رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

ملحمة بغداد محمد الجابلي

ملحمة بغداد:

 

  - إن الحرب الدائرة في العراق بين الإستعماريين الجدد والمقاومة العراقية ليست مجرد معركة

  عسكرية ،إنها تضع مصير أمة في الميزان وتفتح المستقبل على مختلف الإمكانات ...كيف ينظر

  المثقف العربي إلى هذه الحرب ،كيف يتفاعل معها وما هي الإشكالات التي تثيرها في تقديره...؟

 

    في هذا العدد نستضيف الروائي  "محمد الجابليّ " للإجابة على مثل هذه الأسئلة :  (فتحي النصري)
658ima
 
إن كل الملاحم الكبرى في التاريخ البشري صنعتها شعوب كبرى،والعراق الآن بصموده يختط ملحمة العصر الحديث بكل إصرار واقتدار وإن إتفق الجميع في مستوى الإنشداد العاطفي والمشاركة الوجدانية مساندة لهذا التحدي الكبير فإن الكتاب والمثقفين ملزمون بقراءة أعمق لهذه الملحمة البطولية المقدسة -ونقول مقدسة- لأنها وحدت العواطف في سابقة لم تحصل في التاريخ البشري ،وأعادت الإعتبار لقيم ظن البعض أنها تلاشت أو فترت في ظل الدعاية الإستهلاكية وانتشار قيم السوق،فخاب مسعى المنظرين لنهاية التاريخ ونهاية الجغرافيا... أمام تأجج جديد وهبة جارفة لقيم تتداخل بل تتصاعد منها الأحاسيس ضمن دوائر متآلفة: منها الوطني ومنها القومي ومنها الديني وصولا إلى المطلق الإنساني في رفض يبشر" بعولمة النضال" ضد عولمة الإقتصاد ضمن إحساس متزايد بخطر التجار المسلحين الذين تسللوا من ثغرات الديمقراطية ليسودوا العالم ضد إرادة الشعوب وليعلنوا بكل جرأة ووقاحة مشاريعهم الجهنمية في مقايضة لم يألفها التاريخ البشري
 " مقايضة النفط مقابل الدماء "...
 

وفي كل الأحوال وفي كل النتائج ،فالعبرة حاصلة و الدروس كثيرة:دروس تتجاوز اللحظة لتصنع رمزا أو رموزا كثيرة ستظل فاعلة في التاريخ الحديث من أهمها : إحساس  عالمي بالإغتراب بدأ يوحد المشاعر والأفكار إنطلاقا من عدم طمأنينة جماعية ووعي بالخيبة واستشعار كارثي إنساني أساسه شمولية القطيعة بين رؤيتين متناقضتين للوجود: الأولى متمثلة في وحدة الإقتصاد مع السياسة مع القوة والنجاعة والثانية متمثلة في وحدة المشاعر مع القيم الجماعية الإنسانية...

 وهذه القطيعة ستصيب بل أصابت أولا الإنسان الغربي إذ نلحظ شرخا بين المؤسسة السياسية التي باتت تتكيء على المؤسسة العسكرية من جهة و بين المجتمع المدني بتشكلاته المختلفة من جهة ثانية وهي أزمة في اعتقادي شديدة الفاعلية لأنها ستفرض على الإنسان الغربي إعادة النظر في رؤيته للمنجز الديمقراطي الذي كان يفخر به ..وهذا الإغتراب يذكر في أبعاده الفكرية بما حدث بعيد أزمة 29 وإشتعال الحرب الإمبريالية الأولى ونشوء دوائر المراجعة والنقد وولادة الوجودية والعبثية والسريالية كتصعيد لمجمل الإستفهامات الجديدة حول الوجود ومصير الإنسان فيه، وما نراه الآن من رفض للعدوان يبشر بعصيان مدني أو بما يشبه الإنتفاضة الشعبية العالمية ويؤكد رفض الوجدان الشعبي والضمير الإنساني لتشيئ الإنسان  واعتراض جماعي على إرهاب عالمي جديد بزعامة تجار النفط والسياسيين المعسكريين  ...

وفي المستوى الآخر ستتنامى عزلة أمريكا وستكون غلبتها -إن حصلت- هزيمة لأنها ستكسب النفط مع كره حقيقي يجعلها مجسدة لنزعة "فاوستية " أساسها التحالف مع الشيطان من أجل القوة...وستكون بذلك زعيمة الهدم لكل المنجز القيمي البشري وزعيمة الخروج عن المنجز الحقوقي العالمي عبر هدم مؤسساته وتهميش فاعليته في سبيل العودة الحثيثة للبدايات المتوحشة للإنسان...
 

أما في مستوى الوعي العربي فأعتقد أن الشعور بفشل الزمن السياسي العربي بلغ مرحلة قصوى لأن الأنظمة العربية –على اختلافها- تجردت من كل مشروعية وباتت متخلفة عن الراهن بل إن مجمل ما نعيشه الآن من انهيارات هو من نتاج انحرافها وعدم تقديرها لمسؤوليتها إزاء شعوبها ،ومن الواضح أن الإستعمار الجديد والمباشرعاد ويعود من خلال هذه الأنظمة التي لم تحترم الإنسان العربي ولم تؤسس ما يطمأن إليه في مستوى الإقتصاد أو الإنماء أو الحريات ...

والدرس الأكبرفي الوطنية يصنعه الشعب العراقي بعزيمته ودمائه وبكل فئاته فالمعارضة العراقية تجاوزت فخاخ الخلط بين المصلحة والواجب ، وتصدى كل الشعب للعدوان و تزاحم آلاف العراقيين من مختلف الإنتماءات عائدين إلى وطنهم قصد المشاركة في ملحمة الدفاع - ومنهم من كان مبعدا أو محكوما ومطاردا-وفي ذلك تتجلى العبرة الأكبر: عبرة للغزاة الجدد  أن الوطن ليس ملكا للأنظمة أو للأحزاب الحاكمة وأن الشعوب – رغم آلامها- ترفض التدخل في شؤونها لأن الأنظمة زائلة والبقاء للوطن وحده...
 

وطول الصمود العراقي ووحدة الإحساس الوطني قد خيبا أمل المستعمرين مما جعلهم يتدرجون من محاربة شخص إلى محاربة نظام إلى محاربة شعب و ستتطور أبعاد ملحمية قريبا لتكون حرب أمة وحضارة وتاريخ وقيم وستصبح بغداد قريبا قبلة المناضلين من كل أصقاع الأرض تتاح فيها للبشرية فرصة الدفاع عن قيمها ضد نزعة الشر المتمثلة في العولمة وتجارالحروب...

دروس كثيرة في ملحمة بغداد آفاقها إيجابية رغم غلاء الثمن...آن للكتاب والمفكرين والمبدعين أن ينظروا للعالم وفق منظور جديد وأن يتأملونه وفق أبعاد تفاؤلية  يمكن أن تؤسس أفق إنتظار جديد  ...//    

مجلة الطريق الجديد   

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة