حوار مع الروائي التونسي محمد الجابلي
/ وليد الزريبي "جريدة العرب"/
*”الحنين البدائي” ارتداد الهاجس الإبداعي بين المنطق واللاّممكن، وكأنك تجتهد في البحث عن ممكن واقعي لم يخل في اعتقادي من وهم البداية أو لعله التحسس الأول للغة في بداوتها وبدائيتها، فحولتهاوخصبها، مكرها ودلالها، ليونتها وميوعتها، حماقاتها وقبحها انكسارها وانعتاقها أوربما شذوذها في مواضع أخرى. فهل كل كاتب مجبر إلى زمن على التنصيص في أقصى حالات الوعي الممكن على أننا لا نمتلك في النهاية إلا لعن من عمّدنا بأرواحنا وهج حنينهمالأوّل فأثـقـل إلى حد بعيد نصوصنا الفرعية متغافلين عن هامش أصلي هو في الواقعنصنا الأول الذي تناسينا تحويله إلى أيام و حروف؟
- نعم، الحنين البدائي هوتحسس للغة والوعي في بداوتهما وبدائيتهما، منح للممكنات في أعمق مظاهرها هو حفر في طبقات الوعي الجمعي، صرخة وتعرية لعوامل المسخ والاغتراب، ورغم قدم صدوره سنة تسعين وتسعمائة وألف فإن ما أثرت فيه من إشكاليات أضحت لكثافة حضورها مطارق تدق الوعيوترجه، من نحن إزاء أنفسنا ثم إزاء الآخر؟؟ هل أسسنا ما يطمأن إليه؟ هل خرجنا من أنساق الانفعالية الآنية؟ وهو كنص فكري أول يحمل وزر كل الفروع اللاحقة في مختلف مظاهرها الفكرية أو الإبداعية، إذ هو مخطط مشروع لم ينجز من حيث التراكم ولم يتجاوزمن حيث عمق وأصالة وانفتاح أسئلته، وفي كل كتبي اللاحقة ستجد منه صدى، كتاب العقل والذاكرة هو استكمال أو تعميق لفرع من فروع الحنين البدائي من خلال الدفاع عن جذورالعقل في الوعي العربي تلك التي لم يتح لها أن تتمظهر وأن تفعل بفعل معيقات كثيرة تصل بين الأسباب والنتائج، من انفعالية عاطفية في الوعي العام ومصلحية انتهازية في الوعي النخبوي وجذور حية لاستعمار قديم وحديث…وكذا في كتاب نظام الرواية الذهنية في مستوى النقد إثارة أو فضح لغربة الفن وتعرية لأفكار هادمة تتستر بالفن لتلغي الفن من خلال جذ دوره وإبعاده عن النقد والصراع ومن ثم تهميشه وعزله… وفي المستوىالإبداعي تواصل الهاجس مع مرافئ الجليد وفيها رثاء لمنظومات كثيرة من جهة الوجع والحنين وفضح لمنظومات أخرى من جهة النقد والاحتجاج…
* كي لا نطال فسق الحكاية و فجورها و بتعلة حماية أنساق الحكي من أنظمة السير السردية ، تذهب فيكتابك “شهادة الغائب” إلى إذلال اللغة، الحدث، وإجبار القارئ على نزال وهمي بالأساس، تستجدي من وراءه كسب وده و تعاطفه مع شهادة لا تصله حتى ولو كانت، أي هذه الشهادة “زور”؟
*في مقدمة رواية “مرافئ الجليد” كتبت: إن هذا النص يشبه ما كنت أريد، لكنه ليس ما أردت، و هو في شتى أحواله مهدى إلى الجحيم. فهل فعلا أستاذ محمد أن كل كتابة إبداعية هي في النهاية ظل طبق الأصل من وعي ما لكنه ليس وعينا الأحادي. فالكاتب الجيد كما يعرفه “نيتشه” لا يملك فكره فقط بل فكر أصدقائه كذلك. فبأي معنى يكون ذلك صحيحا؟
- كل كاتب يصطاد النص العصي وكل نص لا يرضي في النهاية غرور كاتبه، أما مسألة الجحيم فهي موصولة بمدارات النص، نص كما أردته ليس تقليديا فهو نص يربك ويحير ويضع القارئ على شفى هاوية الكفر بلحظة من خلال شروطها المجحفة، نص لايطمئن ولا يدعو لقيم أو لمبادئ نص الهدم بامتياز، والهدم يستوجب جرأة لأن الكل يحاول ترميم الخراب والتداوي عبر مبررات واقعية الانخراط الطفولي أو الانتهازي ضمن المرممين وواضعي المساحيق لتجميل لحظة منتهية في حكم التاريخ… تبرير الورطة أيسر من التقاطع معها. لكن الهدم يقتضي جرأة هي من جرأة الانتحار، أن تنظر بلا مبالاة إلى الأشياء التي حركتك في الماضي والتي صنعت حميميتك وآدميتك ودوافعك الكبرى أن تقبرها وتمضي… بأية ذات ستمضي وستواصل الرحيل ثم الرحيل إلى أين؟ من هنا يكون الإهداء عقدا أول مع القارئ: إما أن يواصل بشجاعة وأن يتخلى عن كل قشوره في مواجهة النص أو أن يلقي به قبل أن يخوض متاهته. وكم من قارئ تقليدي سينظر في الإهداء ثم يريح ويستريح، سيلقي بالنص بعيدا لأنه ليس منه ولا يعنيه في شيء… لذلك اعتبرت الإهداء اختبارا للقارئ بل انتقاء: من خلاله ينتقي النص قراءه المفترضين من خلال ذلك العقد الامتحاني الاستفزازي الأول. أما ما ذكرت من عبارة نتشة، فكل كاتب جيد هو صدى للحساسية الأعمق في لحظة زمنية محددة، أن يمسك بهاجس الجماعة وأن يعبر عن ذلك الهاجس بصدق وشجاعة، أن يفك طلاسم اللحظة في هجاء أو احتفاء، أن يكون طليعيا بمعنى الاستباق والجرأة، استباق من خلال بصيرة نافذة تجمع شتات ما تفرق، وجرأة التعرية والقدرة على مواجهة تلك اللحظة من خلال البعد عن اليسير والجاهز والمستهلك العامي من تحليلات وتبريرات…
* في تعليق للكاتب التونسي كمال الزغباني حول روايتك الأخيرة يقول: ليست “مرافئ الجليد” إذن مجرد توصيف فلسفي أيديولوجي لحالةعالم يشرف على الانهيار الكبير بعد أن فقد توازنه وعربدت فيه قوة واحدة مطلقةالنفوذ والجبروت. وإنما هي أيضا، وبالأساس، إطلالة مرعبة على دواخل إنسان هذا العصربكل ما تحمله من تناقض ومن هشاشة، من أحلام مشبوهة ومن قنوط يكاد يكون كليا، وهي أيضا طرح، بأدوات الإبداع، لأسئلة الإبداع في عالم هذا حاله وعن إنسان ذاك وضعه وقدره. إذن هل الكتابة فعل ذاتي أم عام؟
- أنت سقت فقرة من تحليل وتقديم كمال الزغباني للرواية، وهو تحليل مستبصر لمجمل مسالكها، لأن الزغباني مشتغل بالفلسفة ومنخرط في الإبداع، فهو روائي وقاص أيضا، لذلك جمع في قوله بين عمق الحكمة الفاهمة ونزعة النقد الجمالي، وهو قد وصل في قراءة الرواية بذكاء بين مداراتها الأساس بين ما هو إيديولوجي في مستوى تدافع الرؤى والبقاء لأفضلها بمعنى أقواها، وبين الحالة الذاتية كاستتباع لذلك “دواخل إنسان العصر” بمعنى الذات المعاصرة في ورطة وجودها، إذ من اليسير أن تصلح الحكام الفاسدين لكن إذا خربت الذوات من الداخل وإذا عم الخراب وأصبح ظاهرة إنسانية كشرط تاريخي عندها يتوقف الفكر وتنزاح الإيديولوجيات الناقدة في مستوى التأثير ولا تبقى غير أصداء المعاول ورائحة اللحم المشوي وركام الجثث في زوايا نشراتنا الإخبارية. وصل الزغباني بين كل ذلك وأدوات الفن وأسئلته، لأن مرافئ الجليد تجاوز لكل معلوم بنية ودلالة وهي صدى من زاويتين زاوية الفن وزاوية الحياة كما عبر فتحي النصري، يعسر الفصل فيها بين لعبة الفن ومعاناة المعيش، هي كل احتجاجي في شروط مجتمعة هي إدانة لوضع انتحاري فقدت فيه البشرية مراجعها وأضاعت صكوك توبتها. فالكتابة إذن هي فعل ذاتي في منطلقها وهي فعل عام في مآلها وأسئلتها.
* هل القصة فكرة قاسية؟ ما معنى أن تكتب نصا قصصيا قاسيا؟ هل فعلا معناه،أن لا تحس بعقدة الذنب أو تخذلك عاطفتك؟
- لم أفهم السؤال
* هل تعتقدأن السيطرة التقنية على العالم ستؤدي إلى سيطرة تقنية على القصة ؟
- لا أعتقد ذلك؟
* إذا أراد هذا الجيل أن يترك بصمته في تاريخ القصة، ماذا عليه أنيقدّم؟ شيئا متقدما؟ شيئا من العصر الذي يعيشه؟ أو ماذا ..؟
- أن يقدم ذاته بشكل حر يخلو من كل زيف وأن يكون جريئا ومسؤولا فيما يقدم. فالكاتب هو فارس كلام والفروسية تقتضي شجاعة ومغامرة، أن يكون زاهدا أو له بعض الزهد بمعنى أن لا ينتظر نتيجة فورية وآنية لما يكتب، إذا تعلم الكاتب الصدق فهو حتما سيتجاوز نفسه وعصره بمعنى الإستباق التلقائي والإمساك بخناق لحظته، وإذا نظرنا في الأعمال التي خلدها الوعي الفني سنجدها شديدة التلقائية والمحايثة العميقة للحظتها، عندما كتب المعري رسالة الغفران كان ينطلق من حساسيته المفرطة إزاء زمنه، وكذا دانتي وغوتة وسرفانتس… فالمبدع ينطلق من أعماق نفسه ليقارب أعماق عصره، لذلك أكدت على الصدق كمدخل أساس في كل فن، ثم يأتي الوعي بشروط مكونات اللحظة، بما فيها من أقطاب فاعلة سلبا أم إيجابا…
* ألا حظ أنك تتغنى كثيرا في قراءاتك النقدية ـ الوثوقية ـ بالشعر، خاصة الميت منه. فهل أنت ضدّ التيارات الحديثة، الحيّة، في الشعر التونسي؟
* يقول القاص المغربي محمد اشويكة: إن القصة القصيرة ليست شيئا جامدا فيحدّ ذاته. إنها إشكالية تتطلّب طريقة نقدية جديدة، هذه الطريقة لا تتحقق في الوجودانطلاقا من قراءة نصوص مختارة بشكل “أخوي ضيق”، فالنظريات لم تأت بهذه الطريقة،إنها تحتاج إلى فرضيات يغوص أهلها في متاهة القصة حتى الثمالة والدّوران. ألا ترىمعي أن هذا الرأي يشخص بدهاء فائق المشهد الأدبي في تونس خاصة منه القصصي/ الروائي؟
- في إحدى ندوات رابطة الكتاب الأحرار جمعني اللقاء بكاتب كان قديما في أعلى هرم المؤسسة الثقافية وهو يشكو من أن كتبه لم تقرأ؟ وفي ذلك بعض الجواب عن سؤالك. فكل سلط العالم سواء كانت ثقافية إعلامية أو نقدية أكاديمية أو سياسية لا يمكن أن تصنع كاتبا، وهذا من بعض شروط الفن وعدالته، له مسار خفي غير منظور يتفاعل بطريقة ما تجعل النص الجيد يحيى رغم العراقيل والنص المتواضع يتلاشى مع غروب صاحبه أو ضعف سلطانه، وكذا الحال مع وضع الإبداع في علاقة بالنقد وتجاره الكثيرين، طبول اللحظة ترى صورا في الجرائد مع عارضات الأزياء وقارئي الكف ومنظمي الحفلات… أما النصوص فلها شأن آخر لا سلطان عليها غير سلطان الذوق والإجادة الفنية والحكم فيها هو حكم تاريخ الفن القاسي الذي يستبعد هباء اللحظة…كذا الأمر في المشهد الثقافي التونسي وفي كل مشهد مع تفاوت في الدرجات، تلقى نصوصا توجت بجوائز ولا تبقى منها غير العناوين في الصحافة المهترئة، وتلقى نصوصا أخرى تختفي في الزحام الدعائي لكنها تجد مسلكا بعد حين إلى القارئ الذي ينتقي وفق آلية أخرى تتجاوز صدى الدعاية المشبوهة.
* هل يمكن للقاص أن يبتعد عن زمن التقنية أم يجب أن ينخرط فيه؟هل يسعى القاص المعاصر ـ بصفته يشكل مرحلة متطورة في تاريخ القصة ـ إلى تطويرتقنياته ووضعها أمام محكّ التقنيات القادمة من كواكب معرفية أخرى؟ هل يمكن أن نقول بأنّ تقنين تقنيات الكتابة القصصية سيؤدي إلى شقاوة القاص وموت البطل الروحي؟
- سؤالك مركب بين عام وخاص، العام منه أن التقنية قد تمثل في بعض مظاهرها غربة الإنسان، من خلال فقد ينابيعه الحميمة، وربما من هذا الفقد تتولد وظيفة الفن في علاقتها بتلك الينابيع وهذه الإشكالية اختصرها أدونيس في قوله:”كان الوعي العلمي يولد فينا القلق والتمزق في حين كان لاشعورنا يولد فينا اليقين والطمأنينة… هكذا كان وعي العلم يوجهنا بقوة نحو المستقبل فيما كانت أعماقنا تتبع طريقا ما نحو ماض أكثر إنسانية ودفئا”. أما الجانب الخاص المتصل بضرورة تطوير تقنيات الكتابة فكل كتابة هي بحث عن ممكنات جديدة، وكل نص يخلو من الجديد أعتبره نصا ميتا لا يتجاوز حضور صاحبه حضورا آنيا بسيطا ومحدودا فالكتابة هي ثورة دائمة بمعنى الحرية الإبداعية أن يستشعر الكاتب حرية في ذاته وأن يسعى إلى تجسيدها في نصه، المهم هو وازع الحرية بصرف النظر عن النتائج.
* هل هناك وهم كبير حقا، مفاده أن فكروفلسفة الجماعات انزياح نحو الفوضى والراديكالية ورفض المؤسسة. أنا أطرح السؤالالتالي: كيف نرفض المؤسسة ونحن متورطون فيها حتى النخاع؟ ألا تعتقد أن أول مؤسسةتمارس علينا قهرها هي مؤسسة الجسد بكل تعقيداته؟
- كل الخطوات الصائبة في التاريخ البشري انطلقت من رفض المؤسسة، المؤسسة بما هي معلوم مقنن وبما هي انضباطية ملزمة تأكل الفرد وتجرده من كل أسلحة تطوره، أسلحة نقده ورفضه، وفي كل مجتمع طبقي لا تكون المؤسسة إلا في خدمة الفئة والطبقة، ومن أخطر أدوارها حراسة البوابات الخلفية للوعي المستهلك، ولذوي المصلحة في كل آن، العرف والعادة والقانون والدين والدستور هي عقود بشرية تتآكل وتهترئ والحياة تتجدد من خلال ما أسميته بفكر وفلسفة الجماعة ولذلك أثرت في كتابي العقل والذاكرة مسألة الجدل الدائم بين العقل كطاقة مستقبلية وبين الذاكرة كحارسة للماضي، ومن هنا تأتي ثورية العقل ونكوصية الذاكرة… أما الشق الثاني من السؤال يسير في بعد آخر وينقلنا بعسف من الثقافة إلى الطبيعة، ولهما بعدان مختلفان بل متناقضان، مؤسسة الثقافة هي سلطان الجماعة على الأفراد وهذا السلطان لم يكن بريئا في كل تجلياته، سلطان ناشئ في حدود طبقية خلافية منه القانون والعادة والمنظور السائد والمبرر في لحظة ما، أما الجسد فهو من الطبيعة وسلطانه سلطاننا في مختلف تجليات القوة والضعف والحاجة والرغبة هو سلطان كياننا والخضوع له فيه تحرر منه؟
* لا يمكن أن يوجد الله وأمريكا معا.. هل لأن القدرة تربكالقدر، فلا نهاية لما كان قد انتهى أو لما لم يبدأ بعد..؟
- العالم بوقائعه الثقيلة يهتز من حولنا مؤكدا تلك الفرضية، باعتبار أن الله هو جماع القيم، من خلاله تمظهر المنجز البشري في المستوى الأخلاقي الشمولي الحاضن والمنجب لكل التطلعات الجماعية في كون يسوده العدل والسلام… وأمريكا لا أعني طبعا المواطنة الأمريكية بل أعني أصحاب القرار، ذلك التواطؤ بين رجال السياسة وتجار النفط، ذلك الذي موت القيم وبداية المصلحة حيث يسود معجم قديم جديد من مشتقات النجاعة، وإعادة التأهيل والحريات المعولمة وهي كثيرة، كحرية السوق والانتصاب الحر، والبورصة والمضاربة… معجم يحيل على آخر مظاهر الإمبريالية، المظهر المتوحش الذي يذكر بالمرحلة الفاوستية في التاريخ البشري كما أسميتها في إحدى مقالاتي: مرحلة التحالف بين القوة والشر، مرحلة توظيف سيء للمنجز العقلي وفق حساب السوق والتسوق مرحلة تدمير النوع لصالح الفئة كما عبر “روسو”. مرحلة لا ارتقاء فيها إلا عند مزيفي الفكر، فيها تشيؤ حقيقي للإنسان وتوجيه سلبي للطاقة… وبهذه الفرضية الإشكالية تنتهي رواية مرافئ الجليد نهاية الفن وبداية الحياة بصراعها المفروض والمرفوض، وأقول مجددا أليس من حق الشعوب أن تعيش أبعادها في مستوى الاختلاف والتعدد؟ هل إن العولمة بفهم التجار الأقوياء لن تكون إلا سطوا على الماضي والحاضر؟ هل إن اقتصاديات السوق لن تتطور إلا بمسخ الإنسان كأن يكون مسطحا ذا بعد واحد بعبارة ماركيز؟ هي ورطة أعتبرها من أنفاق التاريخ البشري نفق العودة إلى البدايات وتعرية كل شيء… أمريكا في قمة التطور التكنولوجي لكنها في آخر درجة من سلم التطور الإنساني، درجة العودة إلى البدايات المتوحشة بوحشية أكثر فتكا، وحشية من امتلك الآلة ويدعي مصادرة الحقيقة في فهم مصلحي محدود وأبله؟ من يحارب من؟ كماشة رهيبة سيضيع العالم بين فكيها التاجر المدجج بتقنية الحاضر من جهة، والقيم المطاردة المستعينة بجماعية إنسانية أو بأرواح الماضي من جهة ثانية؟ لا عقل ولا عقلانية بعد الآن لأن التجار يدفعون بجشعهم كل العالم إلى الاقتتال والتناحر البدائي، يدفعون بالجميع إلى التطرف بأنواعه… ومن هنا كان الصراع بين القدرة والقدر هو نهاية روايتي وستتورط أجيال قادمة في هذا الصراع الذي اعتبرته فخا من أخطر فخاخ التاريخ.
* حضور البحر بكثافة وتنوع، كما عبرتم أنتم، فيالقصة التونسية كفضاء حاضن لتفاعلات ووجهات نظر متعددة نقدية، اجتماعية أو نفسيةذاتية أو خرافية وأن هذه التوضيفات فيها كثير من متعة الفن وكثافة النقد.. أناأعتقد أن مردّ ذلك أيضا ضيق أفق التجريب والخوف من التجديف باتجاه الأعمق والأعلى،فالقاص التونسي ضدّ فكرة التجريب والتجريد والتجديد لذلك بقي سجين ذاكرة قصصيةارتدادية وسأضيف سؤالك الذي ختمت به أو خلصت إليه ” هل تمكن نصنا القصصي من خوضغمار البحر أم أنّه ظل واقفا على ضفافه “. في اعتقادي أن العمق الحقيقي هو قدرتهعلى إدارة الظهر لهذا الأزرق الغامض والالتفات إليه مرة واحدة فقط ليقتله أو يحييهلا فرق؟
- أضيف إلى المقاطع التي اخترتها من مقاربتي للبحر في القصة القصيرة لأقول أن معظم النصوص قاربت البحر من زاوية التوظيف النقدي الاجتماعي، نظرت في البحر كمكان لا كقيمة رمزية، وربما يتصل ذلك بموروث البداوة الذي ظل فاعلا في مجمل رؤانا وعلاقاتنا، أجدادنا يرون في البحر موطن سباخ لا خير فيه لنموذج رعوي وقادتنا قديما كفاتحين يرون فيه مدخلا للأعداء وأنت ترى أن معظم المدن التي بناها الفاتحون كانت بعيدة على البحر مثل بغداد والقاهرة والقيروان… ثم إن كتابنا في معظمهم يأتون من النخب المتعلمة الوظيفية فتكون تجاربهم محدودة بمعايشتهم المشروطة بكراسيهم ومكاتبهم، فلم تتوفر لهم فرص التجريب وخوض مغامرات الأعماق…
* ” أنا معالتجريب ولكني ضد التخريب” لكن أليس المبدع في النهاية سوى هادم أصيل؟
- قرابة لسانية بين الكلمتين التجريب والتخريب، فالتجريب مشروع إذا انطلق من امتلاء، إذا انطلق من رؤية أو من منظور تجاوزي فيه نقد خفي للمنجز ورفض لحدوده الضاغطة، وكل جديد في الفن انطلق من بوادر التجريب، أن يمتلئ المبدع بقيم فنية وجمالية ويدرك انطلاقا من ذلك الامتلاء أن تلك القيم لا يمكن أن تختزل منظوره للحياة وأنها كالثوب القديم تضيق عن شمول ما يتطلع إليه، عندها يحق له البحث عن وسائط أخرى تستلهم المنجز وتراكم عليه أو تفيض عليه بما هو جديد، لكن التخريب يرتبط بدعاوي مفرغة من قبل البعض الذين يجهلون السابق الإبداعي فيتطاولون على المنجز تطاول الجاهل ويرفضون رفض المراهق الذي يتمظهر في الرفض دون علم بممكنات التعدد في رؤى العالم أو المنظورات الفنية وأعماقها الصاخبة. ومن هنا تأتي مشروعية تعقيبك المتسائل: لكن أليس المبدع في النهاية سوى هادم أصيل؟ والجواب في حواشي السؤال، فالمبدع هادم لكنه ليس كالهادمين بل هو هادم أصيل، يقوده البناء إلى الهدم بمعنى التجاوز، وما فيه من حرية التمرد ومشروعية رفض الجاهز…ولذلك ارتبط الفن بالثورة في كل مراحل التاريخ البشري، ثورة المستقبل على رسوبية الماضي وعبودية الحاضر…
* قال أحدالنقاد: بدا لنا الجابلي أقرب إلى امبرتو إيكو، في هذا التوجه، حيث يعود إلىاستثمار ما يصطلح عليه بالرواية الشعبية “البولار” بمختلف تعبيراتها، رواية الألغازوالمغامرات والرواية البوليسية أو الخيال العلمي. ألا ترى أن مثل هذه المواضيع استهلكت أو لنقل تضيّق من أفق التجريب وتحجب الرؤية عن كل تجريد متطرّف أي عدمالرضا بأنصاف الحكاية؟؟
- لا وجود لمواضيع مستهلكة وأخرى طازجة، في الفن كل موضوع هو جديد بما يحمله من ممكنات تعبيرية وإيحائية ونقدية. والقول لكمال الشيحاوي من قراءته المتميزة في رواية مرافئ الجليد، حيث تفطن إلى المشجب السردي وأسميه الحامل السردي لمنظور الرواية: المغامرة والمطاردة والجوسسة كل ذلك عالم حركي يدفع أو يبرر الرؤى الأعمق في مستوى النقد، نقد لحظة تاريخية من خلال الفاعلين فيها والممسكين بقرارها… نقد العولمة في مظهرها المتسلط من خلال البطل المغامر والمغترب، المتواطئ والمتمرد، القوي في ظاهره والمهزوز في باطنه… نقد مصير إنساني منذور إلى الجحيم: جحيم العولمة وبراكين حروبها من خلال صراع خفي بات ظاهرا بين منظورين للعالم، منظور لازماني فيه كثير من الشمولية والجماعية والاستيعابية الإنسانية بروحانيتها وقيمها ووجدانها وحلمها وتعددها…ومنظور زماني آني آحادي فيئوي فيه نزوع تسلطي تتوحد فيه القوة مع الشر والمصلحة والنفع والنجاعة… والمهم في الفن هي طريقة التناول التي تنصهر مع المنظور العميق وتتوحد معه…
_________________
أجرى الحوار الشاعر وليد الزريبي ونشر في الصفحة الثقافية للعرب









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية