هجاء السّلطان و رثاء الواقع
في رواية آخر الرعيّة لبوبكر العيادي
محمد الجابلي
لكلّ مرحلة رمز تلتقي فيه الدّلالات، ومن أوضح الرّموز الدّالة على مرحلتنا هو رمز السّقوط والإنتظار، سقوط أنظمة تجاوزتها اللّحظة التاريخيّة، وانتظار مشوب بالحذر والتطلّع من نخب مُفرغة بفعل الغياب والتّهميش اللّذين وسما العقود القريبة... ومن محاسن الإبداع أن يلتبس بحسّ التّاريخ وأن يعلن فجائعه على الملإ.
ومن هذا المنظور نقدّم رواية جديدة بعنوان "آخر الرعيّة" صدرت عن دار أرماتون بباريس ضمن سلسلة الكلمة الحرّة، للرّوائي المقيم بفرنسا "أبوبكّر العيّادي" بعد روايتين سابقتين هما "لابس اللّيل" و"مسارب التّيه"، ولئن بدا الكاتب واقعيًّا إجتماعيًّا في نصوصه السّابقة من خلال مقاربة الواقع برؤية ذاتيّة فإنّه في النصّ الجديد قد نحا منحى الواقعيّة السّياسيّة في سعيه إلى رصد إنهيارات نموذج سلطويّ فرديّ...
ومن حيث المضمون استطاع الكاتب أن يصهر عمله الرّوائي في وحدة متماسكة تمثّلت في رصد المرحلة الأخيرة لنظام حكم فرديّ يتهيّأ للتّداعي من خلال انحلال سجلّه الكاتب بمنظور داخليّ عبر اعترافات مثقّف السّلطة الذّي تفنّن في تزيين طغيان الطّاغية بدهاء ووظّف ذكاءه ومعرفته لخدمة السّلطان وتبرير إنحرافه، وكانت فاتحة الفصل الأوّل دالّة على هذا الخيار وهي من مقدّمة إبن خلدون : "اعلم أنّ السّيف والقلم، كلاهما آلة لصاحب الدّولة يستعين بهما على أمره" كما تدعّم الخيار النقديّ من خلال الفصل الأول "باب الباش كاتب" ومن خلال بطله عبد الكبير الكاتب الذّي ارتقى في سُلّم الوصوليّة ليصبح وزيرا مدبّرا نافذا فاعلا ويقدّم نفسه في بداية الفصل بقوله : "أنا العبد المفتقر دوما إلى رحمة سيّده وجوده... أنا عبده وكاتبه وصفيّه ونديمه ووزيره الذّي ليس لنفوذه أوّل ولا آخر، كاتم أسراره ومدوّن أفكاره... ومحرّر التّقارير عن كلّ أمر مريب، ناظم المدائح والأشعار والأناشيد في كلّ عيد... أصطفي للكبير ما يليق بقدره من ثناء... فيُكرمني ويُدنيني ويُسمّيني الرّقيب أزن الكلام وأستقرئ ما بين السّطور... ص11".
وفي الباب الأوّل فضح لنوازع الحاكم المفرد وكشف لفساد بطانته من خلال دسائس بعضهم ضدّ بعض أو مكائدهم ضدّ المناوئين والمعارضين وفيه لوحات هزليّة تذكر بالإنتخابات الصّوريّة وما يحصل فيها من طرافة التّناقض بين سذاجة المواطن وتلقائيّته وخبث المشرفين على نتائجها وتزويرهم...
وورد الفصل الثّاني بعنوان "باب الكبير الأعظم" وافتُتح بتصدير لإبن المقفّع "إنّ الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان ، هو ضائع ولا ناصر له" وفيه تصوير لغربة الحاكم بعد تمرّد الرعيّة وخيانة الحاشية فيردّ على لسانه فيما يشبه الاعتراف أو التّداعي : "وكنت أشعر رغم ذلك .. أنّ الهدوء الذّي خيّم على البلاد هدوء مضلّل يُضمر في تلافيفه ألف شرّ ص118 " وفي هذا الباب استرجاع لتمرّد الرعيّة في سبيل الحريّة والسُّبل التّي اتّبعها الحاكم لإخمادها بالعنف حينا وبالخداع وترغيب قادتها حينا آخر، وفيه استرجاع للخيانات المتعدّدة بعضها يتصّل بالصّراع على السّلطة ويتّصل بعضها الآخر بخبايا القصر العاطفيّة، وينتهي الفصل بوحدة الحاكم بعد خراب البلاد :
"في تلك اللّحظة لم أكن أعرف أنّي فقدت كلّ شيء .. احتوشتني المخاوف والظّنون وأنا أبتعد عن قصري المدكوك ، منازل مهدّمة ومعالم محطّمة...ص180 ".
وورد الفصل الثّالث بعنوان "باب الرعيّة" وبفاتحة لشولوخوف:"لا تظنَّنن أنّ ذلك النّهر تحت الجسر نائم" وفيه واصل الكاتب هجاء السّلطان بعد خراب البلاد وفيه تتّضح دلالة العنوان إذ بقي السّلطان وحيدًا يهيم في أرض فراغ فهو الحاكم الأوحد وهو كذلك آخر الرعيّة في البلد الخراب.
ومن حيث البناء الفنيّ اعتمد الكاتب المسار التقليديّ في تعامله مع الزّمن وفق ترتيب سياقيّ ونسقيّ هادئ يصل البداية بالنّهاية : يبدأ من كشف السّلطة إلى سقوطها وينتهي بنتائج ذلك السّقوط ، ومن حيث الإحالة على الزّمن الواقع نجد تداخلا مقصودا بين إشارات متعدّدة يمكن أن تحيل في مجملها على واقع السّلطة في البلاد العربيّة، في ممارساتها المتشابهة أو في سقوطها الحاصل أو المنتظر، فالكبير الأعظم، ووزيره عبد الكبيرالكاتب، وعربانيا البلد المحكوم بالدّسائس، وتدجين المعارضة، وتدليس الإنتخابات... كلّها قرائن تحيل على الزّمن السياسيّ العربيّ المحكوم بأنظمة تنعق فوق الخراب العاجل أم الآجل، واستطاع الكاتب أن يجمع بين إحالات مختلفة بعضها متّصل بفساد أنظمة قائمة وبعضها الآخر متّصل بسقوط نظام بغداد...
وورد السّرد في مجمله بضمير المتكلّم فيما يحيل على الشّهادة أو الإعتراف، أمّا الشّخوص فهي منكشفة منذ البداية، تُساق إلى مصير معلوم في إمتداد زمنيّ لم يوضّح الكاتب معالمه من خلال أحداث مرويّة أو مُستعادة في وعي الشخصيّات.
واعتمد الكاتب لغة صفويّة تؤكّد الهدف التعليميّ الذّي هو من بعض غايات هذا النصّ ، ونعتقد أنّ تحقّق الغاية التعليميّة كان على حساب التدفّق الإبداعيّ لأنّ الخروج عن المألوف في المعجم قد يُربك انسياب السّرد ، وقد وُفِّق الكاتب في الجمع بين حداثة المضمون وأصالة الوسائط التعبيريّة كالتّضمين الشعريّ من مدونّة تقليديّة (المتنبّي ــ البحتري ــ المعرّي ــ ابن عبّاس ــ ابن أبي حفص...)
وفي مستوى وجهات النّظر النقديّة ، نحيّي جرأة الكاتب لأنّه أثار عديد القضايا المعاصرة انطلاقا من هجاء السّلطة الذّي هو هجاء للحظة تاريخيّة شديدة الإختلال وكشف لمجمل العلاقات المختلّة التّي أفرغت المجتمع من طاقاته الحقيقيّة لكنّنا نعتقد أنّه اتّجه وجهة تسجيليّة فتقلّصت ممكنات الخيال وناء السّرد بحكايات ونوادر معلومة وهي ــ رغم طرافتها ــ قد انغلقت في مجملها ضمن منظور واحد لا تعدّد فيه. كما انغلقت نهاية الرّواية على المنظور الآحادي الذّي هيّـأ له الحدث فتوقّف عند الحاكم المجنون الذّي تاه فوق الخراب الذّي صنعه...
ونعتقد أنّ بوبكر العيّادي ككاتب قد طوّر نصّه من خلال رؤية واقعيّة استطاعت في "مسارب التّيه" أن تتخلّص من نفق الحنين الذّي أغرق معظم نصوص روائيٍينا المغتربِين، كما استطاع في نصّه الأخير أن يتخلّص من سياج الذاتيّة المحدود، وأن يغامر في آفاق واقع موضوعيّ ونأمل أن يتخلّص في لاحق نصوصه من بعض التسجيليّة وأن يقارب الواقع من منظور فنيّ أكثر تعدّدًا وانفتاحًا.
نشر المقال بالورقة الثقافية للطريق الجديد
§ آخر الرعيّة أبوبكّر العيّادي
أرمتون باريس 2002









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية