رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

الجمرة الصدئة لـ عمر والقاضي

-         هجاء الذات ورثاء اللحظة-

-          محمد الجابلي

 

مدخل

 

تأتي الجمرة الصدئة لعمر و القاضي بعد ثلاث روايات نشرت جميعها في أواخر الألفية الماضية، وهي على التوالي " البرزخ، الطائر في العنق ورائحة الزمن الميت" ويمكن أن نعتبر الجمرة الصدئة استكمالا لهذه المسيرة الروائية لولا التأشير الواضح على الغلاف بأنها سيرة روائية، مما يحيل فرضا على عقد مختلف ويفتح أفق انتظار جديد لهذا العمل وفي هذا العقد بعض الإختلاف لأننا تعودنا على رواية السيرة الذاتية لكن الكاتب يختار"السيرة الروائية' ليضعنا في عقد – ربما- يقدم التاريخ على الفن أو يجعل من الواقع بوقائعه مقصدا من المقاصد الأساسية، مقصدا أسبق من الخيال كمادة للنص...

أثرنا هذه الإشكالية احتراما منا للمدخل الحاف بالنص ولمقاصد الكتابة، لأن التداخل بين السيرة الذاتية والرواية تداخل معروف منذ عقود، حتى ان معضم الروايات هي إعادة تأليف لسير أصحابها بشكل أو بآخر ومعضم النصوص هي سير مقنعة بأقنعة التخييل سواء صرح بذلك أصحابها أم تكتموا فإن المرجع الأوحد هو الواقع وما نلمس من جوانبه، ذلك القادح الأول الذي يختلف عند كل ذات مبدعة باختلاف التجربة في ذاتها، وكذلك باختلاف تصعيدها كمتخيل في مستويي الإنتقاء والتكثيف ثم في مستوى إعادة الصياغة والتمثل...

عندما يصرح " فلوبير" بأن إيما هي أنا"...ندرك عمق التداخل بين الرواية والسيرة بل نقول ان كل نص متخيل هو إعادة بناء لجزئيات المعيش ...  وفيحوار صحافي مع غابرييل غارسيا ماركيز إثر فوزه بجائزة نوبل عام 1982، قال رداً عليسؤال حول طبيعة أدبه،: " لم أكتب سطراً واحداً لا يستند الي واقع:السطر الأول في (مئة عام من العزلة) مستمد من حادثة شخصية: عندما كنت صغيراً أخبرتجدي أنني لم أرَ الثلج قط، فاصطحبني الي معسكر شركة الموز الأمريكية وأمر بفتحصندوق من الفاكهة المثلجة، وجعلني أضع يدي فيه . وهكذا بدأت مئة عام من العزلة بتلك الحادثة القديمة: عندما كان الكولونيل أوريليانو يقف أمام فريقالإعدام تذكر عصر ذلك اليوم، قبل سنين طويلة، حين اصطحبه والده لاكتشاف الثلج"...(1) 

ولا يختلف الأمر مع مارسال بروست في "البحث عن الزمن المفقود" و"فرنسوا مورياك" بل وحتى مع أكثر الكتاب تجريدا مثل " كافكا" إذ يعيد بعض النقاد بناء " المحاكمة" إلى وقائع حياتية عاشها المؤلف في محيطه الإجتماعي...

ولنا في كتابات "محمد شكري" خير دليل على توتر النص - عند الناشرين- بين الجنسين فهو ينشر تارة تحت عقد السيرة وأخرى تحت عقد الرواية...

إلا أن الإشكالية الأعمق في نظري ليست إشكالية التجنيس أو التداخل بين الجنسين لأني أعتبر أن كل رواية هي سيرة ذاتية مقنعة بأقنعة الخيال والرؤية، وكل سيرة ذاتية هي رواية فيها إيهام معلن بواقعية ما...

الإشكالية الأعمق، هي إشكالية الذات المبدعة في توترها بين الحجاب والسفور، ذلك التردد بين حيل الفن ومهارات السرد من جهة، ولذة الكشف والإنكشاف ضمن مناطق قريبة من البوح والإعتراف والشهادة على واقع معيش من الجهة الثانية...تلك القدرة على التجاوز فيما أسميه بمغامرة الحرية وبحدود تلك المغامرة، لأني أعتبر الكتابة السردية بيانا معلنا من أجل حرية ما، ومن هذا الإفتراض نعود الى مقاصد الكتابة في صلة بالذات المبدعة لنطرح ذلك السؤال التقليدي المتكرر لماذا نكتب السيرة أو الرواية أو السيرة الروائية؟

هل نكتب لأستعادة حميمية مفقودة في مستوى الذات وصلتها بالواقع؟ ام نكتب لنكتشف المجهول والقصي والعصي والمكبوت في مستوى تلك العلاقة ؟

 ومن هنا ربما نتجاوز ذلك العقد المعلن في الغلاف لنصل الى العقد الحقيقي في ذات النص، كإعادة تمثل لجملة من العلاقات الواعية بين الواقع والخيال وبين الذات والموضوع، كإعادة تشكيل لتقاطعات عديدة ومعقدة ضمن خيار واع هو خيار السرد، ذلك الذي يفصح عن مركزية الذات المبدعة في جملة خياراتها الفنية، ونكتشف من خلاله هاجس الإبداع ومشروعيته في الآن نفسه...

ومن هذا الإفتراض نتجاوز عتبة النص لنقول ان التجنيس الحقيقي هو داخل النص وفي تلافيفه وثناياه...

 

الراوي ووجهات النظر

في الجمرة الصدئة مسيرة حياة أرادها الكاتب في فصول متعددة: إلياذة الرحيل-المديران- تكسير الزجاج- اجناثيو- دماء- عريس من زمن الفتوة- الموت ركضا- البندول- أحقاف الروح. وفي هذه الفصول حفر يبدأ من طفولة تراقب فضاء ريفيا داخل أسرة متفرعة الى شباب الدراسة والفقر والتسكع  في المدينة الى ما تلاهما من كهولة مثقلة ببقايا أحلام وأصداء تأملات، وقد يكون العنوان جامعا أومكثفا لتلك الدلالات في إحالته على التوهج والإنطفاء لأن النص ينطلق مع جذوة الطفولة ويتقد مع حركة الشباب ثم ينغلق في الفصل الأخير عند أحقاف الروح ...

يقول بيرسي لوبوك في كتابه صنعة الرواية: " في مجال حرفة الرواية فإني أرى ان وجهة النظر هي التي تحكم مسألة المنهج الدقيقة، مسألة وضع الراوي من القصة، إنه يرويها كما يراها هو في المقام الأول..." (2)

واعتقد أن وضع الراوي هو خيار فني في السيرة كما في الرواية وإن كانت السيرة توهم بغياب الراوي في اتحاده مع البطل فهناك سير كثيرة اعتمدت الراوي العليم وخير أصحابها أن تروي الأحداث بضمير الغياب، وفي الجمرة الصدئة مراوحة بين الحضور والغياب حيث يزدحم فضاء النص بشخوص تصنع دوائر الفعل والحدث، خاصة في الفصول الأولى وينقل لنا الواقع من منظور الطفل الحيادي الحاضر الغائب، ينقل في حركتين متضامنتين: الأولى في الخارج المنظور تؤسس على الأفعال والثانية في الداخل النفسي و تؤسس على الإنفعال، ويكون الصراع بين شخصيتين انعكاسا لصراع بين جيلين بل بين منظورين وزمنين: شخصية الجد بما تمثل من وضع يختزن إرث بيئة زراعية قد تكون تجسيدا للريف المغربي بكل تفاصيله من اقتصاد زراعي رعوي وعائلة متفرعة ومعمار متسع ومنفتح وهيمنة ذكورية متوارثة... " الجد الذي يغيب فترة قصيرة ثم يظهر وسط باحة الدار، يلعن خللا طارئا في مملكته، أحس ان خيانة حدثت ولن يسمح لأحد بذلك...إنه أول تصرف يخرج عن هيمنته، يجب أن تطول يده كل ما يحدث في أسرته." ص11

ومن منظور الطفل الراوي ينساب السرد ضمن تقاطع حاد في هذا العالم الصغير " مملكة الجد" بين تشفي الأعمام وزوجاتهم وانفعال الجدة وخوفها وهواجس أم تثير حيرة الصبي بسلبيتها " فرح من فرح وحزن من حزن من أهل الدار ولم أدر أين أصنف أمي آه لو تفصح عن رأيها..." ص 13

عالم صغير فقد تماسكه وتصدع، هيمن فيه صوت القدامة واختلطت فيه شتائم الجد بالثغاء والخوار والصهيل، " في حالة استنفار قصوى، كأن ذئبا تسلل وسط الشياه" 5 ص17

إنه ذئب الزمن الذي يفرض أن يتصدع عالم قديم لتنشأ عوالم أخرى، ليكون الرحيل قطيعة مع القرية ومعه يرحل السرد الى فضاءات أخرى تتسع معها وفيها حركة المكان مع انفتاح في شخصية الراوي البطل مع حضور أقوى لوعي الذات في رحيل القطيعة وممكنات التجدد : " المرور من الجسر يعني أننا غادرنا القرية.شاحنة تحمل أسرة ستواجه المجهول ولا تدري أين تذهب" ص23

ومن الجدير أن ننوه بقدرة الكاتب على تقمص شخصية الراوي البطل المفترض، وان يرينا فضاء القرية بعين طفل متطلع متسائل، بعين من يرى الأحداث دون إسهام فيها، فاحتجب ضمير المتكلم خلف ضمير أو ضمائر الغياب:هو الجد وهو الأب ثم هم بين الجمع والإفراد: الجدة والعمة والعم والزوجات الكثيرات...

ويتواصل هذا الإحتجاب في الفصل المعنون ب "مديران" حيث تتمظهرعين الراوي البطل من خلال إنتقاء كاريكاتوري ناقد ونافذ في ذات الوقت وتحتجب الأنا المفردة في نحن التلاميذ :" كنا نعتقد أن المدير الإسباني ولد في تلك السن...كنا نتنافس في جمع صور الممثلين...لا ندري سبب خصامهما..." ص36

ومع الفصل الثالث " تكسير الزجاج" تبدأ استقلالية الذات في علاقتها بعالم متغير وتتمظهر من خلال الأفعال الصادرة عنها في فضاء مدينة الناظور البحرية: أفعال وانفعالات في علاقة بالجديد فيهما حرية وتمرد: " هذا الصباح الجميل المشمس المنعش للقلب والروح، أكاد أجزم اني لم أعش من قبل لحظة تشبه ما أحس به الآن، لولا موقف أبي مني...أخرج في الصباح الباكر وأعود في وقت متأخر من الليل..." ص 76

ومن خلال وضعية الراوي البطل نفهم خيارالسيرة في مستوى السرد ومنه التنسيق والتشويق حيث بنيت الأحداث على تعاقب مقصود وفق مراحل عمرية تختزل رحلة الذات من التطلع الى الفعل والحلم الى ما يشبه الخيبة...

رحلة ذات متصدعة، بين الرواية والبطولة، أو بين الشهادة والفعل، تتشظى في الآخرين ثم تتمظهر في الحركة ثم تتحول منها إلى الإغتراب وفقد اليقين، هي رحلة جيل فقد مراجعه في تناقضات المرحلة، فكان المتن السردي وفيا لدلالته الجامعة في العنوان لتكون الجمرة الصدئة رحلة التوتر بين اليقين وانعدامه او رحلة بين الرجاء والخيبة استطاع الكاتب ان يعكسها من منظور حميم هو منظور الذات المغتربة حيث تخبو الجذوة المتقدة لتخلف الصدأ وحيث تغيب الحركة في تلافيف العدم الرهيب:

" أفكر بهدوء وتمهل، أقلب الفكرة على أوجهها المختلفة، لكن فجأة أجد نفسي في حالة تشبه حالة الميت رغم أني لم يسبق لي أن مت يتوقف نبضي لا شيء يعلو أو يهبط في صدري الذي تحول الى صندوق فارغ..." ص106   

وتتحول الضمائر في مدونة السرد مراوحة بين الغياب والحضور ليتكثف الغياب في الفصول الأولى هو وهي وهم: الجد والأب والأم...ثم يبدأ الحضور التدريجي مع نحن الأطفال وهم المشرفون على المدارس والمخيمات ثم تحضر الأنا في استقلالية موسومة بالتمرد ثم بالتأمل والإغتراب في الفصول الختامية.  

 

فضاءات النص

كل نص سردي هو كل محكوم ببنية، هو كل متكون من أجزاء، هو بناء لا يتماسك إلا إذا انسجمت تلك المكونات المجزأة وانصهرت داخل الكل، وفي مستوى نصنا كسيرة ذاتية سننظر الى البحث في مراجع هذا العالم السردي من منظور واقعي ومن أهم مكوناته فضاء المكان، الحاضن أو المولد للحدث، وفي الجمرة الصدئة مرجع هام يكاد يختزل حركة الحداثة الإجتماعية المختلة ليس في المغرب بل في سائر بلاد العرب ونعني بذلك حركة النزوح من الريف الى المدينة تلك التي تسارعت قبيل الإستقلال وبعده فكان انطلاق الحدث من الريف المغربي ومن صراع تقدم ذكره بين جيلين، ومن حادثة ضياع أموال التجارة وغضب الجد ورحيل الأسرة الصغيرة الى المدينة...كل ذلك مسوغ لحركة الحدث إلا أن الكاتب لم يتوقف عند فضاء الريف فغاب المكان وحضر إيحاءا من خلال دوائره في صراع الشخصيات وتقاطع العقليات، من خلال العائلة التقليدية المتفرعة ومن خلال سلطة الجد ...

فضاء قادح للحدث تخلص منه الكاتب في الفصل الأول ثم انطمس نهائيا في لاحق السرد باستثناء أصداء قليلة تداعت في ذاكرة الأب خلال الرحلة، وفي المقابل انصبت العناية على الفضاء الجديد بين مدينتي الناظور ومليلية: تحضر الأولى حضورا مثقلا من خلال ثكناتها الكثيرة وقيضها في حين تحضر الثانية بمستويات أخرى شديدة الإختلاف والتنوع، فمدينة الناظور تحتلها الشمس دون مقاومة "...وكل الحانات فيها كانت مخصصة للجالية الإسبانية والجنود، كنا نراهم يخرجون جماعات يتكاثرون ويتكاثرون ...كأن اسبانيا قد خلت من شبابها فكل من بلغ سن التجنيد أرسل الى الناظور" ص65 وستكون المدينة فضاء حاضنا لحركة شباب بين التمرد والهامشية وسيعتني الكاتب بانتقاء ما كان طريفا من أحداث تلك المرحلة من عبث وسرقة وتسكع ومن مغامرات تحيل على زوايا نظر محددة وتذكر الى حد ما في مناخها العام ببعض ما كتبه محمد شكري، قلت الى حد ما لأن عمر والقاضي لم يذهب بعيدا في حفر تلافيف الذات وتعرية الواقع الحسي، بل ظل على قدر من التحفظ في تصوير النزوعات باستثناء جرءة ما في " عريس من زمن الفتوة" تلك التي ارتبطت بالبهلول كشخصية سمحت لها الإعاقة بالقدرة على التعري جسدا وفعلا...

ويحضر الفضاء المديني الآخر حضورا مكثفا ومتوهجا حيث يكون الوصف احتفائيا فيه كثير من الشعرية التي يجعل من " مليلية" مدينة جميلة صاخبة تحتضن الأحلام الشابة في مراحل من مسيرة الذات كما ستحتضن لاحقا بعض خيباتها وانكسارتها: " في مليلية يزقزق الطير بلا مواعيد معينة إذ الزمن جميل ووحيد، تاتي أسراب منها تستريح ثم تختفي وتأتي أخرى كل ذلك احتفاءا بنا تظل بقربنا تؤنسنا ..." ص64

واستطاع الكاتب ببراعة أن يرصد المسافة الحاصلة بين إنشداد الحالم وانكسار اليائس من خلال ذات البطل في مسيرتها بين شباب وكهولة في علاقة بالمكان المتغير لتكون مليلية مسرحا لكل ذلك، فيها شهادة على نقائض جمعها التاريخ بمخاتلاته الكثيرة وانعرضت في وعي ولا وعي البطل ضمن تداخل ينقلنا من مشهد المرأة والشرطي الإسباني الى الحواجز الكثيرة ومنها الى الذات في شقاء غربتها وتوترها بين وهم امتلاك المدينة وواقع ضياعها:

" لم انتعش بعد على غير عادتي، بدأت أمل النظر الى ساعة الحائط ؟ أتنتقم المدينة ممن قدم الولاء وأعلن الحب سرا وعلانية ؟ أنا الذي أتفقدها كل مساء قصد الإطمئنان المدينة شهدت صباي ويفاعتي شغبي وجنوني في البدء لا حب إلا حبك سلاما مرتع الصبا ...قلت في خاطري لابد من فعل شيء ما...هل كان علي أن أصير مجنونا حتى أسترد المدينة؟ أقتل الخنازير في رحلة صيد...؟ ص114

 ونلاحظ ان المكان في كل حالاته لا يوصف لذاته بقدر ما يصور من خلال ذات البطل ضمن تداعيات وجدانية في حالات التصالح والإنسجام او في حالات القطيعة والإغتراب.

من ذلك توظيف المكان مجزءا ومنه صورة البحر التي تتوتر بدورها بين نقيضين وزمنين: زمن التذكر الجميل حيث كان البحر فاتنا، مدى شاسعا يريح العين ص73  يناقض زمن الحضور المثقل بخيبات كثيرة حيث لا دلالة للبحر غير كونه معبر الغزاة، على ضفافه بقايا القوارب والجثث الآدمية ص118، شاهد إثبات على الرايات المنكسة، وشاهدا على سخرية الكاتب من الذات واللحظة، حيث ترتقي اللحظة بالخطاب تصريحا بعد التلميح، وحيث تسقط أقنعة السرد ليكون القاريء مخاطبا :

"...كل شيء يأتي من البحر ويعود الى البحر، وعلى القاريء الحاقد أن يشرب البحر" ص120، سخرية الرصانة الفاجعة – بعبارة أدونيس- في حديثه عن رسالة الغفران لأبي العلاء، أن ترتقي اللحظة فوق الهجاء وفوق الرثاء لتكون إدانة جمعية تصل بين طرفي الخطاب وتدمجهما معا في وضع كارثي أساسه الوعي باللحظة.

وبقدر ما كان المكان حاضرا ببعديه الواقعي والرمزي كان الزمان غائما نكتشفه من خلال تلك المسيرة والتي تمتد على الأرجح من الستينيات الى زمننا القريب في محاولة لرصد متغيرات المجتمع المغربي في صلة بالمدن الساحلية التي بقيت تحت هيمنة المستعمر الإسباني.

ومن الفضاءات في بنية هذا النص فضاء الشخصية وقد يكون من أهمها لأن الحدث بتفرعاته ينساب من الشخصية المركزية في السيرة ضمن شبكة من العلاقات نهضت في مجملها بوجهات نظر النص انطلاقا من صراع الأجيال في البداية بين الجد وابنه إلى تمرد الحفيد في الفصول اللاحقة وصولا إلى ذات مكتملة بهواجسها وشعريتها وحيرتها وخيبتها...

وفي مستوى الشخصية نلاحظ تكثيفا للدواخل من خلال رصد الإنفعالات خاصة في شخصية البطل، ويحضر الوصف الخارجي كانعاس لمنظور يبنى على المقارنة والكاريكاتور مثل وصف شخصيتي المديرين حيث يحضر المدير الأهلي بهيئة منفرة تشي بسلوك عدواني في حين تكون شخصية الإسباني نقيضة لكل ذلك...

" أما ابن البلدة المدير الأهلي فحالته عكس المدير الإسباني...برميل متحرك بصعوبة، مادة عجنت على عجل كأنه وضع في قالب مليء لحما وشحما...إذا تكلم يخرج الجملة دفعة واحدة...يصرخ حين لا تسعفه الجمل...ينفعل بسرعة كأنه فرن يتطاير رذاذ من فمه..." ص32

ومن المقارنة يتوسع فضاء الشخصية الى ما هو اجتماعي في عمومه لرصد عادات الإسبان في تأنقهم واحتفائهم بالحياة ضمن إعجاب لايخفيه البطل بل يؤكده في مقاطع متعددة :

" ...كانوا يحاولون الإعتناء بمظهرهم بالرغم من فقر بعضهم ففي آخر كل أسبوع نجد الذين يشتغلون في حرف تجعلهم يتسخون يتخلصون من أوساخ الحرفة فيتأنقون كل حسب استطاعته...أما في الأعياد فتراهم يأتون مثنى مثنى وهم في منتهى الأناقة تفوح منهم روائح عطرة...كانت تستهويني رؤية نسائهم...كم مرة تمنيت أن أدخل الكنيسة وأجلس قرب امرأة جميلة مهذبة مثل مانويلا..." ص63

إلا أن تلك الصورة الجميلة للإسبان تهتز في الفصول الأخيرة لتترك المكان لصور أخرى فيها كثير من القطيعة والجفاء، صورة زالت زينتها ولم يبق منها سوى التنافر بين صاحب المدينة الذي يحتضنها بوجدانه ومالك يحتلها ويدير شؤونها غصبا ضد المنطق والتاريخ والجغرافيا...صورة بيبي الجشع صاحب الحان " الثعلب الداهية الذي يعرف كل شيء " ص109  والذي يسخر من المغاربة الذين ينفقون كامل مرتباتهم في ليلة واحدة...صورة شرطي الحدود الذي دفع المرأة ومنعها من اجتياز الحواجز رغم أن نصف أسرتها تقطن المدينة: " بجواري كان هناك رجل يشبه شرطي الحدود، قصير القامة، أكرش مثل خنزير...يفرغ البيرة في جوفه ويدخل جانبا من الكأس في فمه...خنزير تقمص هيئة طاووس..." ص115

تختفي الأناقة ويختفي الجمال لتحل محلهما الدماء ويختفي جمال المدينة في الحواجز الكثيرة والجزم الثقيلة وتحضر صورة الصراع : " ولا أحد ينسى سقوط الثور في حفل الكوريدا الا اذا كان خارج الزمن" ص11

ويوظف الكاتب صورة الإسباني وفق منظورين متناقضين الأول حضاري فيه قدر من التآلف والنقاء والثاني استعماري استغلالي فيه قدر من التوحش مما يطور نسق الصلة بالآخر في أحداث الرواية وفق أزمنتها من الإئتلاف الإيجابي الى النفور السلبي...وقد يحيل ذلك على منظور نقدي أكثر شمولا يتجاوز البيئة المحلية التي يقاربها النص ليعبر عن الإرباك الحضاري العربي في علاقتنا بالآخر تلك التي تنزاح بفعل مستجدات كثيرة من إمكانية التعايش الإيجابي إلى مسوغات النفوروالصدام.  

وبرزت قدرة الكاتب على التجسيد في تصوير المهمشين في نموذج البهلول الذي جعله مسخا وجرده من كل مقومات البشرية باستثناء ذكورة وفحولة لا مستا الخيال العامي ليكون تجسيدا ممكنا للذات العربية التي فقدت كل شيء في رحلة غرابتها ونكست كل أعلامها وكل راياتها ولم يبق لها غير القضيب مفخرة بدائية قلت نجاعتها ...

ومن أكثر الشخوص تألقا شخصية الرئيس التي أبدع الكاتب رسمها، فجاءت مثقلة بمحمول دلالي ذي أبعاد نقدية شديدة الشفافية والعمق، ذلك الذي يركض منذ عقود في شوارع المدينة ليعلن أن الفسفاط الوطني الذي يستخرج يوميا وتمر به العربات، لايذهب الى الرباط بل الى مدريد...ذلك الذي شحب وكأنه لم ينم منذ الإستقلال...ذلك الذي أنهكه الركض وراء وهم الوطن وفقد وعيه زمن التناقض وفقد زمنه ثم فقد صوته من جراء تعقب المخبرين وسطوة المخزن ص106

شخصية شديدة الطرافة والعمق تختزل جيلا بأكمله ليس في المغرب فحسب بل في كل البلاد العربية، ذلك الجيل الذي حلم بالإستقلال لكنه صحا  على الوهم، جيل تمزق بين الوعي والعجز وشقى بهما، جيل تاق الى الفعل فواجه المستحيل حتى نخره الألم فانطوى على الحسرة وترنح فاقدا لذاته ويقينه...

ويطور الكاتب أبعاد هذه الشخصية لتتماهى مع البطل لحظة اندماج :

 " تبادلنا النظرات، طأطأ رأسه وكذلك فعلت، كنا كشقي خوخة كأننا نعلم ما يجول بخاطرينا، الخوف قاسمنا المشترك، يخاف لو فعل، أخاف لو فعلت...كنا صامتين كقبرين مهجورين في ضاحية المدينة، نظر الي بعينين حزينتين وقد ارتاب في صحة موقفي، نظرت اليه بعينين حزينتين وقد ارتبت في صحة موقفه...تبادلنا النظرات مثل الكلاب الحزينة...كنا حزينين حتى الموت..." ص107

التوق الى الفعل والعجز عنه، صراع لاتكافؤ فيه بين إرادات محطمة وواقع شديد الجور يحيل على العبث وإحساس اللاجدوى لماذا أتعب نفسه طوال هذه السنين؟ ص107 بل لماذا أتعبنا أنفسنا ؟؟ ولماذا شقينا بوعي بائس لم يخلف سوى حموضة ومرارة ؟

تتردد أصداء ساخرة ويستدعى التاريخ استدعاءا هجائيا وكأن المرارة تستدعي أخرى لأن تشاؤم اللحظة طغى على ما عداها وينتقل بطلنا من تحفز انفعالي الى لحظة عاجزة تغمر الحاضر والماضي:

" كدت اندفع نحو الشرطي لألقنه درسا بأن مليلية مغربية تاريخا وجغرافيا...وان كانت المدينة تسري في دمي أنا الذي أبحث عن شهادة ميلاد...أيكفي سقوط امرأة لبعث "وامعتصماه" ذلك من نسج الرواة...كررت في نفسي مجرد مواطن شاب..." ص111

ويطور الكاتب فضاء الشخصية لينقلنا ومن خلاله الى الجمود والعدم في انتقاء مقصود يؤكد وجهات النظر في هذا العمل السردي المتناسق لأن كل الشخصيات المتعاقبة هي أصداء تفاعل في وعي البطل ومن خلالها تنزاح المسيرة من الحركة الى الوجدان والوعي ومنها جميعا الى السكون والعدم وتتحول الجمرة من الإتقاد الى صدإ وتآكل وتكون شخصية النادل مثقلة بالنهايات التي أرادها الكاتب خاتمة لملحمة جيل من خلال رحلة " الذات المهانة وغير المسموعة"  : " النادل لم يعد يهمه أحد، تركه قومه الذين انقرضوا...تركوه من ورائهم ليواجه البحر...ربما كشاهدعلى بقايا أرواحهم...." ص119

ويطور الكاتب لعبة التماهي لينقلنا بين الضمائر من هو"النادل" وهم "السياح" إلى أنا وهو إلى نحن: " يحدث هذا أثناء انتظارنا كم نعشق الإنتظار " ص119

ويخفي خيار الشخصية وجهات نظر أساسية من خلال انتقاء ما يلائم القصد، إذ غابت الصور الكاريكاتورية التي ترصدتها عين الصبى، كشخصية المدير والمشرف على المخيم والبهلول...لتترك المجال لشخصيات أخرى أنهكها الجد حتى غدت كاريكاتورا هجائيا على حافة نقيضة أخرى ذات دلالات متعددة كشخصيتي الرئيس والنادل . 

حاولنا فيما تقدم أن نرصد تناسق السيرة من خلال وظائفها الكبرى ونعني بذلك المكان والزمان والشخصية ومن خلالها حركة الحدث في تعاقبه ونتوقف عند ملاحظات سريعة في خيار اللغة بين السرد والوصف والحوار، لغة بدت لنا منسجمة مع مقاصدها فكان السرد حركيا مع اختلاف ضمائره ضمن لوحات متعاقبة فيها تداخل بين سرد الأفعال ورصد الإنفعالات تكثف خاصة في الفصلين الأخيرين تمشيا مع المحمول الإيحائي والدلالي وكان الوصف وخاصة المنصب منه على الشخصية مكثفا يدعم الإيحاء بالمقاصد ويلامس قدرة شعرية من خلال المجاز والمشابهة في بنية متكاملة ترقى الى المشهد في فصول كثيرة ...

ولا بد أن ننوه بطاقة إيحائية خاصة في الفصول الأخيرة حيث ارتقت اللغة الى مصاف الرمز من خلال مجازات ذهنية متعددة كثفت المقاصد وأوحت بوجهات نظر الكاتب...

 

ملاحظات ختامية

 

ما يمكن أن نؤكده أن نص الجمرة الصدئة قد استجاب لمشروعية الكتابة واستطاع أن يوفق بين بناء الشكل وطرافة الخيال وثراء القضايا التي أثارها، وكان وفيا لمقتضيات السيرة الذاتية من جهة الواقع والتاريخ وللروائية من جهة انتظامه السردي.

إلا أنني لاحظت أن النص لم يكتب بروح واحدة - إن جازت العبارة – وكأنه قصص قصيرة أخضعت لمناخ موحد ورغم وحدة المكان وشخصية البطل نجد قطيعة بين فصول السيرة وكأن شخصية الطفل لاأثر لها في شخصية الصبي وكأن الشخصيتين لا أثر لهما في شخصية الشاب والكهل لاحقا، كل مرحلة تكاد تنتهي كفضاء مستقل عن المراحل الأخرى ... ومن ذلك أن بيئة النشأة يختفي أثرها مع الرحيل عن المكان ...

 ولهذا السبب نجد أن بعض الفصول كتبت بلغة أقرب الى التسجيل في حين أن بعضها الآخر مثل الفصلين الأخيرين كتبا بلغة شديدة الإيحاء والرمز...

وقد يرتبط ذلك بهاجس الكتابة وخاصة في السيرة، بذلك التنازع بين الواقع والخيال أو بين الحنين والسعي الى الإمساك بلحظات منفلتة واستقصاء الذاكرة في استعادتها من جهة، وبين عالم الرؤى والخيال والمواقف من جهة ثانية...نص التذكر والحنين مع نص الخلق المتحرر في علاقة الذات بلحظة راهنة...

وقد يرتبط ذلك بحفرية صائبة في مكونات جيلنا، الإمساك بالقطيعة الحاصلة بين زمنين، بين ماضينا القريب المستهلك بالحركة والمضاء بممكنات الحلم، وحاضرنا الذي انطوى على انتظار خائب أسلمنا لعجز يصاعد وعيا بعبثية المصير ومنها الى ما يؤسس للعدم ...

الوعي بالتضاريس المهلكة لزمننا الشخصي، شهادة رثاء لواقع تحول مسرعا من حلم التحرر والبناء والتأسيس إلى وهم التعايش والتبعية والخنوع والخضوع...

قلت ذلك لأن هذا النص - كما بدا لي- خرج من رتابة العادي ثم ارتقى الى مصاف الإبداعي، من خلال جرأة في الفصول الأخيرة هي من لوازم السيرة : جرأة تعرية الذات والواقع، وهي الجرأة الحقيقية، لأن العري الجسدي هو من أقل أنواع العري إحراجا، وبعض النزق اللفظي أو المشاهد الشاذة - التي يعتبرها البعض تجديدا في مجال السيرة- لا ترقى في جرأتها الى كشف العجز والإقرار بالحدود: أن تقف الذات ومن خلالها جيل بكامله على حافة العدم :

" لأن السواد ملأ تضاريس الروح " ص124 .

 

وربما من تلك الملاحظات تتتابع أسئلة أكثر شمولا عن مقاصد كتابة السيرة عند الكتاب العرب ومنها هل نملك جرأة على العري والتعرية ؟

هل نمتلك القدرة على التحرر الإبداعي الذي يجعلنا نتجاوز المألوف ونختط سبلا جديدة في مجاهل الذات والواقع ؟؟

هل نكتب نص الذات المغرورة أم نص الذات المقهورة ؟

 

 محمد الجابليّ

تونس  10/11/2007

مداخلة: بندوة الرواية المغربية بقابس

 

 

- الجمرة الصدئة     - عمر والقاضي-  / ط1 /2007/

1 ناظم السيد          - اكتشاف الأنا بإخفائها – القدس العربي 29/06/2007

2 بيرسي لوبوك      - صنعة الرواية           - دار الرشيد ط1/1981

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة