رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

من حوارات محمد الجابلي/العرب

حوار مع الروائي التونسي محمد الجابلي
/ وليد الزريبي "جريدة العرب"/

*”الحنين البدائي” ارتداد الهاجس  الإبداعي بين المنطق واللاّممكن، وكأنك تجتهد في البحث عن ممكن واقعي لم يخل في اعتقادي من وهم البداية أو لعله التحسس الأول للغة في بداوتها وبدائيتها، فحولتهاوخصبها، مكرها ودلالها، ليونتها وميوعتها، حماقاتها وقبحها انكسارها وانعتاقها أوربما شذوذها في مواضع أخرى. فهل كل كاتب مجبر إلى زمن على التنصيص في أقصى حالات الوعي الممكن على أننا لا نمتلك في النهاية إلا لعن من عمّدنا بأرواحنا وهج حنينهمالأوّل فأثـقـل إلى حد بعيد نصوصنا الفرعية متغافلين عن هامش أصلي هو في الواقعنصنا الأول الذي تناسينا تحويله إلى أيام و حروف؟

- نعم، الحنين البدائي هوتحسس للغة والوعي في بداوتهما وبدائيتهما، منح للممكنات في أعمق مظاهرها هو حفر في طبقات الوعي الجمعي، صرخة وتعرية لعوامل المسخ والاغتراب، ورغم قدم صدوره سنة تسعين وتسعمائة وألف فإن ما أثرت فيه من إشكاليات أضحت لكثافة حضورها مطارق تدق الوعيوترجه، من نحن إزاء أنفسنا ثم إزاء الآخر؟؟ هل أسسنا ما يطمأن إليه؟ هل خرجنا من أنساق الانفعالية الآنية؟ وهو كنص فكري أول يحمل وزر كل الفروع اللاحقة في مختلف مظاهرها الفكرية أو الإبداعية، إذ هو مخطط مشروع لم ينجز من حيث التراكم ولم يتجاوزمن حيث عمق وأصالة وانفتاح أسئلته، وفي كل كتبي اللاحقة ستجد منه صدى، كتاب العقل والذاكرة هو استكمال أو تعميق لفرع من فروع الحنين البدائي من خلال الدفاع عن جذورالعقل في الوعي العربي تلك التي لم يتح لها أن تتمظهر وأن تفعل بفعل معيقات كثيرة تصل بين الأسباب والنتائج، من انفعالية عاطفية في الوعي العام ومصلحية انتهازية في الوعي النخبوي وجذور حية لاستعمار قديم وحديث…وكذا في كتاب نظام الرواية الذهنية في مستوى النقد إثارة أو فضح لغربة الفن وتعرية لأفكار هادمة تتستر بالفن لتلغي الفن من خلال جذ دوره وإبعاده عن النقد والصراع ومن ثم تهميشه وعزله… وفي المستوىالإبداعي تواصل الهاجس مع مرافئ الجليد وفيها رثاء لمنظومات كثيرة من جهة الوجع والحنين وفضح لمنظومات أخرى من جهة النقد والاحتجاج

* كي لا نطال فسق الحكاية و فجورها و بتعلة حماية أنساق الحكي من أنظمة السير السردية ، تذهب فيكتابك “شهادة الغائب” إلى إذلال اللغة، الحدث، وإجبار القارئ على نزال وهمي بالأساس، تستجدي من وراءه كسب وده و تعاطفه مع شهادة لا تصله حتى ولو كانت، أي هذه الشهادة “زور”؟


- شهادة الغائب، شهادة مثقف لم يدع للشهادة ولم يخول لها، شهادة غائب على حاضر وفيها أو من موضوعاتها الأساس مسألة غربة المثقف، وهامشيته بحيث لم يكن فاعلا في اللحظة لأسباب عديدة منها غياب الديمقراطية ومنها انتهازية تزيين الموجود، مثقف زائف يرى بعيون الآخرين، فهو شاهد زور إن شهد لأن ملامسته للواقع كانت محدودة بحدود أنفه. وفيها موضوعات أخرى لا تخرج عن المبحث العام الذي يقود كتاباتي مسألة الأصالة والإنبات، في قصة الجذور ومسألة المؤسسة في قصة ربطة العنق التي نقلها الروائي عاشور بن فقيرة المقيم في باريس إلى الفرنسية ونشرها ضمن مجموعة صدرت عن فضاء آركوم.

*في مقدمة رواية “مرافئ الجليد” كتبت: إن هذا النص يشبه ما كنت أريد، لكنه ليس ما أردت، و هو في شتى أحواله مهدى إلى الجحيم. فهل فعلا أستاذ محمد أن كل كتابة إبداعية هي في النهاية ظل طبق الأصل من وعي ما لكنه ليس وعينا الأحادي. فالكاتب الجيد كما يعرفه “نيتشه” لا يملك فكره فقط بل فكر أصدقائه كذلك. فبأي معنى يكون ذلك صحيحا؟


- كل كاتب يصطاد النص العصي وكل نص لا يرضي في النهاية غرور كاتبه، أما مسألة الجحيم فهي موصولة بمدارات النص، نص كما أردته ليس تقليديا فهو نص يربك ويحير ويضع القارئ على شفى هاوية الكفر بلحظة من خلال شروطها المجحفة، نص لايطمئن ولا يدعو لقيم أو لمبادئ نص الهدم بامتياز، والهدم يستوجب جرأة لأن الكل يحاول ترميم الخراب والتداوي عبر مبررات واقعية الانخراط الطفولي أو الانتهازي ضمن المرممين وواضعي المساحيق لتجميل لحظة منتهية في حكم التاريخ… تبرير الورطة أيسر من التقاطع معها. لكن الهدم يقتضي جرأة هي من جرأة الانتحار، أن تنظر بلا مبالاة إلى الأشياء التي حركتك في الماضي والتي صنعت حميميتك وآدميتك ودوافعك الكبرى أن تقبرها وتمضي… بأية ذات ستمضي وستواصل الرحيل ثم الرحيل إلى أين؟ من هنا يكون الإهداء عقدا أول مع القارئ: إما أن يواصل بشجاعة وأن يتخلى عن كل قشوره في مواجهة النص أو أن يلقي به قبل أن يخوض متاهته. وكم من قارئ تقليدي سينظر في الإهداء ثم يريح ويستريح، سيلقي بالنص بعيدا لأنه ليس منه ولا يعنيه في شيء… لذلك اعتبرت الإهداء اختبارا للقارئ بل انتقاء: من خلاله ينتقي النص قراءه المفترضين من خلال ذلك العقد الامتحاني الاستفزازي الأول. أما ما ذكرت من عبارة نتشة، فكل كاتب جيد هو صدى للحساسية الأعمق في لحظة زمنية محددة، أن يمسك بهاجس الجماعة وأن يعبر عن ذلك الهاجس بصدق وشجاعة، أن يفك طلاسم اللحظة في هجاء أو احتفاء، أن يكون طليعيا بمعنى الاستباق والجرأة، استباق من خلال بصيرة نافذة تجمع شتات ما تفرق، وجرأة التعرية والقدرة على مواجهة تلك اللحظة من خلال البعد عن اليسير والجاهز والمستهلك العامي من تحليلات وتبريرات

* في تعليق للكاتب التونسي كمال الزغباني حول روايتك الأخيرة يقول: ليست “مرافئ الجليد” إذن مجرد توصيف فلسفي أيديولوجي لحالةعالم يشرف على الانهيار الكبير بعد أن فقد توازنه وعربدت فيه قوة واحدة مطلقةالنفوذ والجبروت. وإنما هي أيضا، وبالأساس، إطلالة مرعبة على دواخل إنسان هذا العصربكل ما تحمله من تناقض ومن هشاشة، من أحلام مشبوهة ومن قنوط يكاد يكون كليا، وهي أيضا طرح، بأدوات الإبداع، لأسئلة الإبداع في عالم هذا حاله وعن إنسان ذاك وضعه وقدره. إذن هل الكتابة فعل ذاتي أم عام؟


- أنت سقت فقرة من تحليل وتقديم كمال الزغباني للرواية، وهو تحليل مستبصر لمجمل مسالكها، لأن الزغباني مشتغل بالفلسفة ومنخرط في الإبداع، فهو روائي وقاص أيضا، لذلك جمع في قوله بين عمق الحكمة الفاهمة ونزعة النقد الجمالي، وهو قد وصل في قراءة الرواية بذكاء بين مداراتها الأساس بين ما هو إيديولوجي في مستوى تدافع الرؤى والبقاء لأفضلها بمعنى أقواها، وبين الحالة الذاتية كاستتباع لذلك “دواخل إنسان العصر” بمعنى الذات المعاصرة في ورطة وجودها، إذ من اليسير أن تصلح الحكام الفاسدين لكن إذا خربت الذوات من الداخل وإذا عم الخراب وأصبح ظاهرة إنسانية كشرط تاريخي عندها يتوقف الفكر وتنزاح الإيديولوجيات الناقدة في مستوى التأثير ولا تبقى غير أصداء المعاول ورائحة اللحم المشوي وركام الجثث في زوايا نشراتنا الإخبارية. وصل الزغباني بين كل ذلك وأدوات الفن وأسئلته، لأن مرافئ الجليد تجاوز لكل معلوم بنية ودلالة وهي صدى من زاويتين زاوية الفن وزاوية الحياة كما عبر فتحي النصري، يعسر الفصل فيها بين لعبة الفن ومعاناة المعيش، هي كل احتجاجي في شروط مجتمعة هي إدانة لوضع انتحاري فقدت فيه البشرية مراجعها وأضاعت صكوك توبتها. فالكتابة إذن هي فعل ذاتي في منطلقها وهي فعل عام في مآلها وأسئلتها.

* هل القصة فكرة قاسية؟ ما معنى أن تكتب نصا قصصيا قاسيا؟ هل فعلا معناه،أن لا تحس بعقدة الذنب أو تخذلك عاطفتك؟
- لم أفهم السؤال


* هل تعتقدأن السيطرة التقنية على العالم ستؤدي إلى سيطرة تقنية على القصة ؟
- لا أعتقد ذلك؟

* إذا أراد هذا الجيل أن يترك بصمته في تاريخ القصة، ماذا عليه أنيقدّم؟ شيئا متقدما؟ شيئا من العصر الذي يعيشه؟ أو ماذا ..؟
- أن يقدم ذاته بشكل حر يخلو من كل زيف وأن يكون جريئا ومسؤولا فيما يقدم. فالكاتب هو فارس كلام والفروسية تقتضي شجاعة ومغامرة، أن يكون زاهدا أو له بعض الزهد بمعنى أن لا ينتظر نتيجة فورية وآنية لما يكتب، إذا تعلم الكاتب الصدق فهو حتما سيتجاوز نفسه وعصره بمعنى الإستباق التلقائي والإمساك بخناق لحظته، وإذا نظرنا في الأعمال التي خلدها الوعي الفني سنجدها شديدة التلقائية والمحايثة العميقة للحظتها، عندما كتب المعري رسالة الغفران كان ينطلق من حساسيته المفرطة إزاء زمنه، وكذا دانتي وغوتة وسرفانتسفالمبدع ينطلق من أعماق نفسه ليقارب أعماق عصره، لذلك أكدت على الصدق كمدخل أساس في كل فن، ثم يأتي الوعي بشروط مكونات اللحظة، بما فيها من أقطاب فاعلة سلبا أم إيجابا

* ألا حظ أنك تتغنى كثيرا في قراءاتك النقدية ـ الوثوقية ـ بالشعر، خاصة الميت منه. فهل أنت ضدّ التيارات الحديثة، الحيّة، في الشعر التونسي؟


- كنت أود أن تعيد صياغة هذا السؤال لما فيه من عسف ذاتي…
لكني أجيب مصححا أني لم أتغن بأي شعر بل أسهمت بقراءات في تجارب شعرية وصل بعضها إلى مصاف التفرد والخصوصية وهذا يناقض ما أسميته بالشعر الميت، ومن أعمق ما قرأت تجربة فتحي النصري التي أفردتها باهتمام خاص ضمن قراءتين وبعض التقديمات، ذلك أنها تجربة تطورت ضمن مراكمة إبداعية تنعرض فيها هموم جيل بطموحاته القليلة وخيباته الأكثر… ومن خلالها ينعكس وضع إنساني يترنح على حافة العدم والخراب، كل ذلك بأدوات فنية جمعت بين معاناة الصدق ولظى أسئلة الوعي وإرباكات حيرة الفكر… ولا أعلم مقصدك بالتيارات الحديثة في الشعر؟ فالحداثة في كل فن هي الانخراط أو الغوص في لحظة تاريخية بكل تقاطعاتها وتعقداتها الذاتية أو الموضوعية الفنية أو الدلالية، ومن هذا الفهم تمثل التجارب التي قرأتها الحداثة بعينها… أنا أحترم كل جديد ينبثق من مشروعية ما؟ ولكني لا أحترم تجارب الفراغ والصدى الخاوي ؟ تجارب اللعب باللغة وإخفاء الخواء في حجاب طلاسمها وأحاجيها لأني لازلت أعتبر الفن رؤية يتحرر فيها الفنان ومن خلاله الذات البشرية ضمن تعدد جمالي ودلالي يختزل موقفا من الوجود في لحظة تاريخية معينة بأدوات فنية فيها آفاق منفتحة على ممكنات الخيال والخلق… لا أريد التعميم ولا التعتيم، لكن هناك تجارب جديدة قد لا أفهمها، هي من بعض أصداء فراغات اللحظة… تجارب مربكة تبحث عن حضور، فيها قصائد جميلة لكنها لم تنطلق من موقع وموقف في المستويين الدلالي أو الجمالي.

* يقول القاص المغربي محمد اشويكة: إن القصة القصيرة ليست شيئا جامدا فيحدّ ذاته. إنها إشكالية تتطلّب طريقة نقدية جديدة، هذه الطريقة لا تتحقق في الوجودانطلاقا من قراءة نصوص مختارة بشكل “أخوي ضيق”، فالنظريات لم تأت بهذه الطريقة،إنها تحتاج إلى فرضيات يغوص أهلها في متاهة القصة حتى الثمالة والدّوران. ألا ترىمعي أن هذا الرأي يشخص بدهاء فائق المشهد الأدبي في تونس خاصة منه القصصي/ الروائي؟


- في إحدى ندوات رابطة الكتاب الأحرار جمعني اللقاء بكاتب كان قديما في أعلى هرم المؤسسة الثقافية وهو يشكو من أن كتبه لم تقرأ؟ وفي ذلك بعض الجواب عن سؤالك. فكل سلط العالم سواء كانت ثقافية إعلامية أو نقدية أكاديمية أو سياسية لا يمكن أن تصنع كاتبا، وهذا من بعض شروط الفن وعدالته، له مسار خفي غير منظور يتفاعل بطريقة ما تجعل النص الجيد يحيى رغم العراقيل والنص المتواضع يتلاشى مع غروب صاحبه أو ضعف سلطانه، وكذا الحال مع وضع الإبداع في علاقة بالنقد وتجاره الكثيرين، طبول اللحظة ترى صورا في الجرائد مع عارضات الأزياء وقارئي الكف ومنظمي الحفلات… أما النصوص فلها شأن آخر لا سلطان عليها غير سلطان الذوق والإجادة الفنية والحكم فيها هو حكم تاريخ الفن القاسي الذي يستبعد هباء اللحظة…كذا الأمر في المشهد الثقافي التونسي وفي كل مشهد مع تفاوت في الدرجات، تلقى نصوصا توجت بجوائز ولا تبقى منها غير العناوين في الصحافة المهترئة، وتلقى نصوصا أخرى تختفي في الزحام الدعائي لكنها تجد مسلكا بعد حين إلى القارئ الذي ينتقي وفق آلية أخرى تتجاوز صدى الدعاية المشبوهة.

* هل يمكن للقاص أن يبتعد عن زمن التقنية أم يجب أن ينخرط فيه؟هل يسعى القاص المعاصر ـ بصفته يشكل مرحلة متطورة في تاريخ القصة ـ إلى تطويرتقنياته ووضعها أمام محكّ التقنيات القادمة من كواكب معرفية أخرى؟ هل يمكن أن نقول بأنّ تقنين تقنيات الكتابة القصصية سيؤدي إلى شقاوة القاص وموت البطل الروحي؟


- سؤالك مركب بين عام وخاص، العام منه أن التقنية قد تمثل في بعض مظاهرها غربة الإنسان، من خلال فقد ينابيعه الحميمة، وربما من هذا الفقد تتولد وظيفة الفن في علاقتها بتلك الينابي