رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

حوار محمد الجابلي في جريدة القدس العربي

تونس ـ القدس العربي :

صدرت رواية مرافئ الجليد لمحمد جابلي عن دار آفاق للنشر والتوزيع بتونس سنة 2000 وحصلت علي جائزة كومار السنوية للرواية (للعمل الأوّل) ولاقت صدي متميزا عند النقاد واستأثرت بدراسات عديدة في مجلة الحياة الثقافية وبقراءات متنوّعة في الملاحق الثقافية. وبهذه المناسبة التقيناه للحديث عن واقع وآفاق الفن الروائي العربي ومستقبل الرواية ومشاكل الكتابة عنده، فكان هذا الحوار:

ما معني الرواية عندك؟ وهل تخضع أنت شخصيا لشكل محدد من الكتابة في هذا الجنس الأدبي؟

الرواية هي الحرية، حرية خلق عوالم أخري فيها اختبار لقدرات الخيال والوهم والحلم ونظام المنطق، وفي الرواية محك اختبار لقدرتين متمايزتين أو لملكتين متكاملتين، ملكة نقدية تعمل في الموجود، وملكة إبداعية تخييلية تعمل في المفقود. وبالقدرتين نعيد خلق العالم والأشياء وفق رؤية جديدة تختزل موقف الذات من الآخر والطبيعة والله والتاريخ... في الرواية فقط نكتشف مغامرة الاختيار ومغامرة الحرية، عبر اختبار الذات في ولعها بالممكنات وضياعها الممتع في اللانهائي حتي تطوّعه وتخضعه إلي نسق مقبول في مستوي الخلق والتشكّل... في الرواية يحدّد الكاتب ذاته من خلال خياره الحر: من أين يبدأ وإلي أين ينتهي؟ ، ومن هذا الخيار يفصح عن رؤيته الخاصّة جدّا ويجدّد مواقفه الجزئية في مظهرها والكلية في باطنها من خلال لعبة السّرد التي هي من أخطر الألعاب لأنها تَعارضُ دائما بين التاريخ العام للجماعات البشرية والتاريخ الخاص للذوات في تواجه دائم بين الخفي والمُعلن وبين الرسمي المفروض والفردي أو الفئوي أو الطبقي المرفوض... لعبة السرد تلك في خطورتها كانت الوسيط الأوحد بين الخالق ومخلوقاته إذ لم يجد الله مظهرا أجمل ولا أرقي ولا أكثر قداسة من السّرد حتي يصل المخلوق المتطلع والمولع بالحكي ومنه المعرفة والكشف والمكاشفة ونحن كعرب مولعون بالحكي ومشدودون إلي البيان فيه، وبه تشكلت أرواحنا الأولي ومن خلاله انكشفت رؤانا. والرواية بهذا المعني هي حفر في الوجود الفردي والجماعي وهي صياغة تاريخ بديل يحطم الواجهات الرسمية المُعلنة ليغوص بعيدا في الوجود والوجدان ومنهما يصوغ خطابا أكثر امتلاء وإقناعا وإمتاعا، خطابا فيه جرأة العري والمكاشفة ولذة الخلق والانكشاف ومن هذه الأبعاد أفهم خطورة الرواية بوصفها ملحمة الذات المُهانة وغير المسموعة وكواجهة اعتراض حقيقي ضدّ التقنين والرتابة والاصطفاف والتوفيقية والتلفيقية والتعميم والتعمية والمسخ وسحل الذات في أنفاق الوجود الرسمي الآلي الباهت والممجوج...

إذا كانت الرواية كما تقول هي الحرية، فما معني القواعد في الفن؟ وكيف تري الي العلاقة بين الرواية وسلطة النقد الأدبي عموما؟

الرواية أيضا، إضافة الي موضوع الحرية الذي تحدثنا عنه آنفا، فالرواية هي دوما ضدّ السلطة، وهي مشروع اعتراض واع في الفن. ولا يمكن للروائي أن يرفض سلطة ليقع تحت طائلة أخري !! وسلطة النقد كبقية السّلطات تعمل علي إخضاع حركة الحاضر لنسق شُرّع في الماضي وفق اعتبارات اختيارية معلومة ومعيارية تلائم مقاسات جُربت واطمأن إليها الذوق العام والذوق العام يتحوّل تدريجيا إلي سلطة قامعة فيها سعي دائم لتقنين اللاّحق وفق السّابق ولتصنيف الجديد بمعيار القديم. وعندما يخضع الروائي إلي شكل محدود يكون قد أحبط مشروعه الروائي من لحظة الخيار تلك إذ منها يكون قد تخلّي عن حريته، والحرية لا تتجزأ في الفن،ّ فإما أن تتمرّد وتبدع وإما أن تخضع !! لذلك أنا أكتب خارج اشتراطات الأشكال أو المدارس أو المذاهب الأدبية، ونصيّ قد يلائم بعض المنطلقات الفنية لكنه لم يخضع لأحدها علي اعتبار ايماني المطلق بحرية الخلق الروائي والخلق في الأشكال والمضامين أو هو في وحدتهما والتحامهما وأتصور أن الروائي كالفنان التشكيلي لا ينطلق من فكرة مسبقة جاهزة ولا من شكل معلوم بل يواجه لحظة الخلق انطلاقا من لمسة الفرشاة الأولي ثم تتوسّع الدوائر والهالات ويتفتح الكون التشكيلي من عَدَمٍ، ويتجسّد متصاعدا إلي الاكتمال النسبي ولحظة الاكتمال هي لحظة إشباع إرادة الخلق، لحظة الكشف تماما.. وأنا عندما أكتب تأخذني اللحظة، وبعد انفصالي عنها وخروجي منها أبدأ في اكتشاف ما انحبس عنها وتكون مواقفي مختلفة متناقضة إزاء ما أُنجِزَ، لذلك لا يمكن أن نخوض لحظة الإبداع بأنساق مُسبقة وجاهزة. قد تختزن في ذاكرتنا الإبداعية نماذج وأنماطا وقد تفعل فعلها في تشكيل لحظة الخلق لكن فعلها سيكون خفيّا تماما وغير تسلّطي في مظهره وتجسّده...

أنت ضد قواعد الفن الروائي إذن؟

لا، إنما أنا ضدّ الكتابة الحرفية بمعني أن يخضع النص في جزئه وكلّه لتخطيط وبناء معماريين قبل لحظة إنجازه كأن يصنع الكاتب هيكلا ويصبّ فيه الخطاب ضمن حيل السّرد المعلومة وهو بذلك قد ينتج عندها نصّا مقنعا لكنه باهت مفرغ من حرارة الخلق وخال من ومضات الذات المبدعة في انجلائها وتفرّدها وخصائصها الفردية. أنا أتطلع دوما إلي نصّ شجاع مُغامر ويستوعب الأشكال ويستفيد من مزاياها دون أن يستعيدها لأنني ضدّ الكتابة المنمقة والمنضبطة أو الساذجة الخانعة ومع النص الجامح الجانح الذي يمثل لذات مبدعهِ مغامرة غير مأمونة العواقب... يحزنني النًص الممسوخ والمنسوخ، النًص المقنع في أشكاله ومضامينه، الأبكم الذي لا يُفصح المُبهم الذي يُنفّر القارئ ويُعدم إثارة التلقيّ...

لكننا نستطيع أن نصنف روايتك الأخيرة مرافئ الجليد ، بوصفها رواية فلسفية؟ هل توافقني علي ذلك؟ أمْ يا تُري هي رواية سياسية واقعية؟

أراك تُخاتل وتناور حتي توقعني في تناقض ما، لكن دعني أقول لك بأن أمر التصنيف موكول للقراء والنقاد. وفي اعتقادي ان روايتي لا تصنّف لأنها لم تخضع لشكل معلوم سابق فالبعض نسبها إلي رواية البولار أي الرواية البوليسية بما فيها من ألغاز ومغامرات، والبعض وضعها ضمن الرواية الجديدة فيما يمكن أن يسمي بالميتاروائي، والبعض الآخر رأي فيها رواية فلسفية، والبعض الآخر نظر فيها باعتبارها نصّا جديدا يعسر تصنيفه... ويمكنني أن أقول أنها كلّ ذلك باعتبارها نصّا مُغامرا حرّا ومنفتحا فيه أنساق مُتراكبة. وباعتبار سؤالك فهي فلسفية من جهة عمق مقارباتها الإشكالية: مقاربة التعارض بين الوجود الذاتي والوجود الموضوعي في مستوي مأساوية التصادم بين نسقي التلاؤم والتنافر أو بين الوجود العاطفي الحميم والوجود العقلاني المفتّت، نقد الوجود باعتباره خديعة لأنه نخر للطبيعة وانتصار للثقافة لكن أية ثقافة؟ ثقافة الصدام والضياع والإقصاء... ثقافة صنع الكارثة دون الوعي بها... السير الحثيث إلي الجحيم... الانتصارات المغلوطة والانكسارات المبرّرة... أسئلة الغربة الوجودية والميتافيزيقية... أسئلة اليُتم وفقد المراجع والخضوع لدوّامة خارجية عاصفة قاتلة... هي رواية فلسفية من جهة البطل الإشكالي الذي يفعل ويعي الفعل في ذاته وتاريخه ذلك البطل المأزوم والمهزوم الذي يجسد الغربة بوجهيها وتفضح لعبة الحياة المغتصبة والضائعة في انساق انتحارية، انتحار الذات في وضع متناقض وانتحار الوعي في الأسئلة الحارقة والحلول المستعصية. مرافئ الجليد قد تكون رواية فلسفية من جهة الحفر في مكوّنات الوجود الآني والزماني أو من جهة تعرية الذات في مواجهة الواقع بالموقف ونقد المنجز الحضاري الذي هو نتاج تراكم معرفي موجه إلي نسق معلوم لكنه مدمّر في نتائجه المُرعبة: انتحار الإنسان داخل ما أنجز واختناقه لحظة الوعي بذاته دون القدرة علي فك شرانق ذلك المنجز في غلظته وفظاظته لأن التراكم كبير وخطير ولأن حُرّاسه كثيرون وكذلك المدافعون عنه شرسون تمترسوا خلف مشروعيات عديدة كلصوص مُحترفين توارثوا الاحتراف عبر سلالات متعاقبة...

تري أين يضعنا العنوان، بل أين يأخذنا في خضم التحولات المتسارعة التي نعيشها منذ اندلاع القرن الحادي والعشرين، إن صحّ التعبير؟

في العنوان (مرافئ الجليد) إحالة علي وعي كارثي يناقض مقولة التفاؤل الساذج عند (فوكوياما) إلي أين آل مصير الإنسانية بعد تراكمات شتي؟ وهل أنجزنا ما يُطمأن إليه؟ ألسنا في حاجة أكيدة إلي المراجعة وتدارك الأمر؟ ثم ألا تري معي أن التاريخ بكل منجزه قد آل إلي القوة الغاشمة العارية الوقحة الفجة الفاجرة؟ بل الوجود بمجمله بعد رحلة التضحية قد آل إلي الجليد والتصحّر عند وضع كل قيم التاريخ وكل عواطف الإنسانية تحت جزمة (الشرطي الأكبر)....

كيف تنظر إلي الفن الروائي في تونس تحديدا؟ وأين وكيف تضع نفسك ضمن خارطة الأدب العربي تونسيا، سواء عبر تقسيم الأجيال أو عبر تصنيف النوع الكتابي؟

الفن الروائي في تونس لم تتضح معالمه بعدُ، ولم تنشأ خصوصية في الرواية التونسية تحيل علي مدارس مُميزة باستثناء نمطين كتابيين وَسَمَا البدايات وَفَعَلا لاحقا في خلق بعض الخصائص التي يمكن أن تفرق بين اتجاهين أحدهما واقعي ومن روّاده البشير خريف في الرواية والدوعاجي في القصة والآخر إنشائي ورائده محمود المسعدي واعتقد أن الاتجاه الواقعي تطوّر باحتشام في مقابل الاتجاه الإنشائي وفي الاتجاهين ومنهما نشأت نصوص كثيرة فيها تراكم كمّي جدير بالدّرس والاهتمام. وفيها تجارب ناضجة إلا أن التراكم لم ينشئ مدارس متميزة كما لم يخلُ من بعض الإعاقات منها نزوع سطحي إلي التجريب الشكلي المفرغ من الرؤية أو الموقف ومنها نزوع إلي واقعية ساذجة ومنها كذلك ما اتكأ علي إثارة أو علي تهتّك لفظي بحجة التمرد علي السائد أو بحجة محاربة السلفية والقيم التقليدية... وما تقدم لم يمنع من وجود نصوص علي قدر من النضج في المستوي الفني وخاصّة في مستوي توظيف اللغة رغم أنها في مستوي المضامين ظلت محتشمة في مقاربة القضايا وتكاد تقف عند حدود ثنائيات معلومة كالريف والمدينة في حدود ملامسة اختلال القيم وبعضها لم يتخلّص من غنائية ذاتية تحيل علي ما يشبه السيرة الذاتية للأفراد والأجيال أو هي احتجاج الذاكرة علي ما حصل في المدينـة وأحيائها من تبدّل معماري واجتماعي بفعل تسارع النســـق وإمّحاء المعالم... وهذه النصوص رغم بُعْد المحافظة فيها استطاعت أن تؤسس ثقة ما في الرواية التونسية عند المتـلقي تلك الثقة التي كادت تُفقد في النصوص النازعة إلي الشكلنة والإنشــــائية المُفرغة والمدعومة برعاية أكاديميــــة مُعلنة تارة ومحتجبة أخري... ثم نشأت نصوص جديدة واعدة لأنها تتوفّر علي قدر كبير من الجرأة في مقاربة الواقع المتعــــدّد سياسيا واجتمــــاعيا وحضاريا وهذه النصوص هي سليلة تطور الــرواية في تونس إضافة إلي استــــفادتها الأكيدة من الرواية العربية والعالمية... واعتقد أن وضع الرواية في تونس يقارب وضع الرواية عند العرب عامّة فهذا الفن رغم أهميته لم يصل إلي مواقع متميزة لأن الكاتب العربي محاصر باشتراطات عديدة تؤكد في مجملها علي أفق أحادي يؤخر ظهور نصوص متعدّدة الأصوات والرؤي فالكاتب الذي يعيش في فضاءات مغلقة وفي بيئات منغلقة ويحاور ثقافته محيطة واحدة ويستشعر ضغط السلطات المختلفة ومصادر الرقابات المتعدّدة يجاهد حتي يرتقي فوق مجمل أشكال الضغط والتقنيين ويضحي في سبيل نصّ منفتح يبتعد عن الدعائية أو الأحادية الضيقة ويضحي في سبيل نصّ جامع يختزل عمق التدافعات دون أن يخضع لها... نصّ حواري حقيقي يُعيد إنتاج المعرفة والوجدان ويفصح عن حرية في استيعابه الشمولي وأنا علي يقين من صلة التجربة الروائية بعمق الواقع وبقدر ما يكون الواقع متعدّدا مختلفا يكون النص الروائي ثريا خلاقا مُتطلّعا واعتقد أن النصوص الجيدة الحوارية المتعدّدة والمختلفة هي أكبر رافد للنّص الروائي الذي يناضل في سبيل أن يكون.

وهل سيكون مشروعك القادم روائيا أيضا؟ هل ستجرب أنماطا أخري للإبداع؟ حدثنا عن كتابك القادم؟

مشروعي القادم روائي لأني أتطلع إلي إنجاز ثلاثية (المرافئ) و(مرافئ الجليد) هو جزؤها الأوّل سأتبعه بجزء ثان (مرافئ الذاكرة) وثالث (مرافئ النسيان) باعتبار أن الجزء الأوّل فيه فضح لنسق الحضارة الغربية وآخر تجلياتها في العوّلمة وأحادية التوجه الاستهلاكي واحتقار وتغييب كل الأبعاد والإنسانية الأخري (حضاريا تاريخيا) والجزء الثاني يتطلع إلي فحص ما تبقي في الذات أو ما يمكن أن يكون دفاعا واعتراضا وفيه فضح للذات العربية في مراحل سلبيتها وغربتها وغرابتها. والجزء الثالث قد يرتبط بمدار آخر ليستكمل المسألة.. والجزء الثاني من المشروع الروائي وهو بصدد الإنجاز سيركز علي خيبة الذات العربية وانكسار الرهان الضمني علي المشروع الحداثي الغربي وخيبة الأمل في ديموقراطية ممكنة تتكئ علي المؤسسات الغربية... فيه محاولة فضح الذات عند اختلال توازنها بين نسقين مستحيلين: نسق الحاضر الغربي المدمّر ونسق الماضي السلفي الواهم ومحاولة نقد الحاصل في الزمن القريب ومنه علي وجه الخصوص مسخ الذات وغياب الصفات وإمحاء المراجع واندثار الثوابت. نصّي القادم سيكون كارثيا لأنه واقعي..

التقاه: حكمت الحاج



أضف تعليقا

likaa من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة
30 مايو, 2008 04:04 م
شكرا لهذا الحوار العميق كيف احصل على كتب الاستاذ الجابلي؟

رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة