محمد الجابليّ
اصحيّن تونسي وإلا اصحيّن كفتاجي من إعداد الدكاترة محمد وصالح وعمر
أعتقد أن الشأن الثقافي يعني الجميع خاصة إذا اتصل الأمر بعمل توثيقي أو ما شابه التوثيق، وخاصة إن صدر عن مؤسسة يفترض أن تؤسس لذاكرة وطنية مثل مؤسسة بيت الحكمة لذا ارتأيت أن أساهم برأي في مجلتكم التي عوّدتنا بجرأة الطرح وقبول الرأي المختلف . إن عدم إنتمائي للكتاب قد يبعدني عن التعصب ومتابعتي للساحة الثقافية منذ عقود قد تبرر تحفزي لهذه المساهمة ...
علمت بمبادرة بيت الحكمة منذ أسابيع عندما أطلعني صديق من الكتاب على رسالة مهذبة موجهة لشخصة " للإعلام أو للإستشارة " فهنأت صديقي ومن خلاله كل الكتاب بهذه المبادرة المتميزة وقلت في نفسي " لقد قررت أخيرا بيت الحكمة أن تخرج من السرية إلى العلن " لأن كل مشاريع هذه المؤسسة الوطنية – على حد علمي- مؤجلة باستثناء أعداد متواضعة الطباعة والإخراج و مشوشة المحتوى لما يسمى "بالموسوعة التونسية" أو مساعدتها على نشر بعض الكتب والمختارات القليلة دون تصور واضح أو إنتقاء موضوعي .
لكل ذلك تطلعت لهذه المبادرة وعند متابعتي لقائمة الكتاب على صفحات مجلتكم زال الحماس وحلت محله أسئلة لم أجد جوابها فقررت الإنتظار لعل الجواب المقنع يأتي من ذوي الخبرة والإحتراف الثقافي وبصدور العدد الجديد من الملاحظ انتبهت إلى الحوار المطول مع محمد صالح بن عمر بصفته المشرف على هذا العمل ومنيت النفس بجواب مقنع على بعض أسئلتي لكن بعد قراءته رددت المثل السائر" نكء الجرح بالجرح أوجع" والنكء هو القشرالذي يغطي الجرح قبل برئه.
- يبدأ الخلط الأول من التسمية " أبرز الشخصيات الأدبية..." ووزن أفعل يفيد التفضيل كما لايخفى على المشرفين والتفضيل هو انتقاء عسير لبعض من كل وفق مقياس دقيق، فلا يمكن ولايعقل أن نختار 116 شخصية إلا إذا اعتقد المشرفون- تسامحا منهم- أن عدد كتاب تونس هو بعدد الذين يجيدون القراءة والكتابة اولئك الذين حاربوا الأمية وأحسنوا " فك الخط "؟
- الخلط الثاني في الجمع الإعتباطي بين أسماء وأجيال ومقدرات إبداعية وفكرية لاتجتمع وفق أي مقياس إلا إذا كان القصد تمييع الطاقات المتميزة عبر خلطها المقصود وإحباط المبدعين والباحثين الجادين وإدراجهم ضمن عموم الكتبة ونحن مبدئيا ننزه اللجنة عن هذا القصد وقد يكون عذرها في هذا الخلط إعطاء الكتاب المتميزين درسا في التواضع - حتىلا يستنكفون من الوقوف جنبا إلى جنب- في صف إخوانهم من الكتاب محدودي البصيرة والموهبة .
- الخلط الثالث في إهمال عدد كبير من الكتاب المتميزين والباحثين الجادين ولا ندري لماذا لم يشملهم هذا المسح العام لعموم الكتاب؟
- الخلط الرابع في ردود محمد صالح بن عمر على أسئلة محمد المي في الملاحظ 11/12/2002 فأجوبته وضعت الأشياء مواضعها والحق يقال وأعتقد أن التساؤلات ستختفي بعد تفحص تلك الردود لأنها أكدت على" نظرية الكفتاجي" وضرورتها لذاكرة الثقافة الوطنية، فقد ترددت في أجوبته مصطلحات متناقضة ( العلمية ، باحث علمي،نزاهة ،موضوعية، في تقديرى ،في اعتقادي...اخترت ، اعتمدنا،إشترطنا، تسامحنا..) وهو يذكر بقول النفري " كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" ورؤية أستاذنا إتسعت فوسعت كل شاردة وواردة في الساحة الثقافية " وهو لايقيم وزنا للرأي العام الثقافي لأنه باحث علمي ...لايجلس في المقاهي..." (أنظرالحوار) ثم قال مبررا إدراج" كتاب حفاة" ضمن المختارات " ...هو ناقد جدي ملم بالمنهج التداولي...يبذل جهدا كبيرا ...شارك معي في عدة ندوات.." والكلام لايحتاج إلى تعليق لأنه بين العلمية والتقدير أو هو من علم جديد هو "علم التقدير" تدخل فيه المجاورة والمشافهة والرواية والدراية والحدس وما هو كائن وما يمكن أن يكون ...ومن أقواله " أن المختارات ليست معجما ولا يقصد منها الشمول والإحاطة بل بقدر ما يصغر حجمها ويقل عدد المختارين فيها تكون أحسن وأكثر مصداقية " ولاحاجة أيضا للتعقيب فالبلدان الأخرى تنجب شخصية إبداعية أو فكرية خلال قرن وتظل تفاخر بها ونحن بحمدالله أنجبنا 116دون من بقووا في قائمة الإحتياط ؟ والأرجح أن أستاذنا الفاضل له مقاصد إستشرافية تستبصر القدرات الكامنة في الكتاب الشبان وهو بذلك يتطلع إلى ما سيكون لا إلى ما هو كائن ؟ أو ربما اعتمد حساب الجمل التنجيمي فتكون حصيلة 116 هي ( 6+1+1=8) فقط أراد بطول قائمته تشجيع الشباب حتى يجتهدوا والكهول حتى يتماسكوا والشيوخ حتى يتواضعوا...لأن الوطن يتسع للجميع ورؤية أستاذنا كذلك، فقد أكد في أخريات حواره على مبدإ الصرامة العلمية وذكرني بقصة طريفة لعلها للمازني"سروال عبد الرحمان " الذي تحول من الطول إلى القصر أو قصة الحذاء الصيني الذي يلزم القدم بأن تكون على مقاسه ...
فأستاذنا اختار فريق الشعراء فكان العدد العلمي 70 أي ثلاثة أرباع إجمالي أفضل الشخصيات ومن نافلة القول أن كثرة الشعراء هي من أعرق علامات تقدم البلدان ، وله الحق في ذلك فهو ومنذ أن أزاح عن" صدره صخرة الإيديولوجيا" - حسب تعبيره في حوار إذاعي- وهو يختص ويدقق في الجمالية الخالصة ويبتكر الظواهر الثقافية التي كنا محرومين منها وله كل الفضل في " شعر التسعينات " الذي سيبقى رغم الداء غرّة في جبين ثقافتنا ...وعلى قاعدة الضرورات تبيح المحضورات أسقط منهم 14 أو أبقاهم ضمن الإحتياط ،واستقرت العلمية علىعدد 56وهويوافق تاريخ استقلالنا التام ...
أما كتاب السرد وقد عرفوا بالتواضع فكانوا 50 في المقياس العلمي ثم أصبحوا 31 بعد أن فعل فيهم المقص فعله ( أعني المقص في قصة سروال عبدالرحمان) وبقي منهم في الإحتياط 19 . والنقاد كذلك منصرفون عن الساحة وبعضهم على قدر من الغرور والتعالي فكانوا فئة قليلة في المقياس العلمي 40 ثم طار منهم النصف لتستقر العلمية على 20 أما المسرحيون فقصتهم مأساوية مع المقياس العلمي إذ تحولوا من 15 إلى 7 وطار أكثر من نصفهم ...
وسبب ذلك حسب أستاذنا " أن يكون للكتاب حجم معقول وهو الحجم العادي لأطروحة دكتوراء دولة حتى لايرتفع ثمنه إلى درجة مشطة فلا يقتنيه أحد" وهذا القول لا يحتاج إلى تعليق كفانا أن معقولية حجم الكتاب عصفت بكل المعقوليات الأخرى ؟ فهل يجب أن نضغط شخصياتنا على قدر حجم أوراقنا على قاعدة " على قدر لحافك مد ساقيك"؟
كنا نود أن يواجه عمل كهذا بقدر من الجدية والصرامة لما له من أبعاد في الحاضر والمستقبل وعزاؤنا أن الذاكرة الثقافية لا يصنعها حبر الورق بقدر ما تصنعها نصوص فرضت وجودها عند القراء وتخطت حواجز الوسطاء...
وفي الختام نشكر بيت الحكمة على صنيعها ونشكر اللجنة الموقرة لأن الكّتاب في حاجة إلى لفتة معنوية وكل نواقصها زائلة أمام ابتسامة واثقة من شاعر واعد أو من مثقف يتابع الندوات لأن السماع والإستماع هما من شروط أفضل شخصياتنا الثقافية ...
ونرجو من كتابنا الحقيقيين الذين وجدوا أنفسهم في الكفتاجي أو الذين نجووا منه التسامح لأن العلمية تقتضي تضحيات ...
أبو البقاء: مجلة الملاحظ
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية