#الجذور
قصة من مجموعة -شهادة الغائب-
لاشيء ينفلت من سطوته،لم أكن أتصور أن الموت يدركه كالآخرين،ظل ماثلا في أذهان الكبار والصغار، كاللغز، كأسطورة ممتدة الجذورأحاول مجابهتها بوعيي فتزيد تغلغلا في لاوعيي...
شاركني الجميع في حبه،لكن جدي كما أعتقد كان قد خصّني وميزني عن الآخرين،ربما لأني كنت الوحيد في العائلة الذي لم ينقطع عن الدرس،كان يوليني اهتماما خاصا ويحدثني كما كان يحدث صديقه الحميم (الحاج موسى).
كان يسألني عن درس التاريخ خاصة، وكثيرا ما كان يرمي بالكتاب في وجهي، أحتجّ بأقوال المعلم فيصفّرمستهزئا، ذلك الصفير الذي ألفته وكثيرا ما أعبّر به أنا أيضا عن استهانتي بشيء من الأشياء، كان شديد الإعتداد بنفسه يعتقد أن الخطأ لم يوجد لأمثاله، وبمرور الأيام زرع فيّ ذلك الإعتداد وذلك الإعتقاد فأصبحت أصدق أقواله وأغلق عليها دماغي الصغير، ذلك أني في يوم ما أجبت إجابة صحيحة عن سؤال التاريخ، فبُهت المعلم واستفسرني عن الكتاب الذي أخذت منه تلك المعلومة ولما أعلمته أن جدي هو الذي حدّثني عن تلك الوقائع التاريخية، أطنب المعلم في مدح حكمة الشيخ ومعرفته، مدحه أمام أقراني فاشتدّ فخري به وأصبحت أصدّق خيالاته وحتى أوهامه.
لن أنسى كدلك أن هذا الجد الذي طالما افتخرت به في المدرسة، قد جعل مني مسخرة أقراني وأساتذتي خاصة في سنتي الأولى من التعليم الإعدادي، كنت أعارض المسلمات التاريخية وأخلط أحيانا بين الخرافة والعلم وبين الحقيقة والوهم:
أذكر ما حصل ذات يوم عندما حدثنا أستاذ التاريخ عن الحضارة الرومانية وعن آثارها في بلادنا مستشهدا "بقصر الجم" فاندفعت أعارض بحدة قائلا:
- إن قصر "الجم" بنته "الكاهنة" تلك المرأة البربرية العملاقة...التي كانت تبني الطابق العلوي من القصر، وكلما بكى إبنها الرضيع الملقى على الأرض كانت تمدّه بأحد ثدييها ليرضع دون أن تتحول عن موضعها...
ولن أنسى ردة فعل الجميع:أغرق الأستاذ في ضحك متواصل، وضج رفاقي يرمونني بالجنون والسذاجة، فغُصت في مقعدي متفاديا سهام السخرية...
ورغم هذه الحوادث الأليمة لم أفكر يوما من الأيام في التخلي عن منطق جدي، بل لن أستطيع حتى لو فكرت وحاولت لأن ذلك المنطق يسحرني بخلطه بين الحقيقة والوهم خلطا محكما، حتى أني وبعد أن أصغي إليه لن أستطيع التفريق بين ما هو واقع وحقيقة وبين ما هو وهم وخيال.
عندما يحدثك جدي يصبّ فيك قناعاته صبّا مُحكما، لأن سهام عينيه تنفذ قبل كلماته وتمهد لها السبيل...
لا يجرأ أحد على معارضته أو مقاطعة حديثه إلا جدتي أحيانا، فكانت تُثيره وتُحسن اختيار فرصة التدخل ولو بكلمة واحدة، تقطع بها حبل كلامه،حتى يغتاظ ويهددها بعصاه-تلك العصا- التي إلتصقت بصورته في ذهني، إلى حدّ أنني لن أتصورجدي بدون عصا ولا عصا بدون جدي : كان يهدد بها في خصوماته الكثيرة، وينبش بها الأرض حينما يُطرق مفكرا، ويقرع بها الباب عندما يجده مُغلقا...
قلت أن جدتي هي الوحيدة التي تجرأ على مقاطعته، بذكاء وحذر شديدين، فيثور جدي ونثور نحن كذلك لأننا غالبا ما نكون مشدودين إلى شفتيه وقسمات وجهه الأجعد وكأننا أمام شاشة سينما أو تلفاز: في لحظات نرى الغضب يرتسم في ملامح وجهه، ونرى حافتي شنبه ترفّ كهرّ متحفّز، ثم نرى الفرح والبشر والإبتسامة الساحرة، فتضيق عيناه، ويتفرّش شنبه كجناحي نسر هرم... يُصفق جدي أسفا أو طربا، ويرفع عصاه إذا كان المشهد الحكائي فيه بطولة أو تهديد... يُغرقنا في عالمه المتغير فننام نهضُم ما سمعنا ونصبح على خيالات تلك المشاهد التي جسّدها أمامنا...
كان لايتحرج مني- بل كان لايخجل ولايتحرج من أجد- وكثيرا ما كان يروي في حضوري قصصا إباحية ومغامرات مع نساء كثيرات، وكلما حاول (الحاج موسى) صرفي عن مجلسهم اليومي قال لع زاجرا:
- أتركه يا حاج، أتريده أن يصبح مثل إبنك "لزهر" ما يفرّق بين القرعة والبطيخة؟ أريده أن يكون مثلي هو الذي سيخلفني...
ويقاطعه الحاج موسى مُحتجا:
- والله يا شيخ إنك دخلت عمر الكلب، هذا كلام تقوله أمام حفيدك؟ تريد أن يتعلم المفاسد منذ الصغر، أم تريد...
ويسكته جدي بلسانه السليط:
- ما خرفت كان إنت يا حاج، تحسدني على حيوية قلبي، آش ريت في حياتك، عشث تاكل وتروث كالحمار، تجمع وسخ الدار الدنيا، ستموت وسيقولون "مات كلب"...
وبعد هذا الشجار المعتاد يصمت الحاج موسى ويواصل جدي حديثه:يبدأِه بالمرأة وينهيه بالحرب، المرأة والحرب موضوعا جدي الأساسيان، كان يُقسم النساء إلى ثلاثة أجناس لاغير (الشقراء والسمراء والسوداء) زمن خلال حكاياته المتكررة، عرفت أن الشقراء هي الأوروبية، والسمراء هي العربية، والسوداء هي الزنجية:
السمراء يا حاج موسى، حصنها من طوب إقترب منها تنهار أمامك وتزول كل حصونها وقلاعها...أما الشقراء – شيء آخر- تظنها في البداية دون قلاع أو حصون...لكنها صعبة مثل "موتور القاز" ما يشتغل كان بعد التسخين، لكن متعة كبيرة يا حاج...أما السوداء مثل "موتور البنزين" يلهب لهبان، من هو الفارس الذي لايسقط من فوقها...إيه يا حاج المرأة كيف الأرض، نخرج منها ونركع فوقها ونغوص فيها ونختلط بثراه يحاول الحاج موسى استفزاز جدي فيقول له:
- لو كان فيك خير ما كنت ضيعت وسام الشجاعة اللي نلته في حرب 14.
نال جدي وسام الشجاعة من الجيش الفرنسي، لأنه أسر بمفرده مجموعة من الإيطاليين باغتهم أثناء نومهم، وساقهم أمامه، أما الوسام فقد أعطاه جدي لتلك الشقراء التي لايعرف اسمها، يذكر فقط أنه قضى معها ليلة حمراء، طلبت منه النقود فرمى لها بذلك الوسام الذهبي...
جُند جدي ضمن مشاة الجيش الفرنسي قبيل الحرب العالمية الأولى، وطالما افتخر بحسن تصويبه الرصاصة إلى صدر العدو، لم يتعلم ذلك في الجيش، بل هي موهبة طبيعية كما كان يؤكد قائلا:
- دخلت "لارمي" وبدأ التديب...كان معي (صالح العجمي) رحمه الله – يضحك طويلا ثم يواصل- لم يستطع أن يصيب الهدف ولو بحبّة واحدة، فوبخه "اليطنة" وفي اليوم التالي أراد أن يدقق التصويب، فقتل حمارا كان يرعى في اتجاه الهدف، أما أنا من أول طلقة والله ياحاج أصبت وسط "النيشان" وعندما رجعنا من التدريب استدعاني (الكماندة) وسألني أسئلة كثيرة:"أين تعلمت لرماية؟ هل تدربت سابقا؟هل انخرطت في الجيش العثماني...؟؟
- كنت عدما يجري الدم في عروقي بشدة خاصة في فترة الشباب أركض بدون هدف كالمجنون –المرأة نصف الدنيا (ياحاج موسى) كنت في الجيش الفرنساوي –يمر على شهر وآخر دون ان أرى شبح الأنثى، فتراني كلما التهبت الذكورة في جسمي أركض مسافات طويلة حتى أسقط على الأرض وأحيانا تراني أدور بالثكنة وأدق الأرض وأنهق كالحمار الهائج وأخور كالثور الذي لم يرّ النور طول حياته، عندما يسيل العرق من كامل بدني أسقط على الأرض قيصمت ذلك الصوت الرجولي الملح –سبحان الله يا حاج- التعب عندما يحل في الجسم يفقده كل رغباته، تسيطر عليه فقط تلك الرغبة الملحة في الراحة وفي الاسترخاء السريع".
يداعب (الحاج موسى) ذقنه ثم يبتسم مشجعا جدي على ماصلة حديثه الذي غالبا ما تتخلّله لحظات صمت يستجمع فيها الجدّ ذكرياته.
ثمّ يُخرج جدّي حقة نشوقه ويضعها في يده اليمنى، فيتحرك إبهامه ويلتصق آليا بالنصف الأعلى للحقة بينما تضغط سبابته على النصف الاسفل فتنفتح دون أن ينظر إليها –يحرر عصاه من قبضة يده اليسرى ويسندها على ركبته- يحرك يده ببطء وبدقة فتستقر أصابعه وسط الحقة وترتفع يده برتابة فيستنشق أولا بهدوء وكأنه يشتم وردة شذية، ثم وبشخرة واحدة يُنهي ما بين أصابعه، إذاك تكون يده اليمنى قد أغلقت الحقة وأعادتها إلى جيب قميصه الكبير وتكون قد أسرعت بالمنديل تزيل ما علق على شنبه من نشوق. وتعود اليد اليسرى للعصا بينما يبتسم جدي ابتسامة عريضة تباعد بين جزئي شنبه الطويل فيظهران كجناحي نسر صغير يحاول الطيران ثم يستأنف حديثه :
- الفرنساوي قواد يا حاج موسى ، والله عاشرتهم جميعا من الجندي إلى الجنرال فما وجدت فيهم رجلا، كنت عندما يشتد بي الشباب أجري وأركض فناداني (الكماندة) بعد ما عرف أمري ومازحني بقوله : "لو سافرت معي لقدمتك أحسن هدية لزوجتي" فانصفرت ولم أؤد له التحية العسكرية، فأمر بحبسي مدة طويلة.
يُصغي الحاج موسى إلى حديث جدي ويبتسم وانفجر مرة ضاحكا ومصفقا بيديه، وقال عندما نظر له جدي متسائلا :
- تذكرت حكاية هروبك من العسكر الفرنساوي وكيف أنك مثلت معهم دور المجنون، ولله إنك ابليس في الزور والبهتان.
سرّح جدي بصره في الأفق وهز رأسا أثقلته الذكريات وقال :
- أه لو لم أمثل دور المجنون لأعدمي أولئك الخنازير، لم يفهموني عندما حكيت لهم حكايتي بصدق وحكموا علي بالإعدام لأن التهمة خطيرة كما يسمونها –الخيانة والتعاون مع العدو- حتى أنت لم تفهمني يا حاج، تلك المرة الأولى التي تصرفت فيها بشهامة... قاطعه الحاج موسى بقوله :
- - والله إنك مجنون بحق لو كنت مكانك لما أطلقت سراح خمسين جنديا (طلاين) لا دين ولا ملة وزيادة على ذلك هم أعداؤك في الحرب...
أسكته جدي بإشارة من يده وواصل :
- ولله ما كنت لأطلق سراحهم لولا ذلك الناي العجيب سحرني أحدهم –ابن الكلب- سرحني بنايه، ظل يعزف ويعزف إلى أن تحرك كل شيء : البناء والنبات والانسان، الكل تمايل على أنغام ذلك الناي، نسيت نفس ونسيت أني جندي أحرس أسرى الأعداء، نسيت كل ذلك واندفعت وسطهم أرقص لأول مرة في حياتي، ولله يا حاج أظن أن الدنيا هي التي رقصت وتمايلت بي، هم كذلك لا تظن أنهم فكروا في الهرب وماذا يعني الهروب أو الأسر أو الموت في تلك اللحظات ؟ نسينا أنفسنا وبقينا لا أدري كم ساعة على تلك الحال وكأننا دراوش في حضرة سيدي عبد القادر، ولما أخذ منا التعب مأخذه تهالكنا على الإسمنت وبقيت أنا مدة لا أعي ما حولي، ثم قفزت فجأة أفتش عن مفتاح المعتقل في جيوبي فلم أجده فصُعقت... امتدت نحوي يد صاحب الناي –ذلك الإيطالي الأشقر- مدّ لي المفتاح وابتسم فانتشلت المفتاح من يده بسرعة وبقيت أتأمل ملامح وجهه، لم تعد تستفزني نظرته الزجاجية الزرقاء ولا لون بدلته العسكرية، أحسست أنه قريب مني رغم كل شيء فحاولت أن أسأله أسئلة كثيرة : (هل له أخوة مثلي ؟ هل له حبيبة ؟ هل له زوجة وأطفال ؟ هي يسكن القرية مثلي ؟ كيف تعلم عزف تلك الألحان الجميلة الخلابة ؟ هل كان مثلي يرعى الغنم وينفخ تلك الألحان السماوية من نايه العجيب... ؟). تحركت شفتاي وتحركت كذلك شفتاه ولكننا لم نتفاهم فبدت الحسرة على وجهينا، والله يا حاج لو سألتني في تلك اللحظات عن أعز أمنية عندي لطلبت فورا التخاطب والتفاهم مع ذلك الإيطالي، أحببته بل اندمجت معه ولم أكن أعيره أي انتباه قبل عزفه ذلك اللحن الخلاب...
يقاطعه الحاج موسى :
- كيف تحب إيطاليا كافرا ؟ (الطلاين) خاصة سيكونون وقودا لجهنم وحتى رائحتهم...
فيقاطعه جدي بحدة :
- قلت لك لا يمكنك أن تفهمني يا حاج موسى، ذلك الشيء الذي أحسست به أكبر من كل شي أكبر حتى من الدين.
يتمتم الحاج موسى مستغفرا وتعلو وجهه علامة استغراب واستنكار ثم يواصل جدي :
- نعم أكبر من الحرب والنزاعات...
- وفي الليلة الموالية أسرعت متلهفا لحراسة المعتقل حاولت مجددا أن أخاطب ذلك الإيطالي، أعطيته سيجارة فشكرني بقسمات وجهه، فتش جيوبه وأهداني سلسلة ذهبية صغيرة، بقينا صامتين مدة طويلة أنظر في وجهه وينظر في وجهي وكأننا نقرأ كتابين مقدسين، حاولنا أن نتفاهم بالإشارات إلا أنها كانت قاصرة فأسرع إلى نايه السحري وبدأ يعزف ويعزف وانشددت إليه أطالع قسمات وجهه وأتابعة حركة أصابعه فبدت إجابته واضحة في قلبي، ولله يا حاج لو أن أفصح المتكلمين بلغتنا أراد أن يُفهمني لما استطاع مخاطبتي بمثل ذلك الوضوح الذي نفثه الإيطالي بنايه، قال لي كل ما تساءلت عنه، أحسست أننا لسنا أعداء وأن الذي كان بيننا وهم، كل ما فصل بيننا وهم : (الدين، الحرب، هتلر المجنون، موسيليني الأعرج، الفرنسي القواد..). أحسست أني أرعى الأغنام معه في الغابات الشاسعة وأنه يحكي عن آماله ومغامراته وأحبابه... أحسست أننا طفلان بل أخوان نرعض ونقطف الأزهار ونطارد الفراشات... ظل يعزف ويرقص فيُشرق البشر من قسمات وجهه، سرت رعشة في جسمي أحسست انه يطلب جوابا فتحرك كل عضو فيّ وتمايل على تلك الألحان... اشتد العزف وبقيت أنط وأقفز بل أطير، لمحت دمة ترقرقت على خده فجلست وبكيت طويلا كطفل يتيم، ثم أقبل علي فتعانقنا بشدة... وعند الفجر أيقظت كامل الأسرى واحدا واحدا وبهدوء تام أبعدتهم عن مقر الفرنسيين وعند الوداع إلتفت لي ذلك الإيطالي، لم يكلمني، لم يصافحني، نظر في وجي طويلا على ضوء القمر الممزوج بضوء الفجر ثم وضع الناي في يدي وأشرق وجهه بإبتسامة طفولية والتحق برفاقه...
رجعت فرحا منتشيا أقلب الناي في يدي كأنه كنز ثمين ولما وصلت الثكنة وجدت الجميع في حالة استنفار واضطراب لأنهم سرعان ما افتقدوا الأسرى وأول جندي رآني خاطبني بعنف واقتادني إلى (الكماندة) وجدته يصيح ويصرخ ويلعن الجميع، لمحني فوجّه فوهة مسدسه إلى رأسي مزمجرا :
- تكلم ياوحش أين الأسرى... ؟
- لم أشعر بارتباك أو بخوف... حدثته طويلا عن الإيطالي الذي سحرني بنايه إلا أنه لم يصدق أو لم يفهم ما أقول وضربتي ضربة بمؤخرة مسدسه على رأسي أفقدتني الوعي، ولا أدري استفقت بعدها على صوت ذلك (الكماندة) يسألني ثانية عن الأسرى فادعيت أنهم هربوا وأني حاولت اللحاق بهم... أمر بإعدامي حالما أعود إلى حالتي الطبيعية –لأن التقليد العسكري لا يسمح بإعدام جريح أو مريض- عندها لعبت لعبة الجنون، فظنوا أني فقدت الذاكرة بسبب تلك الضربة صبيحة الواقعة وأطلقوا سراحي نهائيا...
كنت أعود من المدرسة فيحتضنني جدّي وأدخل معه في جبته، وأستنشق رائحة جسمه التي تشبه رائحة تربتنا الندية... كان يسألني مبتسما :
- الآن أصبحت تعرف الفرنسية، ما معنى (الزوليف) ؟
أفكر طويلا وأنبش ذاكرتي الصغيرة علني أجد معنى لهذه الكلمة ويحاول مساعدتي فيضيف :
- هو نوع من الشجر بقربنا الأن الكثير منه.
يقول ذلك ويشير برأسه إلى الزياتين المسطفة أمامنا. – أتذكر كل أسماء الأشجار لكني لا أجد هذا (الزوليف) عندها يقهقه منتصرا ويلعن تعليم المدارس ويقول:
- (الزوليف) هو الزيتون يا جحش.
أضحك أنا أيضا وأحاول أن أصحح طريقة نطقه للكلمة الفرنسية (LES OLIVES) ولكنه يصر على سلامة نطقه الذي تعلمه من الفرنسيين أنفسهم وليس من المعلمين العرب، كان دائما يمتحنني ويقذفني بألفاظ معوجة النطق ويتركني أبحث طويلا ثم يعربها ويتهمني بالجهل التام لأصول اللغة الفرنسية : مصطلحات كثيرة يطلقها بسرعة ويتلفضها بطلاقة تخالها سليمة لكنك لن تجدها في أي قاموس لغوي :
- الآن أصبحت في الثانوي يمكنني أن أتحدث معك بالفرنسية ما هو (لجفال) ؟
وبعد أن أعجز كعادتي ينفجر ضاحكا ويقول :
- ما زلت لم تتعلم شيئا، لو كنت ذكيا لفهمت المعنى حتى بالعربية (لجفال) هو الحصان سموه كذلك بالفرنسية لأنه يجفل فهو جفال.
- أحتج وأحاول أن أشرح له بأن الكلمة الفرنسية مركبة وتُنطق في الأصل (LE CHEVALE) وأنه نطقها نطقا خاطئا وأن هذه الكلمة لا صلة لها باللفض العربي الذي ذكره، فتحداني معددا سنوات خدمته العسكرية مع الفرنسيين التي تفوق سنوات دراستي بل كل سنوات عمري.
رحل جدي هازئا بالموت مستنفذا كل دقائق الحياة :
- لماذا خلقنا الله يا حاج موسى ؟
يسأل ثم يجيب دون انتظار :
- لم يخلقنا لعبادته لأنه في غنى عنها خلقنا لكي نلعب ونلهو وهو يتفرج علينا ويبتسم لنا كما يتفرج الراعي على حملانه الصغيرة التي تقفز وتنط بين الأزهار، بعدها سيحاسبنا سيعاقب الذي سار بين الأزهار ولم يستشق شذاها، والذي مرّ بالفاكهة ولم يقطفها، نعم سيشوي ذلك الذي نظر إلى الجمال نظرة عابسة : سيقول له لله غاضبا : "لماذا خلقتك إذا ؟ لماذا جعلت لك قلبا وذوقا ؟" أما ذلك الذي تعود الجمال والمتعة سيضحك سبحانه في وجهه ويقول له : "لأنك تعلمت الضحك في الدنيا فهاك الضحك الأبدي، ولأنك تعلمت كيف تستمتع بالجمال فإليك الجمال وإليك المتعة الأبدية..."
عاش جدي طويلا وأظنه سيعمر قرونا أخرى كزيتونة عتيقة غاصت جذورها في الأرض واتصلت بالمياه الجوفية فتحدت جفاف قشرة الأرض، تقتلعها العواصف وتفتت فرعها فتخلف شجرة أخرى... تحدثت عن جدي ولا أدري هل قلت شيئا عنه؟ هل استوفيت جزء ضئيلا من ذلك الكيان العظيم ؟...
تداخلت ذكرياتي الخاصة وذكريات عائلتي وقريتي وتاريخ بلدي بذكريات جدي فتشوشت أمامي المسالك لأني وجدته حاضرا في كل شيء حتى في رائحة التراب وجذور الزياتين./
- محمد الجا في القبر...
-









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية