رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

الحب الحافي في رواية الكرسي الهزاز لآمال مختار

الكتابة دون أقنعة

أو " الحب الحافي"  في رواية الكرسي الهزاز لآمال مختار

محمد الجابلي

-          حجاب المرأة /عري الرجل

 هو عنوان مداخلة كنت قد أعددتها في بداية التسعينات باقتراح من صديقي الشاعر المرحوم رضا الجلالي وكان يشرف آنذاك على إعداد تظاهرة بعنوان " معوقات إبداع المرأة" في دار الثقافة أحمد بوليمان بباب سويقة بمناسبة أحد أيام المرأة، عادت إلى ذهني المداخلة وبعض أفكارها من خلال تتبعي لمسيرة " منى" بطلة رواية آمال مختار، في تأكيد بأن مسألة المرأة وقضايا الجنس هما من المداخل الأنتروبولوجية الأعمق لدراسة واقع الإختلال والإرباك في مجتمعاتنا، حيث  إننا لم نحرر المرأة بقدر ما جعلناها في فوهة براكين تناقضاتنا غير المعلنة: فهي  واجهة للتحديث بدعاياته المشرعة من جهة، وهي حارسة القيم والأبواب المقفلة في المسالك المسطورة من جهة أخرى: عشيقة الشارع والجلسات الصاخبة وربة البيت والمناسبات الهادئة: معلقة بين حنين ماضينا المنغلق ونزوع حاضرنا السطحي، وهي بإرباكها شاهد إثبات على إختلال أنساقنا بين ماض سلفي يتربع في ذواتنا، وحاضر حداثي نتمظهر من خلاله ونعلنه  مخادعة، شاهدة إثبات على فصام الذات الجمعية بين وعي سطحي يدعي التقدم بهشاشته ولا وعي تقليدي ينغلق ويستعيد الماضي برسوخه...

 

-          الرواية بيان الصدق من أجل الحرية والجمال

قرأت روايتي آمال مختار: الأولى " نخب الحياة" والأخيرة " المايسترو" وكان الإحساس بعد كل قراءة يكاد يتعاود، إحساس بعدم الإكتمال من جهة ما كنت أجد من متعة في اللغة ورشاقة في الأسلوب مع محدودية في الرؤية وتقلص في زوايا النظر...

لكن عندما قرأت هذه الرواية، أحسست أن الكاتبة تنهل من معين صادق، واستثيرت في ذهني أسئلة كثيرة في مسائل تتصل بالكتابة، وبدا لي أن مقولة الصدق تلك التي يعتمدها النقد الكلاسيكي في قراءة الشعر يمكن أن تكون كذلك مدخلا في نقد المكتوب الروائي لأن الصدق يحيل على معاناة ما نكتب وعلى مشروعية ما يستثار في الكتابة من قضايا لا افتعال فيها، وكل ذلك يؤثر حتما في لغة الكتابة ووسائط التبليغ مجتمعة، وهذا رأي يرفضه أدعياء فن – ما بعد الحداثة- مهرجو النقد "النزيه" الذين ينظرون لعزلة الفن وأسره في غرفة الأشكال المغلقة، الذين يحاربون الإيديولوجيا بنقاء مشبوه، وبأجر مدفوع، وهم يرسخون بذلك أيديولوجيا بديلة، إيديولوجيا الفراغ والموت، موت الفن بقيمه لصالح سلطان التاجر بقيمه الإستهلاكية المعولمة...

  عندما قرأت هذه الرواية تذكرت كتابات محمد شكري وخاصة منها الخبز الحافي، كتابات البوح الصادق التي تفتقدها مكتباتنا، ذلك أننا نتخفى ونتحجب في الكتابة، ونكتب غالبا بأقنعة كثيرة، منها أقنعة القيم وأقنعة الوعظ التعليمي والدعاية المدسوسة وكلها أقنعة السائد والمعلن...وتلك الأقنعة التي تحضر لحظة الكتابة تلغي حرية المبدع من خلال التهذيب والتشذيب، من خلال الشطب الذهني الذي يمحو العميق ولا يجيز غير السطحي، ذلك الشرطي الكامن فينا،  حتى أن النصوص التي تخضع للمحو والشطب تكاد تتشابه رغم صدورها عن ذوات كاتبة مختلفة، لأن المضمر واحد عند غياب جرأة الذات ووعيها بمسلك حريتها الذي هو مسلك فردي شديد الخصوصية في تمظهره الإبداعي ...

وفي اعتقادي أن الكتابة التي يمكن أن تشد القاريء  نمطان:  النمط الأول الذي يأخذه بعيدا في مجالات التخييل والرؤى المنفتحة على الأسئلة الوجودية والوجدانية، والثاني الذي يغوص عميقا في الذات البشرية بحدودها وآلامها وعجزها، ورواية آمال مختار " الكرسي الهزاز" من الصنف الثاني الذي يوغل في مسام الذات الحائرة داخل أوزار اللحظة بكل ما يحف بها من اجتماعي وقيمي وحضاري...

الذات بأنفاق التقاطع فيها بين مسالك نفسية وأرصفة إجتماعية ذلك التقاطع بين النفسي الحميم والأجتماعي الرجيم، صراع لا هوادة فيه بين الخاص والعام أو بين الجماعي والفردي أو بين الداخل والخارج بعبارة - ن ساروت- ذلك الصراع الذي أرسى ركائزأعتى فلسفات العصر وأكثرها عمقا: الوجودية بتمردها وبحثها عن أصالة الذات المغيبة داخل أنساق الجماعة...

رواية الكرسي الهزاز لا تدعي لكنها تقول الكثير- قلت لا تدعي- لأن بعض رواياتنا تتأسس على الإدعاء، أعني إدعاء التنظير الخفي والصنعة اللاهثة وراء ما يجب أن نقول، رواية موضوعها بسيط وآسر في صدقه وتلقائيته: حياة أمرأة بين الإمكان والعدم، صراع أو بيان من أجل الحرية الممكنة والمستحيلة في الآن نفسه: صراع فاضح بين السطح والعمق فيه إدانات كثيرة، إدانات عميقة لكنها شفافة، شعرية الداخل في مواجهته الخائبة مع الخارج، حب جارف في رعاية حقد يكبر، نقائض نعيشها وقلما نبصرها...

"منى" بطلة الرواية تكبر ومعها ذات مشظاة، بل يكبر فيها تشظينا الإجتماعي النفسي، إزدواجيتنا بين وعي يرتقي عبر المعرفة ويدعي التحرر ويتمظهر في الحداثة، وبين لا وعي مكبوت لكنه فاعل كأشد ما يكون الفعل في ذواتنا الكامنة بل هو الأكثر رسوخا لأنه محروس برسوبيات كثيرة نلعنها ظاهرا لكنها تحتلنا وتوجهنا باطنا...أسئلة تطرحها الرواية بعد نصف قرن من مجلة أحوالنا الشخصية المتطورة وكأنها تقول هل تطورنا حقا؟ أم أننا تغيرنا في ظاهر هندمتنا في حين ظلت أعماقنا إقطاعا تمرح فيه قطعان ذواتنا المتخلفة؟؟؟

 

- الكرسي الهزاز : الصراع الدرامي بين الطبيعة والثقافة

"منى" الأستاذة الجامعية بذواتها الثلاث: المثقفة والأنثى وبينهما ذات أخرى محتجبة ومترددة بين الإستهتار السوقى والحرية المشروعة والمسؤولة من جهة وبين المنمط الإجتماعي بمستلزمات خنوعه وخضوعه من الجهة الأخرى، ذات رجراجة مترنحة بين الطبيعة والثقافة، الطبيعة بحريتها وتلقائيتها والثقافة بأنساقها ومستلزمات إئتلافها مع العادة والعرف والقانون والقيم...صراع إختصره ك ل استراوس في حديثه عن الزواج فيما معناه: " إن الزواج هو المظهر الدرامي  المجسد للصراع بين الطبيعة والثقافة".

صراع أكثر درامية في المجتمعات المتخلفة عبر الترنح بين حداثة سطحية وتوفيقية إنتهازية لطبقة وسطى، في انفتاح واهم للكيان من خلال الويسكي المثلج والسهرات الصاخبة المحجبة داخل سياج شائك القضبان يظهر ضاغطا بأسئلة العذرية والبكارة وعبودية الذات للذات تتردد أصداؤها في البطلة حيرة ثم في الآخرين ملكية موهومة بطرق مختلفة، تبدأ من رابطة الدم عند الأب إلى راباطة العقد عند الزوج وبينهما رابطة العشق بين الممكن والمستحيل عند الحبيب ...عقود ضمنية يكون فيها الأب قطب رحى الذكورة التي لم تتزحزح عن جذورها، ذكورة قاتلة متسترة خلف وقار التاريخ، تخوض الحداثة بسطح المعرفة وتدوسها بحد الوجدان، ذكورة تقدم وتفتح السبل  ظاهرا ثم تغلقها باطنا، ذكورة تقول: ( لا مكان للأنثى خارج السياج الحديدي) تعلن ذلك  بصمت مفارق في الحياة وبملامح إصرار بعد الوفاة: " لم تنزل دمعة واحدة من عيني لتبكي الرجل الذي سكن مشاعري حتى بعثرها فأصبحت بلا هوية، لم تنزل دمعة واحدة لتبكي الرجل الذي أحبني حتى الموت وكره أنوثتي حتى الموت...ص128". 

حامد عبدالسلام والد البطلة، رعاية صامتة وحب أخرس، دلل الطفلة ثم أقصاها فتطورت عقدة أوديب في شكلها المقلوب ليكون الأب بوصلة مختلة تلهث الطفلة ثم الصبية ثم المرأة خلف أقطابها غير المنظورة، فتختل باحثة عن صورة ممكنة للرجل، لحامد عبدالسلام، صورة تكبر في تحد وصمت صورة شديدة التعقد والإرباك، صورة مطلقة للمذكر: الأب والزوج والعشيق كلها وجوه منه، خليط  عقد بين وعي منفتح وأعماق كسيحة،كلهم في الكرسي الهزاز كرسي الإعاقة الظاهرة أوالمحجبة:

 " حاولت أن أطلب غفرانك، حاولت أن أسعدك بزواجي من منجي، لكن محاولتي كانت فاشلة إكتشفت أني سأنتحر بهذا الزواج، إكتشفت أن منجي يشبهك في أعماقه فهربت، هو مثلك في محافظته وخوفه من الجسد، لذلك هربت إلى أحضان لطفي الذي بدا لي أنه يشبهك في مظاهر أفكاره الجريئة لكن تبين لي أنه ككل الرجال عندما يتعلق الأمر بعلاقة رسمية...ص116 "

 

-  وسائط التبليغ وحيل المكتوب

إن حماسي لموضوع هذه الرواية في هذا الحيز الضيق، يكاد يغيب الحديث عن مسائل أخرى لا تقل أهمية في مشروعية الفن، ونعني بها فنية البناء وخصائص اللغة، أي مجمل الخيارات الفنية في هذا العمل الروائي، وهي خيارات موفقة في مجملها من جهة الراوي الذي كان متوحدا مع البطل حيث ورد السرد بضمير المتكلم مما يدعم الإحساس بالصدق عند المتقبل ويؤكد أو يحيل على صدق المعاناة ومشروعية الكتابة التي هي فيض من ذات ملآى- بعبارة بارط- وكذلك خيار الفضاء المكاني الذي أحال على واقعية المتخيل كفضاء معلوم حاضن وشاهد على الحدث في حركيته بين ضواحي العاصمة وقلبها ومنهما إلى إسترجاع تذكري في حميمية القرية والريف بإحالته غير المعلنة على ريف الشمال الغربي بجباله وخضرته...وكذلك فضاء الزمان في مراوحة لطيفة بين حاضر وماض: حاضر المعاناة والغربة وماضي البراءة الممكنة والطفولة المغتصبة تحت أنظار رعاية تقليدية صامتة ومتباعدة...وكان فضاء الشخصية متعددا في وحدته  من خلال الحضور الطاغي لشخصية الأب المقعد وتشظيها الذكوري في الشخصيات الأخرى: الزوج جامعي لكنه كسيح مقعد في عقده إزاء الجسد، العشيق رسام مثقف لكنه كسيح مقعد في عقليته إزاء النمط الإجتماعي، وكذا الحال مع العم النزق ولطفي النهم...والشاعر الذي صنعت منه البطلة ملجأ تعويضيا لأب مفقود وحبيب منشود، الشاعر المجبر على صداقة الأنثى رغم رفضه المكبوت لها...شخصيات ذكورية متعددة لكنها تتوحد في عقدة الذكورة وتعجز مجتمعة في أن تكون ملاذا لأنثى الروح والكيان...

وتكاد في المقابل تنسحق شخصية الأنثى من خلال البطلة اللاهثة في انسجامها الوجداني القليل وفي خيباتها واغتصاباتها المتكررة وفي شخصية الأم المترددة والخاضعة في انزواء وانتظار...

وما يشد أكثر في هذه الرواية لغتها الصافية، في حميمية البدايات وتلقائية الصدق وشعرية المجاز: المجاز الذهني الحاضر في عمق الدلالة، والمجاز اللغوي الكامن في ثنايا الوصف: وصف الشخصيات في كاريكاتور خفيف نفاذ وكأنك تراها: ببطونها المنتفخة وعرقها المتصبب وصلعاتها ولون بشراتها وقصر أصابعها في توترها ونزقها ... شخصيات تحيلك بشكل تلقائي على بعض من تعرف في مقارنة بين الواقع والمتخيل شخصيات مهزوزة بدائية تخفي عقدها تحت ربطات العنق والتمظهر الإجتماعي والثقافي ...وصف لا حياد فيه يعكس منظور البطلة في تواطئها العاشق أو في نفورها الجامح الجارح ...

 

-   لماذا تركت الحصان وحيدا  أو مرثية الأرض الخراب ؟؟؟؟

نقول أخيرا لروائيينا: لا تبحثوا عن الموضوعات البعيدة، والمناخات الغرائبية بل غوصوا بصدق - حواليكم- وستجدون أن الينابيع كثيرة وقريبة يكفي أن نحسن مواجهتها بصدق وعمق ومهارة فنية...

وأفضل ما نختم به هذا التقديم السريع هو صرخة وجودية ووجدانية، إهداء الكتاب إلى الشخصية المحورية في الرواية، الرجل المتوحد في إعاقته، الأب الحبيب والجلاد: الصامت في ثورته والمتكبر في عجزه،  في دلالاته المنفتحة على جراحات الكيان الجمعي الحضاري المذكر الأول والأخير، الحاضر الغائب، الممتليء والمفرغ، قطب الحب والحقد وقطب الوجود والعدم...

إلى " حامد عبدالسلام" :

" في النهاية أجدني دائما وحيدة ، وحيدة حتى العزلة، أرتب في بيت نفسي أشيائي: آلامي وأحزاني، أفراحي وجنوني...لماذا إذا أحتاج أحيانا وبشدة إلى ذلك الأحد الآخر الذي أعرف جيدا أنه لن يستطيع أبدا أن يكون أنا، وأنني سأظل في حضرته وحيدة.."

إهداء التوحد والتوحش والقطيعة، إلى حامد عبد السلام ومن خلاله إلى جحيم الآخرين إلى كل "الرجال الجوف، - بعبارة إليوت فى رباعياته- الرجال الفارغون ، الرجال المحشوون ، أدمغة مملوءة قشا ويا للأسف، شكلا دون هيأة وظلا دون لون..."

الكرسي الهزاز فضاء البوح والإدانة، حركة العمق المغيب ومحاكمة شعرية أنثوية لعالم الذكورة الكسيح والمقفروكأني بالساردة تصرخ بلسان درويش في مجاز آخر: 

" لماذا تركت الحصان وحيدا ؟؟؟؟ "

 نشر النص بالورقة الثقافية للطريق الجديد "حين كان النص ممنوعا" /صدر أخيرا هذا النص بعد رفع الحضر على الكتب والمنشورات

 

*   الكرسي الهزاز                        آمال مختار                                 دار سيراس 2002

 

 

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة