رواية رأس الدّرب لرضوان الكوني
من التّجريب إلى التّأصيل
محمد الجابلي
إنّ الروائيّ كما يرى "باختين" هو منتج للمعرفة ومُحاور لثقافته ولعصره (1) ولذلك كانت الكتابة في كلّ العصور إنخراطا في الواقع وسعيا لتفسيره أوّلا، والطّموح إلى تغييره في مرتبة ثانية، وانطلاقا من هذا المبدإ نقارب النّصوص في صلة بمراجعها لأن الكتابة لا تنفصل عن أهدافها وكذلك تكون القراءة : وعيا بأزمة خلق النص وإحالة إلى جملة العوامل المنتجة والفاعلة في ولادته وتوجيهه وهي محاولة النفاذ إلى الدوافع المتشابكة والمعقدة التي أنجبت النص في لحظة تاريخية معينة فجعلته مختلفا عن كل نص آخر اختلافا بينا في خصوصية إبداعية تجعله مفارقا من حيث بناؤه أو من حيث القضايا التي يثيرها ومفارقا كذلك بخصائصه النفسية في صلته بمبدعه وبخصائصه الفنيّة، في صلته بذوق يسعى إلى التفرّد رغم تأثّره المحتوم بنصوص سابقة ينبثق منها ويتجاوزها جماليّا في الآن نفسه (2).
ومن هذا المنطلق يفرض النصّ حضوره بقدر التقائه بزمنه إذ أنّ الكتابة هي أزمة الذّات في صلتها بالواقع ويبدو أنّ رواية "رأس الدّرب" لـ"رضوان الكوني" تستجيب لشروط الأصالة الفنيّة لأنّها خرجت عن دائرة التجريب التّي سقطت فيها نصوص أخرى – تجريب فيه كثير من الضّياع والإدّعاء عبر الإنخراط في شكلنةٍ تجعل من الكتابة لعبة مترفة لاتُحيل إلاّ على عجز أصحابها وضبابيّة رؤاهم التّي يتوهّمون.
وعندما نظرت في هذه الرّواية ألفيتها نصّا متميّزا إعتمد فيه صاحبه تقنيات فنيّة متعدّدة هي قد تمثّل في مجملها نهاية تطوّر النصّ الروائيّ الحديث.
الفضاء الإنسانيّ في رأس الدّرب
إنّي أعتبر الرّواية فضاءات تتآلف عبر نظام مخصوص وأعتقد أنّ وجهة النّظر في (رأس الدّرب) تبدأ من الإنسان الذّي اختاره "رضوان الكوني" مجسّدا لروايته ثمّ لعبة الإيهام في النصّ وباعتبار أنّ كلّ ما في الرّواية هو اختيار حياديّة فيه ولا مصادفة، بل هو انتقاد عليم وهادف نواجه عبره (منظور الكاتب) وتحديدا مواقفه من خلال فعل الكتابة. كان البطل في (رأس الدّرب) مفصحا عن خيار ما، فهو عاديّ في إنتمائه لفئة شعبيّة من الجنوب التونسيّ بائس النّشأة، خصاصة الفقر وحرمان اليّتم...
"وفي الفصل كنت أشرد خارج المعهد... وأتملّى أجزاء بيتنا وهو يسّاقط جلاميد، جلاميد. صغيرا فارقتني أمّي يوما وارتحلت عنّا وهذا والدي اليوم يعلن بقطع أمواله عن الرّحيل... وكان لا بدّ
لنتائجي المدرسيّة أن تتقهقر بي حتّى توصلني يوما خارج باب المعهد... واستقرّ بالرّقبة خائبا " (ص 123).
وأضاف الكاتب ملمحا مميّزا لشخصيّة الرّواية : أن يحمّلها وزرا آخر سيكون له شأن في صنع الإمتداد النفسيّ والحيويّ للبطل. فهو مثقل بعبء ماضي والده الذّي كان يعمل شرطيّا زمن الإستعمار والذّي التصقت به تهمة الخيانة، رغم (ايجابيّة شخصيّته) فارتحل إلى الجزائر حيث قضى نحبه غريبا مُبعدا.
أعود فـأؤكد مسألة الاٍختيار الرّوائي الذّي يجعل الصّراع هادئا رتيبا، هدوء الحياة التّي نعيش، هو صراع من أجل موقع في مركبة الحياة حتّى وإن كان (من الدّرجة الثّالثة) : هو صراع الإنسان العادي ضدّ مواصفات ملتبسة يعيها جيّدا دون أن يسهم في صنعها : ملابسات يحمل وزرها لتصبح قضيّة كيان. يسعى أن يكون منطلقا من (قاع) الواقع الإجتماعيّ عبر محاولة وعي الذّات وصنع الكرامة عند فئات ترفض التّهميش وتعطي لنفسها أحقّية الحياة والحلم رغم إطار الإستلاب المتعدّد في أوجهه :
- الإجتماعي : (مقاومة البطل لرؤية الآخر).
- الطّبقي : (مقاومة الخصاصة والسّعي للعمل في المدينة).
- الجهوي : (تناقض البطل بين حبّه لقريته وثورته على استلابها وأهلها).
- السّياسي: (وعي البطل باختلال المواقع الجائر : مابعد الاستقلال وبتأثير ذلك في حياته الشخصيّة وفي أوجه الحياة العامّة).
ولعلّ تميّز "رأس الدّرب" ينطلق من هذا الإختبار الصّعب أن يكون البطل حاملا لهموم تُلامس الأرض في تواضعها وواقعيّتها وأن يستبصر ذاته والآخرين بمنظور إيجابيّ فيه الكثير من التّفاؤل وصدى الأحلام الصّغيرة : (العمل، الإستقرار، الكرامة) : "وقد مرّت سنوات وسنوات وأنا لم أفقد الأمل في تحقيق ما نحلم به .. وأنا والحمد للّه، حقّقت أعسر الأحلام فقد تزوّجتك يا "تبر" في يوم من الأيّام لست أدري كيف تمّ ذلك ولا كيف قطعت مراحل ذلك الحلم .." (ص 24).
ويتدعّم قصد الإختيار في أن يجعل الكاتب بطله،إطاره العادّي (الطّبقي/الإجتماعي) وأن تكون حياته موشومة منذ منشئه برفض الآخرين (في القرية) وبسعيهم إلى تهميشه وتحديد مجال تواصله الإجتماعي :
"عندما تزوّجتك يا تبر لم يثر زواجي أحد .. النّوري ولد الشّريف الطّويل توزّج من "تبر" بنت الهامل .. اتّفاق في الأصل وتوحّد في التوجّه وعاش من عرف قدره" (ص 25).
في "رأس الدّرب" تبتعد الأفكار عن التّجريد فتتبدّى ملتبسة بالشخصيّة، مندمجة في الطّبائع أو ردود الأفعال السلوكيّة التّي تتأصّل في بيئة جنوبيّة محافظة ذات عمق عقائدي يرسخ إيمان قويّ منذ الصّغر يُجابه من خلاله البطل عسر الواقع ويطرد الأوهام "وأرتحت إلى القرآن أتلوه .. وبدأت أذوق طعم الأمن والنّعيم وأشعر بالحماية " (ص 66).
ومن خلال هذا الإختيار القيَمي تتراكم أوجه النّقد انطلاقا من مواقف البطل التّي تواجه انحراف القرية لتقع في نقائص المدينة فيثُور تارة ويتردّد تارة أخرى ويخضع أحيانا على مضض استجابة للضّرورة .إلاّ أنّه في كلّ ذلك لا يتخلّى عن موقع قيمي ثابت يتجلّى من خلاله إدانة الذّات والإحساس بالنّدم :
"عندما أفقت ممّا كنت فيه خالطني شعور بالتقزّز لمشاركة إمرأة مسنّة سريرها .. والخجل من نفسي عندما لمحت صور أبنائي ووجه تبر" (ص 142). ولكن يبدو أن الكاتب ينتصر للواقع على القيم (بفعل الضّرورة) لأنّه وصل بين سعي بطله إلى المدينة وعلاقته الآثمة "بزليخة" وسيكون المال الذّي قدّمته له مدخلا يؤسّس صلة البطل بحلم المدينة والإستقرار فيها وكأن المدينة من حيث هي مدخل للحلم والمستقبل ستكون كذلك مدخلا لتسامح قيمي يفرضه الواقع إذ يحسم البطل تردّده بين الموقعين فيتمرّد على محوديّة القرية وجهله ويقبل على واقع المدينة رغم (عهره) !!
ومن خلال البطل يتّسع الفضاء الإنسانيّ في الرّواية فنرى الآخرين من خلال التّواصل الإجتماعي ،منظورا إليهم في وعي البطل ضمن صلة الإئتلاف والإختلاف،فتكون القرية حاضرة من خلال وعي البطل الممزّق بين انجذاب العاطفة ونور العقل وتكون شخصيّات القرية مكثّفة عبر الاسترجاع في الوعي من خلال السّرد أو من خلال الحوار والوصف اللّذين أحالانا إلى مشاهد شديدة الحيويّة، استطاع الكاتب من خلالها أن يستبطن نفسيّة القرويّ وأن يستكشف خيالاته وأحلامه وحتّى أوهامه في مجمل أبعادها الإيجابيّة أو السلبيّة مثل : (المأتم وحوارته)(ص 253 و273) (أو مشهد إجتماع أهل القرية لمراقبة ظهور "الجنّ") ص 227 ويمتدّ هذا الفضاء الإنسانيّ على قدر حركة وعي البطل لتكون المدينة مستحضرة كأمتداد جديد في المكان من خلال الذّاكرة : فضاء يكتشفه البطل ليجعل منه موطن أحلامه الممكنة ويحضر فيه الإنسان بوجه آخر
مرتسما في ذهن البطل فتكون شخصيّات المدينة مستحضرة بشيء من التآلف : (عمْ سليمان صاحب النّزل وجلساؤه وحواراتهم في الأدب والسّياسة و"زليخة" زوجته بما تحمله من رموز الصّراع بين الواقع والقيم في صلتها بالبطل).
فضاء الأفكار (ووجهات النّظر)
أعتقد أن لا شيء ينفلت من مجال الفكرة التّي تسعى إلى التشكّل عبر النّص الروائيّ . ولعلّ الهواجس الفنيّة هي تمظهرات مختلفة لتاريخ الأفكار الذّي يختزل شقاء المبدع في محاولة التحيّل على القارئ ومخاتلته ومراودته عن نفسه كي يتقبّل عالم الأفكار والمواقف بشكل مُموّه أُصطلح على تسميته (بنية فنيّة). ومن هذا الإقتناع ينتصر كبار الروائيّين للفكرة على أنّها الجوهر الذّي يحقق أصالة النّص كما يقول "دستوفسكي" متحدّثا عن إحدى رواياته "في الرّواية أشياء كثيرة كتبت على عجل ولم تكن موفّقة .. لكن هناك ما هو موفّق وصائب، أنا لا أقف إلى جانب الرّواية بل إلى جانب فكرتي" (4).
ويبدو أنّ الفكرة المركزيّة في رواية "رأس الدّرب" هي صراع الإنسان ضدّ حتميّة إجتماعيّة تتحدّد بملامح وضع خاصّ في زمن معيّن .
وهذه الفكرة النّواة تتمظهر من خلال تفرّعات مركزيّة أهمها :
- الوعي بالذّات في صلة بالآخر .
- نقد الموضوع الخارجي عبر فضحه وإدانته .
- إمتلاء الذّات كحركة إيجابيّة تتجاوز الآخر .
ويبدو أنّ فضاء الأفكار هو الذّي يحدّد وجهة النّظر في الرّواية لتصبح الفكرة في رواية "رأس الدّرب" معبّرة "عن الإنسان داخل الإنسان"(5) من خلال تمظهرات الوعي المختلفة : (أنماط سلوكيّة – ردود أفعال ومشاعر وأحاسيس – مواقف وأفكار) وتُوغل الرّواية في موقف الإنسان من ذاته الذّي يتلازم مع موقفه من محيطه في شروط إجتماعيّة وإقتصاديّة وسياسيّة معيّنة . والذّي يعني "رضوان الكوني" خاصّة ليس ما يكونه بطله بالنّسبة للبطل وما الذّي يكونه البطل بالنّسبة لنفسه لأنّ "النّوري" بطل الرّواية يعي ذاته تدرّجا في صلتها بواقع القرية ثمّ يكتشف بُعدا آخر من خلال صلته بالمدينة فتكون القرية وعيا بمأساويّة الحاضر وقتامة الماضي ، وتكون المدينة استشرافا لمستقبل ممكن سيؤطّر حركة البطل الحالمة التّي تنتهي بها الرّواية :
"علنا يا "تبر" سنستقبل صباحا جديدا تنتفي فيه أخبار الشّؤم وأحداث المصائب .. وعبر درب جديدة تنطلق من رأس الدّرب نفوز بالطّمأنينة التّي نبغي وبالعمل المثمر الذّي إليه نسعى" (ص 339).
ولأنّ الكاتب اختار لراوِيه الإندماج، تصبح الفكرة ملتبسة بذات الشخصيّة معبّرا عنها من داخلها لـ"خلاصة تشخيصية فنيّة مندمجة بذات البطل"(6) فيقدّمها الكاتب في شكل حيوي يندمج مع حركة البطل، ينطلق منها ليؤول إليها مجددّا وتكون الفكرة كاشفة عن نموّ وعي الشخصيّة في صلتها بالعالم الموضوعي المتحرّك لذلك يندمج الرّاوي مع البطل ويتعاطيان السّرد والحوار فتتداخل ضمائر الخطاب متردّدة بين البطل الذّي يرى فيروي عنه (مخاطبا) ،وبين البطل الذّي يرى ويشعر فيروي بضمير المتكلّم
"وشعرت أنت بطعم لذيذ للحياة .." ص 130- "قالت وهي تجلس قريبة منك والغرفة معتّمة "ص32 "واستعجلت شرب الشّاي وانهاء مجلسه توّا فقد شبّت أشياء أخرى بداخلي" - ص 133 - فيتردّد السّرد في تداخل بين الرّواي / البطل ليحلّ أحدهما في الآخر، وتتنوّع صياغات التّعبير تنوّعا طريفا يُضفي على السّرد حركيّة عبر اختلاف الضّمائر والإحالات ويبدو أنّ الكاتب في "رأس الدّرب" فضّل الأسلوب غير المباشر الحرّ الذّي يسمح بحريّة أكبر في نسج كلام الشخصيّة داخل كلام الرّاوي لتعبّر بلا وسائط عن مشاعرها وعواطفها وتأمّلاتها : "ترى ما الذّي قذف بك يا نوري في هذا المكان ما الذّي جعلك تعود إلى هنا لولا حبّ لهذه التّربة واشتياق لأبنائك وزوجتك والخالة " ص205 .
وهذا الاختيار الرّوائي يعتمد المهمّة التحليليّة لتكون ذات أهميّة قبل المهمة التقييميّة، ويسمح أكثر من غيره بتحليل الصّراع النفسيّ بين النّزعات والأهواء وبين القيم والرّغبات المتضاربة داخل شخصيّة البطل فيكثر التّداعي الذّي ينقل البطل من الحاضر في القرية إلى ذاكرة قريبة في المدينة، وتحضر صورة "زليخة" والعلاقة المحرّمة معها في تقابل مع الزّوجة الوفيّة "تبر" انطلاقا من رغبتها في سماع أخبار "تونس" ومحاولتها استطلاع الجديد في تلك المدينة الكبيرة ومعرفة نمط العيش فيها خاصّة فيما يتّصل منه بحياة زوجها هناك فيجيب الزّوج جوابا مقنعا ومختصرا في حين يعود السّرد إلى الذّاكرة عبر التّداعي الذّي قد يطول ليكون كشفا عن داخل الذّات في صلتها بالمدينة :
"قالت "تبر" تهمس كيف تونس ؟
"لم أجب ولم تعد هي إلى السّؤال كان يتملّكني كلّما خرجت من عند "زليخة" شعور غريب يختلط فيه التقزّز والنّدم والخجل..."ص 134
فلحظة الحاضر تكون معبرا للماضي الذّي يتداعى قريبا وبعيدا ضمن إحالات تغذّي سبل الكشف عن الشخصيّة وتسمح بتجديد مجال المواقف والإنفعالات إزاء الواقع الذّي يعيشه البطل .
ونواجه المنظور الرّوائيّ من خلال تعدّد المواقف وأهمّها ما اتّصل بوضع –مابعد الإستقلال– حيث تداخلت المواقع ليكون اللصّ مناضلا ويكون المناضل نسيا منسيّا : "ألم يكن مصباح الأعور وَاشِيًا خائنا بل لِصّا يسرق الحمير فإذا أفرج عنه من الحبس تسجّل إقامته في السّجن بسبب نشاط وطنيّ فيتحوّل اللصّ إلى مناضل والأعور إلى أنور..."ص266 كما طوّر الكاتب وعيًا نقديًّا من خلال بطله عبر تمرّده على وضع القرية ومحدوديّة أهلها خاصة فيما اتّصل بالخرافة والشّعوذة والخلط بين الدّين والأسطورة والواقع والوهم، وطوّر الكاتب موقفًا نقديًّا من البطولة الواهمة في بنية متخلّفة يتقلّص فيها صراع الواقع ليترك المجال للخيال والخرافة وهذا الموقف النقديّ يعتمل في مستويين
المستوى الأوّل في صلة بالإطار الموضوعي:أهل القرية وتهيؤهم للخوارق واستعدادهم للتّصديق وما يرافق ذلك من فراغ وجهل ومحدوديّة .
المستوى الثّاني : في صلة بذات البطل الذّي انتشى بوهم البطولة وكاد يصدّق نفسه بطلاً كما اعتقد الآخرون ، وكأن الكاتب أراد أن ينتقد بذلك علاقة البطولة الرمزيّة بالبيئة المتخلفة وبنفسيّة الفرد كذلك التّي تتظخّم متى وجدت الأطر المهيّئة لذلك :"لا يمكن أن يتّحدوا على خطإ،لابد أنّ ما قمت به شيء خارق يستحيل على غيري إتيانه ص235 وبما أنّ الرّواية نظام تتآلف أجزاؤه ، سترد الفكرة لصيقة بالشخصيّة والمشهد ومتبديّة من خلالهما في صلة بالمكان والزمان وأبعادهما ورموزهما .
فضاء الزمان والمكان
تقتضي ضرورة المنهج الفصل بين تآلفات بنية الرّواية لأنّ الحدث المركزيّ يتكشّف في صلة بالذّات وحركتها الداخليّة والخارجيّة الممتدّة ويكون الزّمان مجسّدا أو مستعادا في الذّاكرة فيكون حاملا للمعنى وموظّفا توظيفا رمزيّا إيحائيّا متعدّدا ومشحونا بدالات مختلفة تكشف عن الوعي بقدر ما تكون فاعلة في تشكيله.
وتحضر المدينة (مستعادة) في وعي البطل ضمن مستويات عديدة أهمّها الاستكشاف والخشية (عند حلول البطل في فضائها باحثا عن مورد رزق) وهذا المستوى يحمل بعض التّناقض بين قيم المدينة وقيم الأرياف الجنوبيّة ومن خلاله يكشف الكاتب عن وضع إقتصاديّ (إنمائيّ) مختلّ فرض الهجرة والنّزوح خاصة زمن السبعينات : "تونس مدينة كبيرة مقفلة الأبواب مضجرة ذات شوارع طويلة فسيحة وأبنية شامخة تطاول السماء .. ويصاب المرء عندما يدخل تونس لأوّل مرّة بدهشة وضيق ويبتدئ التّفكير في الرّحيل عنها ..." (ص 150).
وتبدو صورة المدينة ضبابيّة في وعي البطل، والكاتب يعي ذلك ويتقصّده تلاؤما مع اختياره خاصّة وأنّ المدينة ظلّت أملا أو ملجأ في ذات البطل دون أن تتحدّد معالمها بدقّة ووضوح فكانت موصوفة بشئ من السطحيّة ومن خلال عين ساذجة تنبهر بضخامتها دون الغوص في أعماقها فهي "لا تفتح أبوابها بسهولة إلاّ لمن اقتحم أسوارها وعرف زواياها وطاف في أرباضها القديمة من باب الجديد إلى الحفير وباب سويقة سرة المدينة وباب الأقواس والصبّاغين"(ص 15). وهي فوانيس معلّقة، وشرائط ، وعربات ملابس، وأكوام لعب، وسلات لوز وتمر..." (ص 151)
قلت إذا إنّ الكاتب جعل المدينة تتلاءم مع انبهار بطله وتمثل له (فضاء ضخما، متعدّدا متنوّعا) على خلاف موطنه الذّي تقلّص ليصبح محدودًا وتصبح المدينة متلازمة مع حرة ايجابيّة تجسّد إرادة البطل في نحت كيان متحرّر من عوائق الماضي ومحدوديّة آفاق (القرية) فينمو الوعي الإيجابيّ بالذّات بقدر اتساع مجال المكان وتتحوّل المحدوديّة إلى شيء من الإطلاق ويتردّد البطل مع المكان بين كوابيس الماضي وتوتّر الحاضر وابتسامة المستقبل .
وأبدع الكاتب في تصوير (خشية البطل) من الضّياع في متاهات المدينة وأبدع بوجه خاصّ في تصوير الحيرة إزاء الآخر (المدنيّ) والتحفّظ الذّي التزمه البطل في صلته بأهل المدينة فيما اتّصل بلهجته وهيئته في بداية معايشته لوضع جديد :
"لم أستطع الثّرثرة والدّخول في أحاديث طويلة لعدم تمكّني من لهجة العاصمة ، وخوفا من أن أكون باعثا على الضّحك والسّخرية عند سماعهم لي وأنا أتكلم اللّهجة التّي حفظت بالجنوب" (ص 136).
وإن كانت المدينة تحمل ملامح مستقبل ما فيه كثير من امتداد الحلم فإنّ القرية (حاضرة بوزر ماضيها) الذّي سعى البطل إلى التنصّل منه لذلك ستحتلّ القرية حيّزا كبيرا في الوعي والواقع الروائييّن فهي طفولة بائسة وهي ضباب ساذج وهي ماض مدّمر الكيان لذلك فهي حاضرة أبدًا مشحونة بالعواطف السّالبة وأحيانا الموجبة وموصوفة وصفًا فيه قدر كبير من البراعة واستكشاف الدّواخل من خلال الأحداث والشخصيّات والعلاقات الإجتماعية ودلالاتها النفسيّة. ومن خلال القرية صوّر الكاتب عمق نفسيّة (ريف الجنوب) خاصّة والرّيف التونسيّ بوجه عام : خمول في الواقع يولد قليلا من الأحلام وكثيرًا من الخرافات والأوهام وكلّ ذلك يعتمل في مساحة صغيرة وفي نفوس فيها من البراءة بقدر ما فيها من السّذاجة وضيق الأفق ممّا جعل البطل يتضخّم في حدود القرية وتنسب له بطولة هي من صنع الخيال والخوف والخرافة التّي تتغذّى على فراغ إنسان القرية وتعطّشه للخوارق وميله لتصديق العجيب وكأنّه بذلك يطمح (في لا وعيه) لكسر حدود الرّتابة اليوميّة وقطع وتيرة المألوف حتّى بالوهم الذّي يخرج عن حدود المنطق فتحوّل (النّوري ولد الشّريف الطويل) فجأة من موقع الازدراء إلى موقع البطولة لأنه خلّص القوم من (جنّ مزعوم) :
"ها أني أظهر اللّيلة بمظهر البطل الخرافيّ الذّي لا يُقهر ! اللّيلة نصبّوني بطلاً أسطوريًّا قاهرًا للجنّ" (ص 250).
وهذه البطولة بقدر ما تفضح واقع القرية بقدر ما تغذّي ذات البطل الذّي يستعيد الثّقة في نفسه ويطوّر موقفا نقديّا إيجابيًّا يتجاوز الوعي القرويّ ويتمرّد على حدوده : (ماديّا ونفسيّا) :
"أين الرّاحة في غرفة ضيّقة كهذه تصليها الشّمس وتلفحها السّموم .. أين الهناء في بلد مُلقى بين كثبان الرّمل تزحف فوقها الأفاعي".
"أين اليقين مع قوم يلهثون وراء آمال كاذبة يصنعها مصباح الأنوار..." (ص 333).
وتبدو مراوحة الحضور تداولاً بين القرية/المدينة اختزالاً للحظات تأزّم وانفراج في النّسق الروائيّ يعكس حركة داخليّة في ذات البطل بين الانغلاق والانفتاح وبين المحدوديّة والتّجاوز أو بين الحركيّة والسّكون... ويتضامن الزّمان كذلك مع المكان في صنع الفضاء الروائيّ في "رأس الدّرب" ويبدو الاختيار الزمنيّ مميّزا للرّواية باعتبار التّقاطع الكبير بين زمن الحدث الذّي لا يتعدّى أيـّاما معدودات (عودة البطل من العاصمة إلى القرية) وزمن الوعي والتّذكير الذّي يطول ويحصل من خلاله التّراكم والتّتابع والتّشويق عبر اعتماد منطق السّببيّة الذّي يجعل الحدث في الواقع يستدعي إشارات بعيدة في الذّاكرة والوعي.
ولأنّ الزّمن هو هيكل الرّواية فقد كان في (رأس الدّرب) مدروسا بعناية فائقة "لأنّ ترتيب سرد الأحداث وأولويّة ذكرها هو جزء أساسيّ من تشكيل الرّواية تشكيلاً فنيًّا وهي تعتمد أساسًا على مهارة الكاتب وارتقائه بحرفته" (7).
ولعلّ هذا الإتقان الزّمني هو الذّي جعلني أتردّد في تصنيف رواية "رأس الدّرب" وأكاد ألحقها برواية تيّار الوعي من جهة الزّمن ومن جهة تكثيف وعي البطل لأنّ أصحاب هذا الإتّجاه الروائيّ يحاولون عرض حياة برمّتها من خلال اللّحظة الحاضرة والواحدة(8).ولأنّ تقلّص الامتدادالرّوائي(مابين البداية والنّهاية) مختلف عن امتداد (الوعي) الذّي يكاد يختزل حياة البطل بكاملها
"حدث ذلك بعد مرور سنة على استقلال بلادنا وكنت يومها لم أبلغ الثّالثة عشرة" (ص 103).
وهي تبدو مختلفة كذلك عن تيّار الوعي باعتماد تقنية الملائمة بين الحاضر والماضي وبين ما يجدّ في الواقع وما ينعكس في الوعي حصيلة ذلك التّشاحن الجدليّ بين الذّات والموضوع فيبدو الوعي بالذّات وعيا بالحاضر ونقدًا للماضي وتأسيسًا للمستقبل ولذلك لائم الكاتب بين الوصف في علاقة بالأشياء والواقع في الحاضر الروائيّ فيتباطأ نسق الحدث وبين السّرد الذّي يراكم الكشف عن الشخصيّة عبر ذلك الحضور المتداول بين الماضي والحاضر الذّي يحرّك بدوره نسق الفضاء الروائيّ بأكمله . ولكنّ هذا الإمتداد فيه تحديد لأنّ الكاتب أراد أن تكون الأحداث في منتصف السّبعينات (أنظر ص 288).
وهذا الاختيار يتزامن مع بداية تقييم (وضع مابعد الاستعمار) وما فيه من إعادة تشكيل للمجتمع التونسيّ على المستويين الإقتصاديّ/الجغرافيّ ، وما جدّ في البلاد العربيّة من أحداث هامّة أهمّها حرب أكتوبر 73 وأسطورتي العبور وحظر النّفط ..
"وتهشّم السّلاح الذّي قيل عنه في الأوّل سيساهم مساهمة فعّالة في شلّ حركة الدّول المصنّعة... وبقية أرض بني قحطان تسلب يوما بعد يوم فتكبر رقع الأرض المغصوبة وتصغر جغرافيّتها كلّ يوم" (ص53)
ويراوح الكاتب في اعتماد الزّمن بين أحداث الحاضر وأصداء الماضي القريب ويلائم ملاءمة جيّدة بين الأحداث الدّاخلية في (البلاد) والأحداث الأكبر في الوطن العربيّ فتكون الرّواية محمّلة بعبء مرحلة تاريخيّة هامّة فيها قليل من الأحلام وكثير من الإحباطات والأوهام فأجاد الكاتب تصوير انعكاس الأحداث من خلال شخصيّات الرّواية مثل شخصيّة "مسعود التّي تتموقع انطلاقا من القرية الضيّقة وتتأثّر بالأحداث تأثّرا مباشرا :
"لقد احتفل يوم اختراق جدار برلين ووزّع المشروبات وواصل السّمر حتّى وقت السّحور... لكنّه بعد أيّام تجهّم وجهه واحتدّ مزاجه..." (ص 197).
ومن خلال هذا الإمتداد الزمنيّ استعاد الكاتب جانبًا هامّا من تاريخ تونس الحديث خاصّة ما اتّصل منه بحركة التّحرير فأثار أسئلة حول بعض وقائعها ومصداقيّة زعاماتها مثل معركة النّاظور :
"مات من رجالنا في تلك الزّحفة خلق كثير ثم كان الصّمت... ولا أدري واللّه إلى الآن ممّن افتككنا ذلك النّاظور ولا من افتكّه منّا ثانية " (ص 160).
الفضاء التّعبيريّ
تتجاوز اللّغة في رواية "رأس الدّرب" مهمّتها الإبلاغيّة لتكون حاملة لأبعاد إيحائيّة مكثّفة من حيث الدّلالة ولأبعاد شعريّة شفّافة من حيث الصّياغات والوصف وفيها قدرة على السّخرية الموغلة في بيئة الجنوب عبر استقصاء نفسيّة القرويّ المولعة بالحديث والحكى والتندّر وهنا يبدو تمرّس "رضوان الكوني" بالكتابة في تطويع لغته على قدر البيئات الموصوفة فتكون سجلاّت القول متلائمة مع وقائع القرية وتكون المراوحة بين السّرد والحوار على قدر مقتضيات حركة الرّواية التّي تألفت من تسعة عشر فصلا كانت في أغلبها تصويرا لذات البطل بحاضرها وذكرياته في القرية . ولا يرد وصف المدينة إلاّ في فصول قليلة (الفصل 10، الفصل 11، الفصل 17) وغالبا ما تفتتح الفصول بمداخل وصفيّة تدعم الإطار الحاضن لحركة الرّواية وتفصح عن نفسيّة البطل في علاقته بذلك الإطار (مكانا أو زمانا).
فيهيّؤنا الكاتب لذك بحركتين متضامنتين الأولى في الموضوع الخارجيّ والثّانية في ذات البطل فتتحقّق وحدة لا انفصال فيها بين نفسيّة البطل والزّمان والمكان فترى الأشياء بعين البطل ثمّ ترى البطل من خلالها كذلك : "رعت الشّمس اللاّهبة تغور ظلالا في عمق الأرض وتغوص خلف الرّمال المتماوجة المتكوّنة في بطونها أشلاء ظلال بحجم الأكفّ ملتوية ، منحرفة ، مدرجة ، ركب بعضها ببعض، بينما ظلّت طهروها للشّمس تخف عنها شيئا ، فشيئا وهي تسقط في الجهة الأخرى" (ص 7).
وتبدو براعة الوصف في تثبيت فنّي دقيق للحظات كونيّة متحركة ترتسم كلوحة مكتملة الإيحاء تعبر من خلالها للحظة نفسيّة خاصّة في ذات البطل :
"سواد اللّيل يلفّ المكان والصّمت سيّد ، وأنفاس الهواء ثقيلة لا تكاد تحيا والطّريق خالية إلاّ من بعض الشّاحنات .. يملأ هدير محرّكاتها المكان ويزعج الأذن ويجرح المخّ .. وأنت وحدك تسير على زفت الطّريق" (ص 22).
كما يعمد الكاتب لتوظيف الوصف توظيفًا مزدوجا فهو ايحائيّ في صلة بالذّات وحركتها وهو كذلك (في صلة بالقارئ) تشويق يُثير الكاتب من خلاله استفهامًا يدعّم صلة تناغم أجزاء الرّواية ببعضها البعض ويفرض حالة الترقّب ووضع الانتظار من خلال (إحلال اللاّمتتظر محلّ المُنتظر) على حدّ قول (بارط) هي ذي "الرّقبة" يلفّها الظّلام ويغلّفها السّكون لا نور ينبعث من الدّور ولا حركة بالمكان... ومن الغريب أن تكون"الرّقبة"في مثل هذا الفصل بمثل هذا الهدوء الموات ؟ (ص 68). ومن خلال الوصف تطالعنا المشاهد مكتملة ، حيّة ، طريفة فينقلنا الكاتب بمهارة فائقة إلى أجواء القرية (بحوانيتها) و(مآتمها)و(عاداتها)الإيجابيّةوالسلبيّة فيفوق الوصف التّصوير لينقل الوقائع نقلاً مند مجًا تحضر فيه سخرية ثقافة عمادها خيال الكاتب وصدق معايشته للبيئة التّي يجعلها مادّة روايته (أنظر ص 240 وما تلاها).
وتبدو وحدة الأشكال الفنيّة متناغمة في الرّواية من خلال الملاءمة بين الوصف بوظائفه المتعدّدة والحوار بأشكاله المتنوّعة "لأنّ أسلوب الكاتب الفنّي هو تعبير عن فهمه العامّ المتجسّد في الصّور الأدبيّة بالوسائل اللّغوية لذلك لا يمكن دراسة أسلوب الكاتب الفنّي وهدفه الوظيفيّ بمعزل عن المضمون الفكري المجازيّ للعمل الأدبي" (9) ويكون الحوار خادمًا لهذا التصوّر خاصّة وأنّ الكاتب اختار الأسلوب غير المباشر والحرّ الذّي يسمح بتقريب العبارة للشخصيّة والتحامها معها بدون وسائط كما يسمح عبر تعدّد الضّمائرباختفاء الرّاوي وتطوير المنظور النفسيّ (10).
وتبدو لغة الحوار مدعّمة لتصّور الكاتب النّقديّ من جهة المعنى فيحمّلها عديد الدّلالات ووجهات النّظر، كما تبدو مدعّمة لواقعيّة الحدث الرّوائيّ من خلال حرارتها وصدق استبطانها للشخصيّة سواء عبر الحوار الباطنيّ الذّي يدعّم المهمّة التحليليّة أو من خلال الحوار الخارجيّ الذّي يرسم إمتداد البطل إجتماعيا ونفسيّا في صلة بالآخرين كما وظّف الكاتب إجتماعيًّا ونفسيًّا البيئة الجنوبيّة من خلال "اللّهجة" التّي كانت لصيقة الواقع في (مفرداتها وتراكيبها وإيحاءاتها) مثلما ورد في (خصام مسعود مع زوجته).
"نسيت خيالك يا شينة اللّون ، عاجبك زينك ،ولا تحسابي روحك الزّازية المتبّلة في شعورها ، انتي مك محروقة كيف الصنّورة .. ولا زين في الغرّة ولا شحم في السرّة .."(ص 185).
ورغم طرافة الحوار وحرارته يلاحظ القارئ تردّدا بين (العاميّة والفصحى) لا نجد ما يبرّره ممّا جعلني أعتقد عند قراءتي الأولى أنّ ذلك الانتقال مقصود لأسباب مبرّرة في تقنيّة انتقال الحدث الروائي فيكون الحوار المستعاد في المدينة والحوار الدّاخلي بلغة فصيحة في حين يتمّ الانتقال عند حضور القرية وأهلها إلى لجهة عاميّة تدعّم حرارة المشهد أو الموقف أو التّصور، لكن عند عودتي للرّواية في قراءات أخرى لم أجد ما يبرّر هذا الانتقال إذ كان الحوار فصيحا إلى بداية الفصل الثّامن ثمّ أصبح عاميّا ثمّ تردّد في الفصلين التّاسع والعاشر بين المستويين...
وأعتقد أنّ الكاتب تردّد بدوره بين مستويين في علاقته بالنّصّ :بين أدبيّ أراده بحكم تمرّسه في الكتابة ومتانة تكوينه وبين واقعيّ تفرضه أجواء الرّواية بفضائها الخاصّ، ولاحظت أنّ هذا الترددّ لم يفسد نسق الرّواية ومتانة بنائها الفنّي وتضامن أجزائها. فيسترسل القارئ استرسالاً تمهّده طرافة المشهد وأناقة الصّياغة .
كما نلاحظ أحيانًا ارتقاء نسق المواقف وتجاوزها لشخصيّة البطل وحدود وعيها ممّا يجعلنا نواجه عمق آراء الكاتب في صياغات أدبيّة منتقاة إذ أنّ فكرة المؤّلف كما يرى باختين "يمكن أن تكتسب تعبيرًا مباشرًا داخل الموقف الإيديولوجي للبطل الرئيسيّ" (11) .
فتبدو تعبيرات البطل متجاوزة ، منفلتة من أسر حدود الشخصيّة المرسومة وتتّخذ أبعادًا إيحائيّة فيهاتجاوز للمنطوق ليكون الموقف من القرية يحيل إلى الموقف من الوطن بأكمله (خاصّة في المراوحة بين الوطن بإحالته المعلومة والوطن القرية الجنوبية)
فتكون الآراء موحية بشموليّة نقديّة أرادها الكاتب رمزًا لمواقفه وتكون المواقف من القرية وأهلها منسحبة على مجتمع بأكمله اختلطت فيه القيم وتداخلت في المواقع بفعل الجهل والإنتهازيّة والفراغ فأصبح الوهم واقعًا والواقع وهمًا .
"ما بال هذا البلد الكادح أهله نهارًا ، الرّاقص بنوه ليلا كم هو غامض هذا الوطن الذّي تكاثر فيه أصحاب الحكمة ومالكو مفتاح الشّفاء .. ما أعجب أن يُصبح عسيرًا في بلد واحد التّمييز بين السّليم والسّقيم. الرّائد والمريد، التّابع والمتبوع، الرّاقص والمرقص" (ص 169).
وأعتقد أنّ الكاتب يطوّر مواقفه الإيديولوجيّة النقديّة في فترة السّبعينات وبكشف خلط المواقع سياسيًّا واستغلال مفاهيم الوطنيّة كما ينقد تنامي الأساطير والخلط بين الدّين والخرافة خاصّة وأنّ تلك الفترة شهدت انحسار الوعي القوميّ بفصل النّكسات وبداية استغلال الدّين في حرب المواقع بين الطّبقات والفئات الاجتماعيّة، فتكون البطولة همّة، فضحًا للواقع الواهم وكشفا لهشاشة : " أنظر كيف يخلق الأبطال في الوطن يأتون صدفة ويمكثون عنوة " (ص 251).
ملاحظات ختاميّة
بدت لي رواية "رأس الدّرب" متميّزة بانسجام خاصّ بين أشكالها ومضامينها ممّا جعلها تمثّل وحدة متماسكة انبنت من حيث المضمون على ثنائيّات أهمّها الرّيف/المدينة، الواقع/القيم، الذّات/الموضوع، وانعكست من خلالها فترة هامّة من تاريخنا الحديث ونرى أنّ اعتماد الكاتب المداخل الإجتماعيّة النفسيّة لم يحجب المنظور التّقييمي ذا البعد الإيديولوجي الذّي تبدّى من خلال المواقف الصّريحة والمتضمّنة تلك التّي بدت في رصانة وهدوء يقتربان من التحفّظ أو المحافظة أحيانا... كما نلاحظ أنّ الكاتب (وفاء لاختياره الرّوائيّ) رسم صورة شديدة القتامة (رغم عمقها وجمالها) للبيئة الريفيّة فكانت الشخصيّات في معظمها سلبيّة شديدة المحدودية (باستثناء شخصيّة "مسعود")وكانت المشاهد الموظّفة في الحدث الرّوائي (رغم طرافتها) مدعّمة لذلك الإختيار .
وإن كنّا اطّلعنا على(بيئةريفيّة)شديدة الحيويّة(رغم استلابها) فإنّنا نسائل الكاتب عن رؤاه للمدينة المتغيّرة وعن فضاءاتها الإنسانيّة خاصّة وأنّه أبقى روايته مفتوحة تشرّع نوافذها على أحلام المدينة وتفرض سؤالاً مشروعًا عن إمكانيّة تحقّق تلك الأحلام ؟
نؤكّد في الختام أهميّة هذه الرّواية التي تؤصّل لكتابة تجمع بين عمق تمثّل الواقع وفنيّة البناء والصّياغة باعتماد لغة واصفة شديدة الإيحاء والشعريّة وكذلك باستلهامها لقضايا هامّة تتّصل بمرحلة انتقاليّة في تاريخنا الحديث .
نشرت الدراسة بمجلة الحياة الثقافية
إحالات
§ رأس الدّرب رضوان الكوني :
مؤسّسة سعيدان ط1– 1994.
1- الخطاب الرّوائيّ ص 22 (م. باختين).
2- نظام الرّواية الذهنيّة ص 9 (محمد الجابلّي).
3- انظر تيار الوعي في الرّواية الحديثة ص 22 (محمود غنايم).
4- شعريّة دستويفسكي ص 142 (م. باختين).
5- أنظر المرجع السّابق ص 118.
6- أنظر المرجع السّابق ص 112.
7- بناء الرّواية الذهنيّة ص 29 (سيزا أحمد قاسم).
8- انظر تيار الوعي ص 24 (محمود غنايم).
9- ذات الكاتب الإبداعيّة ص 131 (خرابتشينكو).
10-نظر بناء الرّواية ص 16 (سيزا أحمد قاسم).
11-الخطاب الروائيّ ص 117 (م. باختين).









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية