوير الأحداث روائيا دون الوقوع في مزالق المباشرة والتسجيلية...

وأبرز الأستاد جلول عزونة القيمة الفنية لهذا الأثر وعزاها الى دقة الوصف لبعض مشاهد التعذيب التي تثير الشعور الإنساني، ومن جهة أخرى وقف عند ظاهرة تعدد الأصوات في الرواية، فالكاتب لا يملي مواقفه بشكل صارخ على الفواعل القصصية بل يترك لها المجال واسعا لتعبر عن مواقفها ورؤاها...وأشار الى ما في الرواية من طاقة تخييل تفتح آفاقا رحبة للتأويل بقدر ما تحقق من إمتاع...

وأشار الأستاذ سفيان ماكني الى أن هذه الرواية قد تفتح سبل الخروج من المحلية الى فضاءات أرحب عربيا وعالميا، في سياق أدب السجون ونبه الى ظاهرة فنية وهي هيمنة القصاص على الروائي، ففصول الرواية لا تعدو إلا أن تكون قصصا قصيرة جمعها الكاتب في فضاء روائي ...

وختم اللقاء بكلمة للكاتب الذي أكد التلازم بين الإبداعي والسياسي في تجربته كما أكد تمسكه بهذا الإتجاه في الكتابة لأنه يتلاءم مع موقعه وموقفه ورؤيته...

ونؤكد في الختام ثراء هذا اللقاء ومستوى الجدية فيه، إذ ان الورقات التي قدمت لا تقل في قيمتها عن المداخلة الرئيسية، مما زاد وجهات النظر ثراء وتنوعا...

ختم اللقاء بتعقيب ختامي لمحمد الجابلي أثنى فيه على الجميع، وذكر بالموعد القادم لرابطة الكتاب الأحرار والمتمثل في لقاء مع الشاعر عادل معيزي مساء الجمعة 13 جوان، إضافة الى قراءات شعرية متنوعة.

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة