النزيف والفترات الحرجة
محمد الجابلي
مدخل
لقد نظر الشكلانيون لعزلة الفن وتطلعوا لجعله في غرفة مغلقة بسعيهم إلى عزل النص عن محيطه الإجتماعي والنفسي والحضاري، وعاضدهم في ذلك بعض اللسانين في اعتبار النص بنية مغلقة، وهذه التنظيرات –التي تدعي البراءة- قد فعلت في توجيه النص الإبداعي في مستوى الإنتاج أو في مستوى التلقي وجهة إنعزالية أضرت ببعض النصوص التي توهّم أصحابها فك الإرتباط بين الفن الجميل والبرىء والحياة القبيحة والفاجرة،وساقهم الوهم إلى لعبة شكلية أداتها اللغة، فسعوا إلى التستر بغطائها وأنتجوا نصوصا مفرغة خالية من كل مشروعية، وتلك النصوص فعلت كذلك في تدمير العلاقة التواصلية مع المتلقي...
والتنظيرات السابقة هيأت لتنظيرات أشمل تطلعت إلى هدم المعنى وإفراغ القيمة كدعوات الموت المختلفة: موت الإيديولوجيا، وموت الفلسفة، وموت الأجناس الأدبية... ومعاول الهدم هذه، وإن تلبست بلبوس الفكر،قد هيأت لمنظور أكثر خطورة تمثل فيما تروج له العولمة من إنتفاء الخصوصية ومن إضعاف كل المؤثرات الإنسانية وضرورة زوالها أو تحللها لصالح الإستهلاك كقيمة مطلقة... ومن هذه المنطلقات الأولية تتحدد قيمة النص بموقعه من هذه التداخلات، إذ لاوجود لكتابة بريئة، باعتبارأن النص رؤية للكون والحياة من زاوية فنية:رؤية تحدد موقع وموقف الكاتب من المجتمع ومن الطبيعة ومن التاريخ بل حتى من الله بذاته وبصفاته...
وإن كانت الفرضية الأخيرة في صلة بالإبداع ككل، فإنها بالنص الروائي ألصق لما في الرواية من ممكنات الإستيعاب والإنفتاح على الفضاءات النفسية والإجتماعية والحضارية.
ومن هذا المنطلق نقارب رواية "النزيف" للناصر التومي باعتبارها تتنزل ضمن الواقعية الإجتماعية، وهي إضافة في هذا الإتجاه العريق في الرواية التونسية الذي تمتد جذوره إلى مطلع القرن العشرين وتحديدا مع رواية "الساحرة التونسية" للصادق الرزقي، إتجاهاتدعم بكتابات الدوعاجي، وتأصل في كتابات "خريف"، ثم تفرع مع نصوص كثيرة تجاوزت التسجيلية والمباشرة وأغنت الواقعية بتجارب فنية على قدر من الطرافة والثراء...
بناء الشخصية
تبدو عناية الكاتب منصبة على الشخصية في الرواية باعتبارها المقوم الأساس في بنائها، ولأن الشخصية تتحدد بانتمائها فقد جعلنا الكاتب في مواجهة خفية بين عالمين متناقضين إنطلاقا من أسرتين مختلفتين أصولا وطبقة، تميزت الأولى بوجاهة، ووسمت الثانية بوضاعة : وجاهة الأولى من النفوذ والسلطة، ووضاعة الثانية من الفقر والنزوح، فانطلقت الرواية من تعارض مشهدين لمنزلين على ربوتين، الأول منزل السلطان حسن الهلالي والثاني منزل خليفة القصير أحدهما "سلطان" المدينة والآخر منظف شوارعها...
ومن هذه العلامات الأولى تتسع الدوائر في صلة يالشخصيات، التي يمكن أن نقسمها إلى ثلاث فيئات : الأولى فاعلة ومتنفذة، والثانية فاعلة وخاضعة، والثالثة مهمشة. واستطاع الكاتب باقتدار أن يراوح بين هذه الفيئات التي اجتمعت في المكان وتقاطعت في المصير، بأن يجعل من فصول روايته ملحمة هادئة ترصد حركة الفيئات في حيز زمني معين، وتؤرخ لمدينة أراد لها أن تكون نموذجا يعكس واقع مجتمع بأكمله، ولأننا اعتبرنا الرواية رواية شخصية سنحاول تتبع هذا الفضاء الأول باعتباره المحدد لوجهات النظر الأساسية في النص.
وسنبدأ بفئة المهمشين لأنها الفئة التي حضيت أكثر بعناية الكاتب، ومنها ومن خلالهاتفرد النص واكتسب أهم خصوصياته في مستوى الفن أو في مستوى المضامين، لأن الفن والرواية على وجه الخصوص هما تاريخ من لا تاريخ لهم، لذلك رصد الكاتب حركة قاع المدينة ولم ينظر لها من عل فكانت وجوه المدينة الأولى تخلو من الوجاهة لكنها لاتخلو من الطرافة.
من حزام المدينة ومن عائلة القصّيرتخرج فطيمة إلى مصب الزبالة مع "البرباشة" ويخرج خليفة القرد إلىالشارع، وتتجه عزيزة إلى العمل في منزل السلطان حسن، فيما يتجه الأب إلى تنظيف الشوارع. ومن هذه الحركة السفلية يبدأ إيقاع الرواية ضمن شبكة العلاقات بين الفواعل، فمن فطيمة ينفتح النص على الزوايا الخلفية للمدينة، فيصور لنا الكاتب فئة البرباشة ونظام العمل في مصب الفواضل وتقاسم النفوذ بين أفراد الفئة ،ولم يغفل عن وصف زعيمها "رجل قصير القامة، على وجهه تشويهات مرض الجدري، بينما كان فاقدا لأغلب أسنانه،لذا كان لسانه هو الظاهر في كل تحركات شدقيه...ص14".
ومع خليفة المعتوه الذي لقبه الصبية بالقرد لدمامته، تنفتح الشوارع لتكون المدينة مسرحا يوميا مشاهده من مشاكسات المارة أو من معابثة الصبية لهذا المسخ الذي حمله الكاتب أبعادا تنعكس من خلالها عقلية الجماعة، فهو مسخرة الصبية، ومحل عطف وممازحة الكبار، ومحل تبرك عند النسوة، وهو الوحيد مصدر قلق السلطان لأنه تحرر بفعل الجنون وأصبح يقول ما يتكتم عنه الآخرون، ولا يتورع عن شتم سادة المدينة...
ومن كل ذلك أصبح معلما فيه تلتقي تناقضات المدينة، فيتعرى فجورها وتزول مساحيقها، ومن شخصية خليفة إلى شخصيات أخرى، بعضها في أدنى درجات التهميش بنفوس محطمة وأحلام بسيطة (كزهوة وعلي) وبعضها الآخر أضاءه الكاتب ليشارك في صنع إيقاع المدينة (كالشلك وخضراء) الأول بتدحرجه السريع من رياضي إلى باندي، ثم إلى زوج مأجور يستر استهتار أبناء السلطان بزواجه من عزيزة والثانية بأنوثتها الصارخة وجرأتها واستهتارها وتحديها لضوابط المدينة في سلوكها أو في تمردها على السلطان ونفوذه. واستطاع الكاتب رسم شخصية خضراء في معاشرتها لزوج كسيح، وفي مزاجية تعاملها مع الرجال وفي قيادتها للتمرد على نفوذ السلطان رسما يحيلها إلى أبعاد رمزية أعمق غير خافية الدلالة...
ولئن كانت الشخصات المهمشة ضحية قدر أو ضحية جملة من الظروف المتآزرة والبعيدة، فإن الشخصيات الأخرى هي سليلة إعاقة معلومة وهي نتاج لعهرالواقع، مثل شخصية عزيزة التي أضاءها الكاتب لتكون فاضحة لتناقضات المدينة وتداخل فيئاتها وتقاطع قيمها ومصالحها، فهي إبنة النازح "عم القصيّر"، وهي شقيقة معتوه القرية "خليفة القرد"، وهي حبيببة الشاذلي موظف البلدية، وهي من جانب آخر خادمة السلطان حسن وضحية إعتداء جنسي جماعي مستهتر من أبنائه جعلها تخضع لأرادته وتتزوج الشلك صعلوك القرية... وهيأها الكاتب لقدرها فأراد لها أن تجمع بين جمال القوام، وطبيعية الأنوثة، وظاهر الحياء، فكانت مفجرة الغرائز الآثمة عند أبناء مخدومها ومذكية العواطف الصادقة عند الشاذلي والزوجة المغتصبة عند الشلك، ثم محل تضامن صامت يلتقي فيه رفض فيئات كثيرة لانحرافات السلطان يتطور لاحقا إلى تمرد معلن تقوده خضراء...
ومن مصير عزيزة، ينحدر الشاذلي من شاب متزن وموظف محترم إلى سكير لحظة إصطدامه بصخرة الواقع، وعجزه عن الدفاع عن أحلامه البسيطة والمتمثلة في الإرتباط بعزيزة، ومن فيئتي المهمشين والمستلبين يصعد الكاتب سلم المدينة مع سلطانها الذي يمثل نموذجا للذين استولوا على البلاد وتحكموا في قدر العباد وكالة عن المستعمر بعد إدعاء طرده واكتساب مشروعية مظخمة عبر مصادرة شرف النضال، وتحرير البلاد، ويصور من خلاله سوء إستغلال السلطة من قبل فئة نهمة لكل شيء جمعت بين الجهل والأنانية وفرّخت في المدينة لتملأها شرورا وتناقضا...
وحتى نبتعد عن التعميم ومزالقه، لابد أن نشير لشخصيات أخرى جعلها الكاتب تحيط بالسلطان لكنها لم تتطبع بطباعه، ومنها شخصيات ناضلت معه لكنها لم تطلب أجرا وظلت على سماحتها ونبل شيمها، أضاءها الكاتب لتكون نقيضا لشخصية السلطان مثل صالح الورتاني وعم النوري والعزعوزي... وجعل بذلك دائرة الشرتستعر رغم ضيقها حول شخصية السلطان وأسرته القريبة التي تقتسم النفوذ في المدينة، كزوجته وأخته وصراعهما على المناصب المحلية أو الوطنية الأعلى ...
كان هذا الوصف ضروريا حتى يتسنى الإلمام بفضاء الشخصية الرحب في الرواية، ومن خلاله يتسنى الإلمام بتقاطع الوظائف بين الإختلاف والإئتلاف في مدينة تعج بالطبقات والفيئات أراد الكاتب أن يتمثلها جميعا رغم تفاوت مصائرها.
فضاءا الزمان والمكان
من الفضاءات الهامة في الرواية فضاء الزمان لأنه يرتبط بخيارين : الأول فني في صلة بالتوظيف الداخلي، والثاني مضموني في صلة بوجهات النظر. وقد أصاب الكاتب في زمن الحدث، إذ أراد له أن ينتهي في أواخر عشرية صخبت بأحداث وتفاعلات كان من أهمها أحداث جانفي 78 التي جعلها الكاتب نهاية النص واحتراق المدينة. وهذا الزمن هو الحامل الأساس للخيار الوظيفي، إذ كل ماتقدم يهيء له في دوائر زمنية أخرى تمتد في فضاءات يشي بها السياق في حياة الشخصيات أو في استرجاع ما فات منها، فتتسع هذه الدوائر وتضيق، لكن الذي يتأكد منها هو امتداد ما بعد الإستقلال والسبعينات على وجه الخصوص، كزمن تفاعل وما قبلها كزمن استرجاع أو تذكر، إضافة إلىامتدادات أخرى أكثر قدما في لاوعي الشخصيات أو في حكايات حيواتها ببطولاتها أو بخيباتها وانكساراتها…
وتبدو كل الأزمنة الداخلية منها أم الخارجية متآلفة في تعميق المنظور الذي اختاره الكاتب ومدعمة لوجهات النظر، وهي في مجملها تعرض من خلال الشخصيات وتفاعلها دون تحديد خارجي مباشر لأن النص لايسعفنا بتاريخ مرجعي لكن السياق الحدثي يحيل بوسائط شتى إلى المرحلة المذكورة...
ولا يمكن لفضاء المكان الزاخر إلا أن يكون مدينة يغيب منها الإسم وتحضر الصفات، لتكون جامعة لما يمكن أن يكون في كل مدينة في ظروف مشابهة إجتماعية وسياسية واقتصادية، ويبدو أن عناية الكاتب بالشخصية جعلته ينظر للمدينة كفضاء حركي بحيث تكون مسرحا مبهما للفعل، تكاد تفقد الخصائص المميزة، دون أن تستأثر بالوصف : فلا معالم للمكان فيها، ولاوجود لتفاعل عميق أو لوجدان يشدها بالشخصيات أو يشدّ الشخصيات إليها، فهي شوارع بلا أسماء، وهي مقاه غفل، وهي مداخن المصانع، وهي أكداس النفايات... ويحيلنا الكاتب في نهاية الرواية فقط إلى أسماء شوارع فيها تداخل بين الواقع والرمز، فتخرج من احتلاف أسمائها جماعات الثائرين من شارع الحرية وشارع قرطاج وشارع عقبة بن نافع...
فتختلف الشعارات باختلاف الشوارع واختلاف الفيئات لذلك يبدو فضاء المكان منقوصا في رواية إجتماعية واقعية ولربما تقصد الكاتب مسخ المكان حتى يؤكد منظورا نقديا لواقع مدن ما بعد الإستقلال التي غدت محشر فيئات متنافرة الظاهر والباطن، بعضها نزح إليها بذل الفقر، والآخر حل فيها بغطرسة السلطان فلم ينعكس في نفوسهم من المدينة غير الغايات التي وجهتهم إليها أو هو فشل التحديث من فيئات زراعية ذات جذورإقطاعية وفيئات تجارية ذات وعي قروي، مع غياب تصور سياسي واقتصادي ناضج لمجتمع ما بعد الإستقلال ويدعم هذا الإعتقاد ما ورد في نهاية الرواية من تعفن المدينة واحتراقها...
الراوي وأنماط الخطاب
إن وضع الراوي غالبا ما يحدد وضع الرواية في مواجهة القارىء، فهو عماد النص حيث هو خطاب فني فيه وبه يبدأ التحيّل الفني، من تساؤل الكاتب الباطني كيف سيخاطب القارىء، وأي قناع يرتدي في مواجهته، وأي نوع من الوسائط يتخذ ؟
وجاء اختيار كاتبنا معلوما لامجازفة فيه: إختيار تقليدي يكون فيه الراوي خفيا عليما، يحرك الكون الروائي من وراء ستار كثيف، فينساب السرد مع الغائب في كل النص، وتتهادى الرواية في تجاور نسقي وسياقي مألوف، وتقدم الشحصيات بطريقة متشابهة سردا أم حوارا في المجالس الخمرية أو في خلوات العشق، تتحرك في الخارج لكنها لا تتطور في الداخل، ومن هذا البناء ما يذكر بقصص ألف ليلة وليلة حيث استطاع الكاتب تغذية التجاور النسقي بقصص فرعية تنفتح الواحدة منها على الأخرى، فلبعض الشخصيات قصص تروى بألسنتها : مثل قصة خضراء وقصة عم النوري وقصة صالح الورتاني... ومن خلال هذه الروافد تتغير درجة الخطاب فيستعيد النص حيويته مع ضمير المتكلم وننسى إلى حين هيمنة الراوي.
ولئن بدت حرفية الكاتب في السرد وانسيابه شديدة الوضوح لاتفاقها مع الوضعية التقليدية للراوي فإن الحوار قد أخل بتلك الانسيابية، وتجلت فيه عيوب الراوي الذي هيمن على النص فأوهمنا بحرية الشخصيات ليسحبها في الحوار وليتكلم على لسانها بغير لسانها، فانتفت خصوصية التعدد وانساق الخطاب إلى آحادية في اللغة أطل من خلالها الوجه الخفي للكاتب الذي أزال قناعه أو لم يستطع الإحتجاب خلفه طويلا، أطل بلغة متعالية وببعض المواعظ ص79
وعناية الكاتب الشديدة بالسرد جعلت النص ينقاد مسرعا إلى نهايته في صلة بشخصياته الكثيرة، فتحقق التشويق وكاد ينتفي العمق، بمعنى الكشف عن أغوار الشخصيات من خلال الحوار الباطني أو إضاءة المكان من خلال الوصف الذي هو تبئير ووقف يكبحان سرعة السرد ويجددان تواتر النسقية فيه. وتميزت لغة الكاتب في كل ذلك بسلاسة وبقدرة خاصة على رسم أبعاد الشخصية بأهم مميزاتها، كالجمع بين ملامحها الخارجية ووضعها الإجتماعي والنفسي واختلاف تلك الملامح بحسب مزاج الشخصية ولحظتها النفسية كوصف خضراءص27.
وجهات النظر وملاحظات ختامية
كل عمل فني هو تناسق داخلي أساسه إتحاد العناصر وأئتلافها، وكل رواية تقنع بوحدتها فلا فضل لشكل على مضمون ولا لمضمون على شكل ولالتقليدعلى تجديد إلا بمدى انصهار الأجزاء داخل الكل الذي يؤول حتما لجامع وجهات النظر، ومنها منظور الكاتب الذي من خلاله تتدعم مشروعية النص الروائي فيما سعى إلى إثارته من قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية. ولئن تداخلت هذه القضايا لارتباطها سببيا فقد حاول الكاتب تأكيد البعد السياسي وإدانته من خلال المستوى الأخلاقي، واستطاع أن يحاصر المستويين في تلازم من خلال الفصول وشبكة العلاقات، فمن الإنحراف طغى الجنس كفاضح لتلك العلاقات، فلم تسلم من وزره حتى من اختلت مداركها كفطيمة التي كانت ضحية منظورها زعيم "البرباشة" ،ثم عزيزة وقصة اغتصابها، ثم خضراء وقصة جسدها وخصائص شخصيتها،ثم دليلة الممرضة محضية السلطان...
يضاف إلى ذلك حضور دائم للجنس في مجالس السلطان، لكن رغم كثافة هذا الحضور نآى الكاتب عن الإبتذال أو الإسقاط ووصل بين الجنس ووظيفته ليكون مندمجا في بناء وجهات النظر التقييمية والنقدية في الرواية رغم الإحساس الدائم بأن هذا الجانب قد تطور على حساب ممكنات نقدية أخرى كان يمكن أن تضيء مسألة الصراع في الرواية...
وبالنسبة لوجهات النظر من خلال الشخصية رغم حسن الإختيار بدت لنا الشخصيات باستثناء خضراء مسطحة، حدد الكاتب أبعادها وأخضعها لقدرها منذ البدء وجعلها تنساق لمصائرها المحتومة، مسلوبة الإرادة رغم خلجات الإحتجاج الباطني مما ولد إحساسا بعدم الإكتمال في مصائر الشخصيات لأن الكاتب يمسك بلجامها ويحدّ من جنوحها أو جموحها، كما لاخظنا بعض نقص في حضور فيئات أخرى جعلها الكاتب فاعلة في نهاية الرواية وكادت تغيب من مسرح الفعل وتهيئة الحدث العام ونعني بذلك العمال والمثقفين فرغم الحديث عن الإضراب والمصانع وعن تمرد علني لبعض المثقفين فإن هذه الفيئات أطلت كالأشباح دون أن يكون لها حضور مكثف في السياق العام للرواية، وقد يكون ذلك من مقاصد الكاتب النقدية عبر تغييب هذه الفيئات بأن جعلها تشارك في الحدث النهائي دون أن يمنحها شرف صنعه أو تدبيره...
وفي صلة كذلك بخيار الشخصية، وظف الكاتب الإنتماء والأسماء بما يحيل على رمزية ما في وجداننا وتاريخنا الشعبيي،ن ونعني بذلك قصة بني هلال وغزوهم للمدن وتخريبهم للعمران وصراعهم مع القبائل المحلية في تونس، فيبدأ التناقض من فيئتين دخيلتين وتحديدا من الأسماء في عائلتين : الأولى نزحت من السواحل لتغنم السلطان وهي أسرة المناضل القديم والفاسق الجديد حسن الهلالي وأخته الجازية وأبنائه مرعي ويونس ويحيى... والثّانية نزحت من الوسط لتكون ضحيّة الصّراع وهي أسرة عمْ القصيّر و أبنائه خليفة وفطيمة وعزيزة، وكان المدينة قد استحالت نهبا لقبائل غازية كما حصل للقيروان في نكبتها على أيدي بني هلال. وتمثّل الكاتب هذا الصراع ليؤكّد فشل مرحلة ما بعد الإستقلال في صنع مجتمع متوازن من خلال مدينة نموذج لالتقاء عبثيّ فيه صراع بين القدر والقدرة : صراع لاقدرة للشخصيّات على ردّه رغم أوزار معاناته واستطاع الكاتب أن يقنع بحياد ظاهر هو من إيجابيّات النصّ في المستوى الفنيّ رغم أنّ هذا الحياد قد يُحيل على بعض التسجيليّة في صلة بالواقع زمن كتابة النصّ.
وفي النّهاية يمكن أن نعتبر هذه الرّواية إضافة في مدوّنة الّرواية التونسيّة، وهي تطوير جادّ لتيّار واقعيّ إجتماعيّ سيكون له كبير الشّأن في رأب ما تصدّع من صلة بين الفنّ والواقع من خلال استعادة الوظيفة المغيّبة للنصّ الروائيّ، ونعني بها مقاربة الإنسان فنيّا في جملة مشاغله وتطلّعاته و أحلامه و صراعاته.
نشرت الدراسة بأحد أعداد الحياة الثقافية
¾رواية " النّزيف "
النّاصر التّومي
الأندلسية للنّشر









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية