#ر بطةُ العُنق
– قصة من مجموعة شهادة الغائب – ( نُشرت سنة 1996)
تثاءب (سي عمّار) ومطط رجليه ومدهما إلى أقصاهما تحت مكتبه العريض وتفحص الأوراق المتراكمة بضجر ثم أزاحها بحركة متوترة وأشعل السيجارة العاشرة ونظر في ساعته التي تباطأت عقاربها قرب العاشرة ،تكاد لاتتجاوزها إلا بقليل، تثاءب ثانية ثم أعاد الأوراق إلى وضعها الأول وهمّ بتفحصها فإذا بصوت عال ينبعث من المكتب المجاور :
- مالذي يحصل في هذه الإدارة ؟ هذا لايطاق ...حتى الحمير قد تخجل من هذه الأخطاء...؟
إستفز الصوت أعصابه المسترخية فامتص أكثر من سيجارته المنتهية ثم سحقها بقوة في المنفضة وتحفز في جلسته فانثنت ساقاه ولامس صدره حافة المكتب وتحسس ربطة عنقه وأمسك القلم بيد بينما قلبت يده الأخرى الأوراق المتنافرة أمامه،إنفتح الباب بقوة وانبعث صرير منفّر من أقفاله ومفاصله المتآكلة ودخل (سي محمود) كالمهرول ،مقطبا وفي يده أوراق ووراءه الكاتبة محمرة الوجه:
- هذا أمر لايعقل "سي عمار"... أخطاء كثيرة أصلحها بنفسي... لاوقت لي لمراجعة كل ورقة بعد الرقن ... أرجوك أن تنتبه لما يُكتـب... تصور مالذي سيقال عنا لو بقيت هذه الأخطاء...؟
ثم ألقى الأوراق بعصبية وخرج بعنف كما دخل ،وألقت الكاتبة نظرة غائمة على (سي عمار) فيها الكثير من العتاب واللوم والغيظ وخرجت كذلك كما دخلت.
أشعل (سي عمار) سيجارة أخرى ونفش الأوراق أمامه وظل واجما لفترة يتأمل الأسطر المشطوبة: (إنها أخطاؤه وليست أخطاء الرقن) وضع مرفقيه على المكتب وألقى رأسه بين كفيه وطافت في بخياله خواطر شتى وبقية ذكريات عادت به إلى سنوات شبابه الأولى في أروقة كلية الحقوق عندما كان (عمار الكمبة) يترأس الإجتماعات ويقود المظاهرات بزيّه المميز( سروال دجينز وجاكات كمبة وسبادري غزالة) وفي أوقات اليسر والمواعيد كان يرتدي كسوة "الدنقري" اللينة الزرقاء، كان وسيما بذقن كثيف أسود وشعر فوضوي ،كان شديد الحيوية كثير التنقل بين الأحياء الجامعية والكليات... تلقاه في كل مطعم جامعي وتكاد تلحظه في كل تظاهرة : تتقلص المسافات أمام حركته الدائبة وتضيق به فضاءات العاصمة فتراه صباحا متثائبا يغادر القطار بعد قضاء ليلة في أحد المبيتات الجامعية النائية... يناقش ويجادل ويلاكم إن إقتضى الأمر ومع كل ذلك كان يقرأ بنهم ويوفق بيسر بين متطلبات المناهج وحبه للمعرفة بشتى ضروبها...
تحسس (سي عمار) ربطة عنقه الغليظة وشعر بضيق وإختناق ،وعاوده صدى الصوت بإلحاح:
- "حتى الحمير قد تخجل من هذه الأخطاء..."
أشعل سيجارة وعاوده الإسترخاء وتحركت يده بالقلم واختطت على الورقة"عمار حمار" وابتسم ابتسامة ممزقة وتأمل الجملة وتمتمت شفتاه :"عمار حمار – سي عمار حمار... حمار سي عمار ... سي حمار عمار..."
وقلب التركيب على أوجُه مختلفة فبدا له متناسق النبرات ،يصلح أن يُلحّن بإيقاع خفبف كالأغاني التي يسمعها كل يوم .
تذكر بداية صلته بعمله هذا... وجه أمّه الجميل المكدود ونظرات والده وأسئلة إخوته التي تحاصره وتُضيّق عليه الآفاق:
- متى ستستلم الوظيف يا "سيدي عمار" وتأخذنا معك للعاصمة؟ وجهُ مؤدب القرية المستطيل وحفاوته الدائمة :
- إيه يا سي عمار متوكلين على الله ثم عليك... ما ينفع الجهة كان أولادها... بعد ما تتخرّج إنشاء الله تحقق للجهة كل المصالح اللي تحرمنا منها المدة الكل...
سّرح (سي عمار) النظر في مكتبه فطالعته صورة شيخ مُقعد باسم الوجه يتفحص كرسيه الآلي وامتدت يده إلى الصورة المثبتة على الصفحة الأولى من صفحات يومية كان قد إشتراها دعما للمعاقين،تأمل الصورة مليا ثم تحسس كرسيه الدوّار وحركه بشدّة وإلحاح ومدّ رجليه وحرّكهما وفركهما ببعضها، كأنه أراد أن يتأكد من عدم إعاقته ومن قدرته على الإفلات من كرسيه الدّوار هذا الذي استهلك سنوات عمره...
كان قديما يعمل في مكتب آخر أقل أناقة من مكتبه الحالي لكنه كان أكثر حميمية ، وكان زميله "المنصف" كثيرا ما ينصحه قائلا:
- عليك أن تتكيف مع محيطك الجديد ...عليك أن تتخلى عن سلوك الطلبة وتمرّدهم لأن الإدارة لها مواصفات أخرى...حتى هندامك يجب أن يتغير...
إعتقد في بداية الأمر أن جلوسه على الكرسي سيكون مؤقتا إرضاء لحاجة أسرته ثم سيعاود رحيل شبابه بين المكتبات والمدارج...ومرت السنوات الأولى مسرعة بمغامراتها الكثيرة كان قد وجد في النقابة ملجأ عوض بعض ما فقده من حركية ونشاط فتتالت العقوبات : (توبيخ، إنذار، إيقاف مؤقت عن العمل ...نُقل عقاب...دسائس واتهامات...) وأكسبه ذلك ثقة وحبّ عدد كبير من الزملاء كما خسر ودّ بعضهم وتألب عليه البعض الآخر.
صعلوكا كان، موظفا متمردا مجادلا صعب المراس "لايخشى في الحق لومة لائم"،يتحاشاه رؤساؤه المتعاقبون ويتجنب بعضهم مجرد النظر في عينيه ويحابيه البعض اللآخرخشية جرأته وشدة تأثيره في بقية زملائه ...
تأمل (سي عمار) ورقة الإمضاءات على مكتبه وتحركت شفتاه في شبه إبتسام:عادت ذاكرته إلى سنوات خلت،عندما كان يحرض زملاءه على رفض الإجراء الجديد المتمثل في الإمضاء عند الدخول ثم عند الخروج من المؤسسة وتذكر الذين آزروه في حركة التمرد تلك وكيف تقلصت دائرتهم ليبقى الرافض الوحيد طوال سنوات،واستعاد مسلسل العقوبات والتهديدات والإستجوابات التي التي حفت بعملية الرفض تلك ...
أشعل سيجارة وامتص نفسا عميقا ثم تفحص الورقة أمامه وتمتم :-سي عمار حمار ...عمار حمار – طالعه وجه أمه المكدود والجميل دائما ووجه أبيه الحائر المشفق:
- مسكين عمار كثرت عليه مصاريف المدينة...لايبدو عليه الإرتياح...
الوجه المستطيل لمؤدب القرية وقد قلت حفاوته،كان يحاصره في عوداته الأولى:
- إكتبلنا عرائض وشكاوي ...بلغ مطالبنا للمسؤولين ...ما تنساناش كيف ترجع للعاصمة...
تحسس (سي عمار) ربطة عنقه ونظر في ساعته وخربش إمضاءه المتعرج على ورقة إمضاءات المغادرة ثم إندفع خارجا...
أنهكه إزدحام الشارع فصعد السلم بتثاقل شديد وفتح الباب ،تهالك على الأريكة القديمة وتحسس ربطة عنقه وشعر باختناق، حاول حل عقدتها لكنه تكاسل : فهي تزعجه كثيرا رغم تعوده عليها، رافقته منذ ليلة زفافه وما كان يعتقد أنه سيألفها، إجتهد الجميع لإقناعه بضرورتها في حفل الزفاف فمدّ عنقه طائعا واستبشر الجميع بخضوعه للناموس والعادة وأقرّ العزم على خلعها فور إنتهاء التصوير إلا أنها ظلت مشدودة إلى عنقه طوال السهرة وتطلع إلى شكله في المرآة مستنكرا حينا ومنبهرا أحيانا أخرى ... وأقنعه الجميع أن يذهب إلى العمل "برباطه" ،فهو عريس ويجب أن تظهر علامات جديدة في شكله حتى يهنئه الزملاء فذهب ثم ذهب ثم عاود الذهاب برباطه، وسرت زوجته بهذا التحول الذي لم تكن تنتظره فاجتهدت وبالغت في الإطراء على مظهره اللائق وتعودت أن تعقد له (الكرافات) كل صباح كما تعود هو أن يمد لها عنقه في بداية كل نهار خاضعا طائعا... وبدا اللين على رؤسائه ونطقت وجوجههم المبتسمة بعلامات رضى لم يعهدها... وتأملته أمه بابتسامة عريضة وكأنها تكتشفه لأول مرة وطالعته نظرات استحسان من حسناوات مجهولات في الشارع العريض... فألف نفسه بربطة عنقه وبدأ يتعود على هيئته الجديدة كما تعود على كرسيه الدوار...
إسترخى على الأريكة القديمة وظلت أصابعه عالقة بربطة عنقه تهم بفك عقدتها دون أن تفعل... انتظر عودة زوجته من العمل فاستبد به نعاس خفيف وذكريات وأحلام... وثب المكتب إلى مخيلته وعاودته صورة (المعاق والكرسي) وطالعت الورقة بأسطرها الواضحة "عمار حمار... سي عمار حمار..." تذكر وجه جده الساخر وإهتزاز شنبه والبعض من حكمه الكثيرة وتجلت في ذاكرته تعليقاته اللاذعه خاصة منها تلك التي كان يوجهها إلى الجدة لأنها تكثر اللغط الصراخ لأسباب تافهة :
- لا تلوموها لأنها دخلت عمر الكلب...
ويضيف الجد مفسرا :
- كل إنسان يعيش أعمارا متتالية... لأن الله خلق آدم في عمر الغزال لكنه لم يقتنع وطلب المزيد فأضاف له عمر الحمار لكنه لم يرض كذلك فزاده- سبحانه - عمر الكلب إلا أن آدم طلب المزيد فزاده الله عمر القرد إرضاء لنهمه وحبه للبقاء...
ثم ينخرط الجد في عملية حسابية يحصي بها جملة أعمار الحيوانات المذكورة ويضيف لبعضها وينقص للبعض الآخر إلى أن يبلغ المائة عام ويجعلها نهاية الإنسان. ويسأله عمار الطفل عن علامات هذه الأعمار ويجتهد الجد في تعليل المسأله تعليلا يختلف حسب حالته النفسية ومزاجه العام: فيجعل عمر الغزال رمزا للإنسياب والحرية والحركة وهو (شباب الإنسان) وعمر الحمار رمزا للخضوع والخنوع والأعباء الثقيلة وهو (كهولة الإنسان) وعمر الكلب رمزا للكلام الكثير والفعل القليل إضافة إلى التبعية والإتكال على الغير وهو (فترة الشيخوخة الأولى) وعمر القرد رمز للتشوه الخلقي وقلة الفائدة وهو (فترة الشيخوخة الطويلة المتأخرة).
وكثيرا ما يسأل الطفل جده بخبث :
- وأنت في أي عمر يا جدي ؟
فيجب الجد في غير حرج :
- أنا الآن في عمر الكلب كما ترى : قليل الفعل كثير الكلام... لم يبق مني غير اللسان أصرخ وأنبح حتى أحافظ عليكم وعلى أرزاقكم...
عاودته صورة المكتب وصوت سي محمود الغاضب والورقة التي اختطها وفكر أنه حمار على الحقيقة لا على المجاز بما أنه في عمر الحمير حسب تقسيم جده لمراحل عمر الإنسان وهو يمتلئ حقا برمزية الحمير لأنه أصبح خاضعا طائعا، الخوف يملؤه من كل شئ : من مديره، من زملائه، من زوجته، من الماضي ومن الحاضر ومن المستقبل... من الزحام... من السيارات في الشارع...، من ابتسامته المتجهمة ومن حذائه الذي بدأ يتمزق...
انتحرت فيه صورة الماضي وتراكم عليها غبار كثيف أحس أنه قد مُسخ حقا وطالت أذناه كثيرا ،مرت بخاطره أحداث قصة المسخ "لكافكا" وتذكر ولعه القديم بالكاريكاتور الذهني إذ طالما استمتع بالإنطباعات المضحكة التي تلوح له في كل وجه : لوحات متعابة تنطلق من ملامح الواقع ثم تتصاعد في دوائر مشوهة في خياله الفج : (وجه قردي، وجه كلبي، وجه حماري، وجه ثعلبية....).
ورافقته هذه الهواية في مختلف مراحل عمره فإكتشف أن الوجوه تكاد تتحد في استطالة وجوه الحميروراودته فكرة أن الناس حمير ممسوخة أو متنكرة أو أن الحمير ناس في سيمة أخرى وراوده الحنين أن يكون حمارا حقيقيا واستبدت به الفكرة استبدادا عميقا واحتله الهاجس فاشتمل على كل كيانه ...
تقدم خطوات فإذا بحوافره تنقر الأرض نقرات تكاد تزعج كل الأجوار واستبدّّ به رعب وانتابته حيرة :لعله الحذاء بصفائحه الجديدة هو الذي يُحدث هذا القرع الهائل في كل حركة؟؟ تقدم إلى المرآة حذرا فأرعبته أذناه الضخمتان ، ووجهه المستطيل وعيناه اللوزيتان، فتراجع فزعا واشتدّ القرع على بلاط الغرفة، فسكن حتى لايُفزع الأجوار الحساسين لكل حركة ،جرّ رجليه جرّا وعاود التطلع في المرآة فبدا له فكه الظخم،حركه فتحركت معه شفتان غليظتان داكنتان في سمرتهما،حرك أذنيه فتحرّكتا بانسياب ويُسر مما أغراه بمعاودة الحركة فإذا هما يتحركان في مختلف الإتجاهات :فإن شاء حركهما معا ،وإن شاء سكّن الواحدة وحرك الأخرى واكتشف أن في حركة الأذنين تغيير كامل لملامحه فظل لحين يتسلى بالأوضاع والهيئات المختلفة ،فإذا مدّهما إلى الأمام في إنتصاب دقيق فهو كالغاضب، وإذا سواهما واقفتين في وضع عمودي فهو كالمتأمل،وإذا أرخاهما فهو كالمُرهق،وإذا حركهما في اتجاهين مختلفين فهو كالحائر وإذا سبلهما معا إلى الوراء فهو كالمبتهج ...
أمتعه الإكتشاف وأنساه خشية الحيرة وأدرك أن الحمير تعبّر عن دقائق النفس عبر حركة الأذنين وإنها تتميز في ذلك عن البشر الذين تضاءلت آذانهم وفقدت حركتها ،فلا تعرف حال الواحد منهم إلا إذا كنت مُخبرا سريا أو خبيرا نفسيا،فكر أنه لو بقي حمارا لتخلص من أسئلة زوجته المضجرة ومن تطلعاتها السمجة... وسيتخلص كذلك من الأسئلة المملة والمتكررة التي يلقاها من زملائه ومعارفه (أشنية أحوالك سي عمار...) لأن الجميع سيدركون حاله من هيئة أذنيه... إلا أنه يخشى –مع ذلك- أعين المخبرين الذين يترصدون أحواله المتغيرة ،وقد يستجوبونه إذا لاحضوا الوضع المستنفر المستراب (عند إنتصاب أذنيه إلى الأمام) يتكرر أمامهم، عندها قد يؤاخذونه على حالة عدم الرضى أو الضيق أو النفور...
فكر في وضعه الإداري الذي سيتأثر حتما بشكله الجديد ؟كيف سيعاملونه في الإدارة ؟هل سيخصصون له مكتب "سي محمود" بدل مكتبه؟ربما لأنه مكتب كبيرمفروش يليق بهيئته الجديدة ،بجثته الضخمة وبامتداد عنقه...؟ أما الكرسي فيجب أن يكون من نوع خاص أكبر بكثير من كرسيه المألوف... فكر في حوافره التي قد تُفسد سكون الإدارة عند إرتطامها بالرخام اللماع ،سيضطرون حتما لفرش مكتبه ببُسط غليظة تُقلل من صدى وقع حوافره...
ستُلبسه زوجته اللجام كل صباح كما كانت تفعل مع ربطة العنق،وقد تضطرّ إلى مرافقته في أيامه الأولى إلى أن يتعود عليه الناس في خلقته الجديدة كما كان قد تعود هو عليهم قبل سنوات رغم نشازهم...
شعر (سي عمار) باختناق شديد وتصبب العرق من جبينه... واشتدّ الضغط على عنقه فانتفض... أراد أن يتخلص من اللجام... أن ينهق في سكون المدينة... أن يرفس الجميع بحوافره الصلبة ... أن يركض في البراري الواسعة...
حرك رأسه بعنف فارتطم بصدر زوجته التي كانت تنحني فوقه وتسعى جاهدة كي تُخلصه من ربطة عنقه التي ضيّقت أنفاسه فجعلتها أشبه بالحشرجة أو الشخير... استوى عمار في جلسته مذعورا ومسح العرق المتصبب من جبينه وأشعل سيجارة بعصبية وظل يتحسس جسده ويطرد الكوابيس في حين امتدت يده تساعد زوجته على فك ربطة العنق./.
محمد الجابليّ /









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية