رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

الأبنية الهشة لمحمد الهادي بن صالح

 

الأبنية الهشة لمحمد الهادي بن صالح

 

مجتمع مدان بهامشه وهامش مدان في ذاته

محمد الجابلي

أركيولوجيا الهامش

 

محمد الهادي بن صالح من الكتاب القلائل الذين عرفتهم بنصوصهم قبل أن أتعرف إليهم بذواتهم، قرأت له في أواخر السبعينيات إصداره الأول "في بيت العنكبوت" وتتبعت معظم كتاباته اللاحقة، أقول معظم لأنه كاتب غزير الإنتاج تواصلت جهوده الإبداعية فيما يتجاوز أربع عشرة رواية وأنتج تراكما جديرا بالدرس والتمحيص، تراكما فيه بعض التفرد وبوجه خاص من جهة العناية بالمهمش أو بالهامش ذلك الذي يجعل من الكتابة حفرا في الزوايا الخفية للمجتمع المتحرك ورصدا لإيقاعات غير منظورة لأنها تبدأ من شريحة  قاع الحياة الإجتماعية ثم تتلبس بلبوس المال والجاه لتصبح فاعلة في أعلى الهرم الإجتماعي، وهذه في إعتقادنا من خصائص كتابات محمد الهادي بن صالح فهو يختلف عن كتاب آخرين قاربوا المهمش وجعلوه منطلقا إبداعيا، فكتابات محمد شكري مثلا تحتضن الهامش والمهمشين والرؤية فيها تكاد تنغلق في متعة معايشة وتصوير العوالم المختلفة لبعض الشرائح الإجتماعية لكن الأمر يختلف مع كاتبنا فهو لاينطلق من الهامش إلا ليدينه في أبعاده وليدين من خلاله مجتمعا إختلت فيه القيم والمرجعيات إختلالا بات معه التسلق ممكنا من الأسفل إلى الأعلى، تسلق حثيث تعاوده الشخصيات الروائية في سرعة مبهرة وكلما تهيأ الإرتفاع المغري إلا وتهيأت معه الهوة السحيقة لأثر السقوط الذي يضمره الكاتب منذ البداية لشخصياته المسكينة بلا شفقة أو ترحم...

 

الشخصية وفضاؤها المتوحد

 في الأبنية الهشة شخصيات قليلة هي بين الوحدة والتعدد: وحدة الإنتماء إلى أصول معلومة "الدوار المهمش" في أحد الأرياف القريبة من العاصمة، وتعدد من حيث الحركة السريعة المقدرة لتلك الشخصيات في رحلتها المحفوفة بالمصادفة والقدر من ناحية وتوجه أراده الكاتب مصيرا محتوما تنتهي به تلك الحركة بما يحيل على الإختيار الصائب في دلالة العنوان لأن البناء الهش يتجسد في الذات كمكون أول ثم في المحيط المختل الحاضن لتلك ا لحركة المختلة والمشرع لها في الآن نفسه.

ومن اختيار الشخصية يرسم الكاتب الخيار الأول لمنظوره الروائي في مستويي الفن والحياة: فالعوني بطل الرواية إنتقل من مراعي الريف إلى سجون المدينة وترك قاصرا تحمل جنينا في أحشائها، و- نسيمة القاصر- بدورها وضعت لقيطها وفرت من القرية إلى العاصمة لتمتهن العهر، شخصيتان أساسيتان دخلا المدينة من أبواب العهر فيها ثم توحدا وفي زحفهما يرتسم ملمح جديد، بل ملحمة جديدة من ملاحم المدينة الحديثة، ملحمة الصراع والحركة، ملحمة الصعود اليسير والسقوط الأيسر...

والشخصيتان وضعهما الكاتب في إطارهما الأسري من جهة المنشإ فكان حضور شخصيات وظيفية أخرى مدعما لذلك الخيار مثل التشاحن المستمر حضورا أو تذكرا بين والدتي الشخصيتين الأساسيتين بما يدعم الأصول الأولى التي حرص الكاتب على توضيحها من خلال سلوكيات ومشاهد تؤكد بؤس المنشإ بقدر ما فيها من طرافة وهزل...

وانصبت عناية الكاتب على تصوير شخصية العوني من خلال منظورين أساسيين فيهما مفارقة، فهو ريفي بما في ذلك من بساطة تصل حد السذاجة من جهة أولى ثم ومن جهة ثانية تجسدت فيه كل الشرور ومظاهر الإنحراف " يكسر الآنية بعد إفراغها من طعام صدقة... يكمش نهد حسناء تعترضه..." ص 109وفي أحواله المتأخرة يكون صاحب أعمال ومشاريع  شديدة النجاح،وكذا الحال مع اللقيط الذي يسميه الكبول والذي جلب من القرية منكسرا يحمل ذل عدم الإعتراف ليكون في نهاية المسار صاحب جاه وثراء.

وتتحول نسيمة من العهر واحترافه إلى العمل في بيوت الأثرياء -بعد زواجها من العوني- ومنهما إلى المساعدة في التجارة والأعمال ثم ربة قصر ...

شخصية أخرى حرص الكاتب على إضاءتها ومن خلالها أضاء الفضاء الإجتماعي الجديد في أطراف العاصمة،فضاء النازحين الجدد قبل تمكنهم ،شخصية العمدة بحاضره المخادع والمتمكن وبماضيه السليب والوضيع،إذ من خلاله رسم الكاتب أبعادا مختلفة  لظواهر إجتماعية وسياسية واقتصادية...(أنظر ص59).

وكأن الأدوار تتكرر في سبل مسطورة مع اختلاف في التزامن بين الشخصيات، وكأن الأحياء القصديرية محطة عبور لشخصيات مهمشة تحاصر المدينة،وهي أي الشخصيات ،فقيرة بائسة في منطلقها ثم غانمة مظفرة فاتحة في مآلها، إلى حد يمكن معه أن تصبح من ذوي النفوذ في المدينة المشرعة على احتمالات عدة .
 

المفارقة في فضاءي الزمان والمكان

رغم قرب محمد الهادي بن صالح من الواقعية، وجدنا في كتابته تجاهلا لبعض علاماتها من ذلك عدم العناية بالمكان كفضاء مجسد للحركة وكحاضن رمزي للشخصية في مختلف مظاهرها الواقعية أو النفسية السلوكية، فالمكان غائم بمعنى أنه غير موصوف باستثناء الملامح العامة للحي أو للكوخ في أطراف المدينة، والملامح العامة للدوار في الأرياف القريبة، والجدران العالية للسجن المدني والشوارع الكبيرة بمحلاتها وأضوائها في المدينة ...ومن خلال ملامح البطل يضاء المكان وكأننا نراه بعينيه، مكانا متغيرا حسب لحظته النفسية أو الوجدانية، مكانا مسرحا مبهما غفلا لنزوعات عديدة من أهمها عدم التصالح والخديعة والغربة والتنافر..."وقف حائرا في فضاء قفر،كان الحد الفاصل بين حي الشياطين ونهاية شارع كبير استفحل في أحشاء المدينة بعماراته وتجارته المزدهرة...ص35"

وكذا الشأن بالنسبة للزمان فزمن الحدث ممتد من خلال إشارات مرجعية قليلة تبدأ من مراهقة الشخصيتين في الدوار المنفي إلى وفاتهما بعد حياة صراع  ممتد في المدينة، أما الزمن التاريخي الذي يقاربه الكاتب فيعسر أن نظفر بيقين فيه، فمن خلال أسعار السلع وبخاصة سلع البناء يمكن أن تكون البداية في السبعينيات ومن خلال حديث متأخر عن إعادة هيكلة المؤسسات يمكن أن يصل الحدث إلى العشرية الأخيرة...

وفي المقابل أحسن الكاتب توظيف الزمن الداخلي في صلة بالشخصية فكانت المراوحة الموفقة بين حركتين متكاملتين، حركة خارجية في واقع الشخصيات وحركة داخلية أساسها التذكر والإسترجاع، مشاهد عديدة تنقلنا من المدينة إلى الدوار أو من الشوارع المضاءة إلى أقبية السجن ومن كل ذلك إلى شخصية البطل بمختلف أبعادها ...(انظر ص97).

 

فضاء التعبير ووجهات النظر

نعني بفضاء التعبير جملة العناصر الفاعلة في صياغة العمل الفني وتبدأ من وضعية الراوي الذي من خلاله -خيارا وموقعا- تتحدد زوايا النظر لمجمل الفضاءات الروائية وقد اختار الكاتب الراوي التقليدي العليم والمحايد أو الذي يوهم بالحياد فينساب السرد سلسا بضمير الغائب في كامل النص وقد يطل الراوي أو يتخلى عن قناعه بين الحين ووالآخر في تعليق مباشر على وضعية أو سلوك، لكنه لايفسد انسياب السرد، وبدا لنا الحوار صائبا في تعالقه مع السرد وفي خروجه من وظيفة الكشف إلى الإنكشاف، ونعني إنكشاف الأحوال من خلال انفعالات الشخصيات الأساسية الظاهر منها أو المبطن...ومن حيث اللغة بدا الحوار متلائما مع فضاء الشخصية في عمومها مما برر إلى حد ما حضور الفحش لغة ومشهدا لأننا لايمكن أن نصور فضاءات داعرة بلسان متعفف ...

كما لاحظنا ترددا بين العامية والفصحى في بعض المقاطع التي يرتقي فيها الحوار أو يتعالى على ناطقيه.

وما نلاحظه كذلك قدرة الكاتب على توظيف المشهد إنطلاقا من المخاض بجزئياته الكاشفه لمجمل العلاقات بين شخصيات الرواية مرورا بمشاهد السجن وعلاقات البطل بفضاء المدينة ومغامراته مع أهلها وصولا إلى إسترجاع مشهد المحاكمة.. ولئن بدت هذه المشاهد طريفة وفيها كثير من السخرية الدالة فإن ولع الكاتب بها جره إلى شيء من المبالغة التي ترهق في اعتقادنا مسار الحدث والشخصية...

وبدت لنا اللغة سلسة من حيث السرد والحوار متقلصة شديدة الإقتضاب من جهة الوصف فيها قدر من شفافية المجاز وطرافة التشبيه، ونشير إلى ورود أخطاء لغوية ليست بالقليلة كنا نود لو تجنبها الكاتب من خلال عناية خاصة بتصحيح النص قبل الطباعة.وبدا لنا الحدث مُربكا بسرعة نسق السرد في مراحل الحكاية وخاصة في فصولها الأخيرة، فينقل القارئ دون تمهيد نقلات سريعة ليجد نفسه إزاء شيخوخة البطل ثم انتحاره في نهاية الرواية.

وفي مستوى المنظور النقدي استطاع الكاتب تعرية بعض الجوانب الإجتماعية والسياسية خاصة منها ظواهر النزوح والوصولية واستغلال السلطة... لكننا نتساءل عن مبررات رؤية آحادية أرادها الكاتب لمسيرة شخوصه في حتمية تقارب حتمية القدر بل تفوقه أحيانا وكأن الرؤية العامة التي توجه الكاتب تعلن أن لاجدوى صراع الذوات ضد مصيرها وكأن حركة الفضاء الروائي هي لحظة اضطراب وإرباك تتداخل فيها الطبقات والفيئات ثم تعود في النهاية من حيث بدأت وكأن الإرتفاع الموهوم ما هو إلا تهيؤ للسقوط المحتوم.

سقنا هذا التساؤل الأخير لأننا لاحظنا إصرار الكاتب على فضاءات متشابهة وعلى بناء يكاد يتماثل في تدعيم المنظور الواحد وخاصة في روايتي "في بيت العنكبوت" و"عودة عزة المغتربة" وهذه الرواية الأخيرة هي إستكمال -وإن تقدمت في النشر - للأبنية الهشة- من خلال مواصلة مسيرة الهامش في حياة عزة سليلة الأكواخ وساكنة القصور، مسيرة درامية تؤكد منظور الكاتب ذلك الذي تساءلنا حوله قبل حين.

وفي الختام نؤكد ثراء هذه المسيرة الروائية التي امتدت خلال عقود والتي تمظهرت في نصوص عديدة أسست تراكما جديرا بالدرس والتمحيص...

  • الأبنية الهشة  محمد الهادي بن صالح

نشر بوزيد 2001

 

 

 

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة