رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

النص الإفتراضي في" رخامة الإسفنج" لمحمد خريف

محمد الجابلي

 

نص بلا مرجع

على الرغم من صلتي الشخصية بمحمد خريّف ومتابعتي لجل ما أصدر من إستعارة الإستعارة إلى حليب العليق وتأويل التأويل وقيلولة البرد ومسك الحنظل وخاطرة الخاطرة وبطاح الملاسين وكحل الخشخاش، وكلها إصدارات متتالية لكاتب جاد وعميق في منظوره للحياة والإبداع لم أجد حافزا يدفعني للكتابة تعريفا أو نقدا وقد يرتبط ذلك بطبيعة نص محمد خريف، نص أو نصوص تراوحت بين الإبداع والنقد كما تراوحت بين الإبانة والإستغلاق وقد يرتبط ذلك أيضا بفهمي للفن ووظيفته ومنها خاصة رسالته الخفية ومسؤوليته النقدية، رسالة قد لايلتزم بها محمد خريف أو قد يراها من زاوية أخرى؟؟

ورخامة الإسفنج (1) إصداره الأخير ورد في ما يتجاوز الماءتي صفحة بتقديم لحسن عجمي، وفيه مواصلة للنسق الإبداعي نفسه الذي إختطه في إصدارات سردية سابقة مثل حليب العليق أو مسك الحنظل، نسق يستدعي الجديد من أدوات النقد والقراءة وكذا الأمر مع آليات التقبل الذوقي .

قلت يستدعي الجديد - بشيء من الإحتراز- لأن هذا الضرب من الكتابة يذكر بما ساد في النصف الأول من القرن العشرين من نزوع تحرري في الرسم خاصة مع السريالية وفي الإبداع مع الكتابة الآلية و الكولاج وفي المسرح مع العبث واللامعقول ...على إعتبار ما ساد من بحوث وتنظيرات تقدم اللآوعي على الوعي وتتخذ من فرويد وخاصة من لاكان منطلقا لتوجهها...
 

وبما أن الخطاب ينبني على تعاقد ضمني بين طرفيه ويخضع بالضرورة إلى تواطيء ما فإن كاتب رخامة الإسفنج يطمح إلى تعاقد جديد مع قاريء مفترض خارج دوائر العقود المعلومة بدءا من التجنيس حيث يخرج النص عن المعلوم من الأجناس وإن كان إلى الرواية أقرب حيث يعلن الكاتب داخله:" وأحسب أني أكتب رواية فأضحك من بلاهتي ولا أرسم حرفا واحدا يشبهني على هذه الورقة ص 161 " وكذلك ما ورد في حواشي العنوان من دلالات حافة مقصودة:"نص بلا نحو ونحو بلا نص" والنحو معلوم في اللغة ومنه المنحى والوجهة وإن كان النص بلا نحو فهو بلا وجهة معلومة مما قد يحيل على النص الحالة الذي يولد في لحظته دون إضمار مسبق كاللوحة التشكيلية التي تنبثق من إحساس مبهم وعصي تتوق الإمساك بشيء منه ...

ويورد الكاتب في ثنايا النص بعض الإشارات التي تؤكد ما يضمر من مقاصد تؤسس لتعاقد جديد مع المتلقي: "إنه عصر الرواية التي لا تكتب، الرواية الحاضرة في صخب الرواية الغائبة...أغدا أرسم حركة السير المعكوس في جميع الإتجاهات...ص 176 " وإذا تطلع الكاتب لرسم حركة السير المعكوس في جميع الإتجاهات فهو يقترح نص الهدم على اعتبار أننا لم نؤسس ما يطمأن إليه في كل المستويات وكأنه بنصه يزعزع المطمئن فينا ويربك الثابت ويقترح علينا زاوية نظر أخرى لها أبعاد شديدة الإختلاف  والغرابة؟؟

زاوية أخرى يسميها حسن عجمي "السوبر حداثة" بمعنى التجاوزولكن هذه التسمية بدت لي مدخولة لأن الحداثة وكل ما حف بها هي من أكبر الكذبات وأخطر الورطات التي عانيناها لكني أسميها كتابة الهدم بمعنى هدم السائد من قناعات دلالية وفنية، وفي الهدم جرأة قد لا تقل عن جرأة البناء خاصة في لحظة متوجة بالضباب وعدم الطمأنينة ومقنعة بالخيانة والنكوص.قد نقبل نص خريف من هذا الإعتبار: إعتبار الوفاء للحظة متداعية لأني على إعتقاد راسخ بأن الفن لن يتخلى عن وظائفه الطليعية ومن أهمها النقد والتطلع إلى الممكنات لأنه منساق بالضرورة إلى ما هو إنساني بمفهوم الشمول والإطلاق.
 

لكن الهدم كذلك يقتضي منهجا تفكيكيا يفتت المتراكم فهل استطاع محمد خريف إحكام أدوات الهدم ؟

يقول حسن عجمي في مقدمة الكتاب:" فكك النص مفاهيم الغرب والشرق كمفاهيم القبيلة والمشيخة والفحولة والنبوغ والزواج والسلطان واللغة الإنجليزية والكنيست والبيت الأبيض والصواريخ والقنبلة الجرثومية...وهذا التفكيك يشكل نصا إفتراضيا لشدة إيجازه ودوره في خلق النص الواقعي..ص11 "   

لكني أعتقد أن محمد خريف حالّ في فخ الواقع المهدوم والمتهدم إذ يقترح الهدم ويباشر التفكيك من جهة الفضح والتعرية وكأنه يختزل في نصه لحظة الضياع في أقصى أبعادها بأن يرشقها على شاشة الوعي المباشر بكل ما فيها من تناقض وإرباك بين الوعي واللاوعي وبين الذاتي والموضوعي وبين الحاضر والماضي وممكنات المستقبل...لحظة الضياع بكل وضوحها وأوزارها ونزقها وحنينها وطفولتها وقهرها ...بكل ما فيها من تشظي الكيان المطحون بين أقطاب شتى...

كتابات أخرى تستر العري أو تتستر عليه لكن نص خريف يباشر العري دون حرج، عري اللحظة بممكناتها الوجودية أو الوجدانية الفردية أو الحضارية...كتابة مدخولة برياح شتى تعكس تداخل الأبعاد وغياب المرجع لحظة إحتجاج عارية من كل قناع تبريري في مستويي الدلالة أو الشكل...نص يسبح في تيارات الوعي والأزمنة مسيجا بلحظتين مموهتين من صباح الجمعة 19/21/1997 إلى لحظة صباح السبت 52جويلية 1948 كذا ورد في زمن إفتراضي يتطلع إلى المطلق يذكرنا بالزمن السرمدي المتطاول الذي إبتدعه أبو العلاء لبطل غفرانه زمن إرتدادي قد يحيل على حياة الكاتب الواقعية وكأنه يحفر في سلم درجات الوجود بين لحظتين متباعدتين وما كان بينهما من تقاطع كيانات ودلالات وأحاسيس وأفكار وخواطر...

نص إفتراضي كما يصفه حسن عجمي أحلام ترتحل في كل مكان كما الجسيمات بالنسبة إلى ميكانيكا الكم أن تمضي إلى الماضي السحيق أو المستقبل البعيد :

"أتابع المشهد مصلوبا في إتجاه مسقط رأسي أحتفل وأنا في قبر أمي الخضراء عام ثمانية وأربعين بذكرى الجمهورية قبل الأوان يموت المنصف في عهد الصادق تبكيه عليسة من المرسى إلى الجلاز يصفق بن رشد في الجنازة الهادئة تنطلق من دار الباي تجرها خيول القصر السعيد لاأعرف لما صفق ابن رشد أمن باب الشماتة أم من باب الجنون وفلتة الفلاسفة...ص  202" 

حسبنا في هذا الحيز أن نشير إلى هذا الإصدار الجديد الذي يستوجب وقفات أخرى لما فيه من جرأة وغرابة تثيران أسئلة جديدة حول قضايا الإبداع والحرية الإبداعية وقضايا الخطاب وآليات التقبل.

أسئلة حول الكتابة وجدواها منطلقا ومرجعا، حول علاقتها بالواقع والتاريخ  حول أهدافها وأبعادها...

نشر المقال بالورقة الثقافية الطريق الجديد وبجريدة الشعب

 

(1) رخامة الإسفنج محمد خريف - مطبعة الشرق تونس 2005

 "تقديم حسن عجمي"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة