رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

العدل/رواية جديدة لفضيلة الشابي

رواية " العدل" لفضيلة الشابي

بيان شعري ضد الرداءة

محمد الجابليّ

673ima955ima563ima

 
أجد بعض العسر في هذه المهمة، كيف سأقدم تجربة كثيفة باختصار وفي  حيز زمني محدود ؟

ذلك أن فضيلة الشابي مبدعة تجاوزت حدود الأجناس الأدبية، تجلت تجربتها خلال عشريات في نصوص كثيرة جمعت بين الشعر والنثر، أو بين الرواية والشعر بمختلف ألوانه، وان اعتمدنا الإحصاء كمدخل أولي، سنجد أن رصيد الشعر يجاوز الإثني عشر ديوانا، يضاف اليه ديوانان باللغة العامية، ويضاف الى كل ذلك، خمسة كتب للأطفال بين القص والشعر، اما الرواية فكان الحاصل: روايتين قبل روايتها الأخيرة الموسومة بعنوان ذي دلالة هو " العدل"، تجربة امتدت من السبعينيات الى زمننا، وتعددت فيها سبل النشر بين تونس وبيروت وفرنسا...

 والملاحظة التي تعنينا على وجه الخصوص، هي أن معضم إصدارات هذه المبدعة كان على نفقتها الخاصة .

كما نشير في هذا المدخل، الى أن حضور فضيلة الشابي تجاوز حدود الوطن، إذ تمت دعوتها إحتفاءا وتكريما في مناسبات عالمية متعددة خلال التسعينات، لتكون ضيفة في مناسبتين بإيطاليا في مدينتي سيديرون وبالارمو، وكذلك في معهد العالم العربي بباريس وفي مناسبات أخرى ببرلين.

سقنا هذا المدخل المختصر لنؤكد أهمية هذه التجربة، التي تبويء صاحبتها منزلة هامة في الشعر التونسي نحتتها خلال عقود. ولعلها من الرواد الذين سعوا مبكرا الى التجريب في النص الشعري التونسي، ضمن ما يعرف بغير العمودي والحر، وشاعرتنا من تلك الأصوات التي فرضت التعدد الشعري – ما بعد الشابي- لتفتح السبل للنصوص اللاحقة بحثا ومغامرة فيما يلائم المتغير في الأزمنة والأحوال.
 

- هوامش العدل

يقول المسعدي على لسان غيلان بطل السد: " الحياة قصة... ونحن نعيش من أجل القصة ".

 ولعل فضيلة الشابي بسيرتها الإبداعية، وبما لقيته من عناء، تجسد قصة غربة المثقف عموما، والمبدع على وجه الخصوص في واقع التجار والمؤسسات...

وإن كان النقد يعتني بالنص في ذاته،  فإن لبعض النصوص قصصا حافة - مع الناشرين أو مع الرقابة- لا تقل أهمية عن حكاية المتن كقصة رواية "العدل" وهي العمل الأخير لفضيلة الشابي .

رواية تم طبعها سنة خمس وألفين، وظلت حبيسة قبو المطبعة لمدة سنوات ثلاث، تنتظر حكما مؤجلا من رقيب خفي، ولم تر النور إلا مؤخرا بعد القرار الرئاسي القاضي بإلغاء الرقابة على الكتب.

وأذكر في هذا الباب، بأن لي صلة خاصة بهذه الرواية، قرأتها مخطوطا ، إذ كان لنا شرف تقديمها - قبل زمن- في رابطة الكتاب الأحرار، ذلك أننا نؤمن بالعلاقة الوثيقة بين الإبداع والحرية، وطالبنا برفع القيود عن النتاج الإبداعي، ولم نكتف بالمطالبة في البيانات والعرائض، بل سعينا الى قراءة الكتب المعرقلة والتعريف بها : كهذه الرواية لفضيلة الشابي، ورواية لزهر الصحراوي " وجهان لجثة واحدة " وغيرهما من نصوص كثيرة أخرى.
 

- رواية العدل

من الصعب أن نصنف هذه الرواية ، فهي لا تعتمد المألوف، كأن تكون رواية شخصية أو رواية حدث وهي كذلك ليست واقعية وليست ذهنية بل هي تداخل بين الواقع والرمز، فيها لوحات ومشاهد تراوح بين الذاتي والموضوعي ويتداخل فيها القول بين السرد والحوار...

هي رواية ذاتية باعتبار ان الكاتبة تحررت فيها من كل القيود تحررا إبداعيا، وقد يكون للشعر أثر في ذلك التحرر باعتباره تجربة تنطلق من المحدود لتلامس المطلق.

فالرواية تتخذ من الكون فضاء لتكون الذات ذرة هائمة مشحونة بأسئلة الوعي، يشدها الكائن ويغريها المطلق، يأسرها المحدود ويغويها الكون بلانهائيته لتكون الفاتحة:

 " أرضا تتأرجح في خيطها السردي" ولتكون الشخصية المركزية " رقية،" متأرجحة في ذلك الخيط توقا وشوقا وحلولا ، يذكر بالحلول الصوفي أو هو قريب منه.(ص1) .فاتحة الرواية أفق مشرع بين الكيان والعدم، حواره ممتد بين قطبين: ذات منتفضة ورب سميع، وبينهما تومض أسئلة ممتدة بين الوجودي والصوفي، لتكون الذات ذرة تائهة تجعل من الوعي وجودا ومن اللغة كيانا فعلا وزمنا، تقول البداية :

" ساحت بالذرة السائحات العائمات بفلك أوتي من خلف، وقعقع الدوي، كأنه ارتطام أكوان وأزمان، على قرب على بعد، بمرصاد، فإذا جهنم تبرز نجما أكولا يبعث بأرياحه الشديدة بعيدا يصطاد الناس والحجارة، فإذا الناس يموتون ولا يموتون عنصرهم النار، يسمع لهم كمثل تقصف الحطب المشتعل لا ينطفئون ولا تنطفيء." (ص12)   
 

فاتحة تأخذ حيزا من النص وتؤسس مداخله، عبر تدرج رمزي يعلن ان الكاتبة مسكونة بالشعر، تؤسس من آفاقه الرؤيا الممكنة، تلك التي تتدرج من الكوني الرحب الى ضيق الواقعي، فتنحدر اللغة من مناجاة كونية الى حوارات ومشاهد يثقلها اليومي، لتكون المدينة فضاءا حاملا لذلك التقاطع المأساوي الحاد بين الكائن والممكن، تقاطعا تتجلى فيه ممكنات نقدية هي من أوكد شروط الفن، لأن الكاتبة وقبل أن تكون ذرة كونية بالمفهوم الفلسفي أو الصوفي، هي كيان فاعل ومتفاعل ضمن لحظة تاريخية لها شروطها الخاصة.

وتتراكم لوحات النقد ضمن تأرجح شفاف بين مباشرة تسجيلية وفنية سريالية، تتصاعد بين الواقعي والرمزي او تدمجهما معا في ترابط يراوح بين الرثاء والهجاء: رثاء الذات في لحظة تاريخية سادها التناقض وفجعتها الغربة، وهجاء واقع تدنت فيه المثل وعمه الإبتذال وهدرت فيه الكرامة...

يحضر الواقع من خلال الذات المثقفة التي تتماهى مع الحرية لتطلب العدل : " كانت رقية اتخذت لها مكانا عصيا بين اندفاع الموج وتنهيدة الأغوار، وكان لها حس نافذ صقيل...وسط الشغب البشري تبحث رقية  عن العدل ثم تؤوب الى مصب قوي ...
 

وكلما أمعنت الذات في طلب العدل، يزيدها الطلب إصرارا وانتكاسا وغربة، ويحضر الواقع من خلال جزئياته الفاعلة كالشرطة والجيش، ومن خلال واجهاته الكثيرة كالمؤسسة القامعة بكل أقطاب الفعل فيها..."وحدها العمارات الزجاجية للحزب تعكس بعض الغيمات السابحة في زرقة السماء كأنها مرايا عملاقة عاكسة لهجرة الطيور والأدمغة – لقد تفاقمت هجرة الأدمغة يابلدنا المستنزف..." ص98 . رواية احتجاج فني، وكأنها في بعض فصولها بيان ضد الرداءة، فيها تداخل شفاف بين المعيش والغريب العجيب.

واستطاعت اللغة أن تعبر باقتدار عن ذلك التداخل، فتراوحت بين شفافية الشعر وسخرية الهجاء كما راوحت بين أدبية تذكر بأجمل ما في السرد العربي من تناسق من جهة ، وإحالات هي أقرب الى العامية، واقعية ومباشرة من جهة أخرى، كتضمين الكاتبة لمقاطع دالة من الذاكرة الشعبية من قبيل " عدالة يا عدالة ...يا عدالين الميل...اعدلولي ميلي ...حملي علي ثقيل..." ص84

باختصار شديد نقول أن رواية العدل إضافة شديدة التميز للنصوص السردية التونسية، إضافة تقول بوضوح إن الفن ليس لعبة لغوية مترفة، بل هو موقف وجودي ووجداني ونقدي، وتقول إن الكتابة الحق - تلك الجديرة بالإحترام- هي التي تنفذ الى صلب اللحظة التاريخية بفنية وبجرأة، وتلك الجرأة، هي قدر الكاتب الحقيقي الذي يتجاوز المحضور ليتحرر في اللغة والفكر .

ونؤكد في الختام أن النص لا ينفصل عن صاحبه، فهو من بعض أبعاد الذات المتجلية في بحثها وسؤالها وثورتها وانكسارها...نص الصدق في رثائه وهجائه وبوحه وشوقه، نص الدلالة على كاتبة أصيلة لا قدرة لها على الزحام في واقع كثر فيه الكتبة المزورون: الكتبة الحفاة، حفاة المعرفة وحفاة الفن، وحفاة القيم، وحفاة الأرواح ...

 فضيلة الشابي، وفية لبيان الكتابة ومسؤولية الكاتب، عانت ولا زالت تعاني في زحام التداخل والتناقض،تبحث عن عدل هو من السراب أقرب، في نصها كما في واقعها وواقعنا جميعا...//
 

 ملاحظة: كان هذا النص معرقلا ثم صدر بعد رفع الحضر على الكتب



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة