
كاتب يغري قارئه بمغامرات الجوسسة ليقوده إلى التفكير في قضايا الوجود والعولمة
خالف محمد الجابلي عادة كتاب الأدب اللذين يتمرسون بكتابة القصة القصيرة وغيرها من ضروب السرد قبل التحول إلى الرواية فبعد أربعة مؤلفات إتصل فيها البحث بقضايا الفكر والتراث وهي الحنين البدائي والعقل والذاكرة ونظام الرواية الذهنية وشهادة الغائب أصدر روايته الأولى مرافئ الجليد عن دار آفاق للنشر والتوزيع... الرواية أرفقت بدراسة لكمال الزغباني وتوزعت أقسامها على البداية وسبعة فصول هي جبل الثلج والعلامة والرمز وظلال الماء والعين الزرقاء وابتسامة الموناليزا ووان مانشو والعاصفة وما قبل النهائية.
الكاتب يوقع بقارئه :
قلنا في البداية أن محمد الجابلّي خالف العادة وعكس التوقع حين أصدر روايته الأولى بعد مجموعة من المؤلفات الفكرية ولكن القراءة الأولى للرواية تؤكد أن الجابلّي لم ينقطع عن مشاغله الفكرية بمختلف مصادرها وتطلعاتها فالرواية عنده فضاء سردي وتخييلي للتفكير في قضايا الوجود الإنساني في مختلف جوانبها التي تمتد من السؤال عن الموت إلى التفكير في العولمة وكما هو الحال في أعمال الكاتب التشيكي "ميلان كونديرا" والكاتب الإيطالي "أنمبرتو ايكو" وقبلهما الكاتب العظيم "بورخيس"
يتوسل الجابلّي بصنف السرد وألاعيب القص والتشويق ليصوغ خطابه الروائي الفكري والفلسفي والشعري في تأمل الموت والحب والخواء ولقد بدا لنا الجابلي أقرب إلى ّامبرتو ايكو" في هذا التوجه حيث يعود إلى استثمار ما يصطلح عليه بالرواية الشعبية "البولار" بختلف تعبيراتها : رواية الألغاز والمغامرات والرواية البوليسية أو الخيال العلمي... فمرافئ الجليد تنهض في بنيتها السردية العميقة على ما يشكل المادة الأكثر استخداما في روايات الألغاز والمغامرات بما يمكن قارئ الدرجة الأولى بعبارة "ايكو" من الاستمتاع بمغامرة عالم انثروبولوجيا امريكي يعشق الشرق منذ طفولته ويجد نفسه مستغلا من قبل وكالة أمريكية مشبوهة تتآمر على ذلك الشرق وتستعمل أبحاثه العلمية وتجاربه الشخصية في ذلك. من بيروت الحرب الأهلية إلى روما وفينيسيا ثم القاهرة ينتقل مستر جون براون أو لنقل ينقل بتخطيط من الوكالة بأسماء وهويات وأهداف مختلفة ويتابع معه القارئ الشغوف بالمغامرات ما يدور حوله من صراعات العملاء والجواسيس وما يعترضه من مفاجآت ومن محاولات تغيير وجهة.. هكذا يجد القارئ المدمن على مثل هذه النوعية من الروايات نفسه في فخ الكاتب ومثلما أوهم "امبرتو إيكو" بأن "اسم الوردة" رواية بولسية والحال أن البوليس ليس سوى درجة أولى من درجاتها المتصاعدة يفعل محمد الجابلّي نفس الشئ وينجح في ذلك.
المعرفة مقترنة بالسلطة والاستعمال الإيديولوجي
لا ينبغي أن يفهم من تعليقنا هذا أن الجابلي إستعمل فن الرواية كتعلة أسلوبية لممارسة التفكير أو أنه استدرج القارئ بمغامرات "مستر جون براون" ليقول خطابا أكثر عمقا ورفعة بل العكس تماما فهو شديد الحرص على تحقيق الشروط والمقومات الفنية الضرورية للرواية من حيث بناء الشخصية وصياغة الوضع الدرامي وتركيب الأحداث ولكنه باعتبار القضايا التي أرقته وأراد الخوض فيها من صراع الثقافات والحضارات أو حوارها ومن الإستعمال السياسي والمخابراتي للمعرفة ومن قضايا العولمة والخصوصية والفراغ الروحي والثقافي الذي بات يهدد الإنسان المعاصر وجد في حكاية الاستشراق القديمة والحديثة مطية مناسبة فمنذ القرن الثامن عشر وإلى حد اليوم ما يزال الشرق ينظر إلى المستشرق الأمريكي أو الأوروبي بعين الريبة والحذر برغم ما عرف عن الكثير منهم من موضوعية ونزاهة وحب صادق للثقافة العربية بلغت ببعضهم حدّ إعلان اسلامهم وها أن "جون براون" عالم الانثربولوجيا الامريكية وبرغم حرصه على نزاهة بحوثه ومهامه يجد نفسه عميلا لإحدى الوكالات المشبوهة وغير قادر على الفكاك من ورطته بعد أن مضى أشواطا كبيرة في اللعبة التي دخلها ببراءة وسذاجة في تصديق الآخرين.
ولقد عرف الجابلّي كيف يجعلنا نتعاطف مع ضعف وتردد "مستر براون" وكيف نرى في محنته وفي النهاية التي وصل إليها دليلا آخرى على أن المعرفة مقترنة دائما –كما أكد ذلك ميشال فوكو- بالقوة والهيمنة والاستعمال الإيديولوجي والسياسي.
تردد وصراع بين السارد والبطل :
قلنا أن للرواية بنية عميقة تردنا إلى عوالم روايات الألغاز والمغامرات وعالم الجوسسة وبنية ظاهرة لا تكف عبر عديد الإشارات عن تأكيد رسوخ حكاية "جون براون" في فن الرواية فهي شخصية كما يؤكد ذلك فصل البداية على سبيل التمهيد اشكالية متمردة "رفضت أن تكون كما هي بعبارة كامو" وقد حملت بذلك بذور الشخصية الروائية التي تتناقض جوهريا مع تلك الشخصية التي وصفها الكاتب بسخرية مرة في فصل البداية ومما يقوله عنها :
"قد تسمع الكثير من مغامرات الحياة وكلها تجعلك تلتصق أكثر بألوان بيتك وعيني زوجتك وقرارات رئيسك ص7" وقد كان "مستر براون" صورة مناقضة لذلك كله فهو عالم متخصص في الأنثروبولوجيا ومثقف نذر نفسه للمعرفة وغادر طمأنينة بلده ليلقي بنفسه في أكثر المناطق توترا في العالم، طيب يضحي من أجل الجميع، الكل ينبهر من طريقة حديثه واطلاعه على التراث الشرقي بل كادوا ينصبونه قديسا ويرون فيه مسيحا عاد إلى شرقه الدافئ يعد طول اغتراب في صقيع الغربي. وباعتبار حرص المشغلين الجواسيس على منع عملائهم من أن يقع في الحب فقد نقل جون براون من بغداد حين أحب "عزة"، ونقل من بيروت إلى روما حين تعلق بـ"كريستين" واختارت له الوكالة فتاة لتؤنسه في مقر إقامته بفينيسا ولتحميه من عملاء العصابات الأخرى يقول "مستر هاردي" الرجل الأول في الوكالة التي تكفلت بتجنيد "جون براون" : "يمكنك أن تفعل كل شيء هناك لكن لا يمكنك أن تحب ص 46".
كان "براون" الشخصية الرئيسية في الرواية مترددا يحمل تناقضه من الداخل وقد قدمه الكاتب مستخدما أسلوبين أو ضميرين للسرد، ضمير يطابق الآنا الأعلى المراقب لسلوكه والمعاتب له والذي لا يكف عن فضح ضعف "جون براون" وتواطئه غير المعلن مع مشغليه في والوكالة وسذاجته في قبول تغيير اسمه وهويته لأهداف بدت له انسانية أو انسانوية ولطلما ارتكبت جرائم باسم هذا التوجه الأنسانوي في الظاهر والشيطاني من الداخل وضمير يطابق الآنا : "أنا جون براون" الذي لا يكف عن إدانة الحضارة والعالم المعاصر وتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في مستقبل الإنسانية ليبرر بذلك تورطه وانتهازيته ولقد صاغ ذلك بأسلوب نافذ حين يقول : "الفرق كبير بين أن تسلب انسانا ما نقوده في لعبة مقامرة كان قد انساق إليها وبين أن تسرقه تلك النقود ففي الحالة الأولى سيكون على شيئ من الإقتناع لكن في الحالة الثانية سيدينك وينتصر لنفسه ويتحول إلى الحقد المدعوم بإدانة أخلاقية بفعل السرقة... نريد أن يشاركنا العالم اللعبة عن طواعية ونكون نحن الأقوياء فيها وأنت تعلم أن المقامر مهما خسر سيشده أمل الفوز وكلما توغل في الخسارة ازداد عنادا وتعنتا وقل انتاهه لقانون اللعبة ص69".
مرثية الإنسان وانحدار العالم :
وبين ضمير السارد الأنا الأعلى وضمير المتحدث الأنا يسقط جون براون صريع كل شيئ يقول مرددا دلك "عندما أصبحت وحيدا ووددت أن تصرخ أو تلطم رأسك بالجدار وأيقنت أن فكرة النقاء هي فكرة مستحيلة وأن الشر ينقدح فيولد شرورا وأن رحلتك كعالم كما تزعم لنفسك وللآخرين باتت نكتة سمجة لا تقنع حتى الأطفال وأن آلاف الدولارات التي أنفقتها دون حساب هي تذكرة إلى هاوية لا قرار لها وأحسستَ أنك متواطئ مع وضعك بل أسهمت في صنعه ص74" ويمضي مستشهدا بكل الدلائل التي تؤكد تورطه فيتداعى في الحديث عن طفولته المحرومة وانتمائه للطبقة الوسطى ليبرر ما حصل له ويمضي إلى تأملات في الصدق والزيف والحب والبطولة والعولمة وسقوط الحضارة وموت الإنسان وحقيقة الشرق.. ومن أمثلة ذلك قوله : "ألا ترى أن الشرق في تاريخه لم يخضع لغير الأنبياء والشعراء والكهنة والمجانين ص47" أو قوله : "غندما تنظر في التاريخ يصيبك هلع لأنك تلقى الفضيلة دائما ضعيفة متذللة تتمسكن في ثوب الرعاة والمتسولين والأنبياء في حين تبدو الرذيلة أشد رسوخا متجددة في عنفوانها أبدا تجللها التيجان والأوسمة والإبتسامات الواثقة، منذ الأزل والألسنة تلهج فتلعن الشيطان وتذكر الاله لكن ما ينتج أن الشيطان تضخمه اللعنة في حين أن الله يميته الذكر ص53" أو قول "مستر هاردي" عن السفر "السفر يبهج العقول الفارغة فهو يصلح للأطفال والنساء أما أنا فإني أجلب العالم هنا في مكتبي ص 55" ولا تفوتنا الإشارة إلى أسلوب الجابلّي في بنائه لفصول الرواية حيث ينتهي كل فصل بمقطع شعري لإليوت أو روبنسون أو وايت مان أو ازرا باوند أو أكس ليكون الشعر مرثية لما وصفه النثر من انحدار للعالم والإنسان.
رواية مرافئ الجليد مرثية للإنسان والعالم : مرثية تذكرنا بالأرض الخراب أو الرجال الجوف لإليوت وقد صاغها الجابلّي بأسلوب روائي مختلف عن السائد من الروايات التونسية، أسلوب يتجه إلى أفق أرحب في طرق القضايا التي باتت معولمة في كل بلدان العالم دون أية لهفت متسرعة على العالمية السطحية وهي أي الرواية تمثل إضافة متميزة لمدونة الرواية التونسية والعربية.
كمال الشيحاوي الصحافة الثقافية
الأربعاء 9 ماي 2001









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية