الواقع والقيم في « حدث ذات ليلة » للناصر التومي
- الفضاء القصصي العام
أنطلق في بداية هذا العرض من مقولة بسيطة وواضحة للكاتب الألماني "جراس" حدد فيها منزلة الكاتب بقوله: "قدر الكاتب أن يقف دوما في صف الخاسرين" ،وصف الخاسرين في التاريخ البشري هوالصف الإنساني الطويل، صف القيم وصف الأحاسيس الجماعية التي تقف إعتراضا على الأنانية الفردية بنذالتها المدمرة.
وإن تطلع دعاة المسح والمسخ إلى عزلة الأدب وإفراغه من مضامينه الإنسانية وجعله حلية تزين الصدور والقصور،فإن بعض الكتاب قد ازداد إيمانهم بوظيفة الكتابة، وبطلائعية هذه الوظيفة في زمن الغربة والإغتراب،زمن العولمة وخراب الزرع والضرع،زمن السقوط والإنتظارالخائب - بعبارة بنيس- وهو زمن الفتوحات الجديدة ،من قبيل فتح الأسواق وقطع الأرزاق والأعناق ، وفتح الأسواق بقيادة التجار، يستوجب فتح العقول بقيادة أشباه المثقفين،فنجد بدايات الخراب عند كتاب ومنظرين مأجورين، هيؤوا لهذا التداعي بدعوات مشبوهة،فنظروا لموت الأجناس الأدبية وموت الفلسفة وموت الإيديولوجيا وفي كل ذلك موت المعنى وموت الرمز، وموت القيمة التي هي جوهر الإنسان.
وأثرت هذه الدعوات المشبوهة على التوجه الأدبي،فتزاحمت نصوص مفرغة،تهريجية عابثة،تحت لافتات باهتة سمجة، من قبيل الإشتغال على اللغة،أو التجريب الذي لايستند على رؤية فنية أو مبدئية واضحة، نصوص ضيعت القارىء،وأربكت الوظيفة التواصلية للأبداع تلك الوظيفة التي تنبني أساسا في كل العصور وفي كل الأجناس، على مستوى النقد والتقييم والتجاوز،أي على إنسانية آفاقها وتطلعها إلى الإنخراط الواعي في الحياة كتدافع وصراع بين الموجود والمفقود،بين منزلة معطاة وأخرى مكتسبة:الأولى لاجهد فيها وهي من الحيوان أقرب،والثانية نحت وكسب وهي وجه الإنسان بتمرده وتطلعه وثورته وجنونه...
وفي ما تقدم مبرر لإحتفائي بهذا العمل الذي نقدمه اليوم،مجموعة قصصية لكاتب دأب على الثبات في الحياة والكتابة،هاديء واضح دون قناع في الواقع والنص،مبدئي دون ضجيج،وأعني بالمبدإ ما قبل الإيديولوجيا تلك القيم الكبرى التي تؤسس النشأة والتي جعلت من الناصر التومي كاتبا واقعيا يعج نصه بأصداء إجتماعية واضحة المعالم في القصص أو في الروايات المتواترة منذ عقدين...
و"حدث ذات ليلة" هي المجموعة القصصية الرابعة في رصيد الكاتب،وهي مواصلة للنسق الواقعي الإجتماعي بقصصها الثمانية عشر، وفي عنوانها إحالة على مرجعيتها العامة وتأكيد على انخراطها في الفضاء السردي الموصول بذاكرة شعبية، تذكر بفن السيرة أو الحكاية ومنها الخرافة الموسومة بالنزوع إلى المطلق زمانا ومكانا.
ومن الدلالات الحافة لوحة الغلاف-التي أهمل الكاتب مصدرها- ونعتبرها إطارا أو مدخلا للفضاء السردي الذي إختاره كاتبنا، ومن علاماتها البارزة، وضع الراوي التقليدي الذي يواجه السامعين، وهو نفس الوضع الذي إختاره الكاتب في معظم قصص المجموعة،ومنها كذلك الفضاء المديني الذي يحيل في خلفيته على تناقض دال بين الطبيعة والثقافة في تجاورفجّ بين نخلة ومدخنة،ومن إيحاءاتها الأعمق ما أحاط بالراوي في جلسته التقليدية : دف على يساره وقرد على يمينه ،وقد يوحي ذلك بالأوضاع المختلفة للراوي وحيله في النص، ومنها للأوضاع المختلفة للكاتب أو الحكواتي في عصرنا وفي كل العصور،في منزلة بين الوعض والحكمة من جيهة و التهريج والتحيل من جيهة أخرى أو الوضع المهمش الذي يذكر بالقريدي في مقامات "الهمذاني" أو بالإسكندري في قوله: " أنا أبو قلمون في كل لون أكون"...
وبنظرنا في قضايا المجموعة نجدها -رغم تعدد قصصها- تلتقي في مناخ موحد فيه صراع بين الثابت والمتحول أي بين الواقع بتناقضه وحركته والقيم بنقائها ورسوخها، ويمكن أن نختزل أبعاد القصص من جهة مضامينها في بعدين أساسيين: الأول تعليمي حكمي فيه توظيف للمثل الشعبي مثلما ورد في قصة "عندما يزداد الطين بلة" التي تحيل في مضمونها على حكاية " فيل الملك" التي وظفها سعدالله ونوس في مسرحيته المعروفة "الفيل ياملك الزمان"، وفيها رصد لأثر الخوف والمصلحة في السلوك البشري وتحوله من التمرد إلى الإنتهازية الفردية...
وفي نفس السيق وردت قصة "أمانة الغراب" التي تحيل بعنوانها على مخيال شعبي وتنحو بمضمونها منحى تجريديا من خلال حوار يدين الواقع والإنسان..،ويمكن أن ندرج في هذا البعد التعليمي كذلك بعض القصص التي انبنت على صراع بين الحكمة والسلطان "كالنخلة والصنم وعودة الأصنام والخسوف" وفيها تعرية لواقع السلطان في تحوله من الراعى الفاعل إلى الرمز المحنط،ومن هذا البعد الأول كذلك قصص أخرى تحيل على صراع بين العدل والجوروالوجود والعدم كما في قصتي"حكاية مملكة الأنس وفصل من المسرحية الإلهية"...
والبعد الثاني تجسد من خلال قصص واقعية إجتماعية هي الأقرب –حسب إعتقادي- إلى ذات الناصر التومي ككاتب، فيها مواصلة لرصد بعض عوامل التفتت في الواقع الإجتماعي وأثر ذلك التفتت على الفرد في علاقته بذاته بدرجة أولى، وعلى علاقته بالجماعة والمحيط بدرجة ثانية،بعض هذه القصص صور لوحات إجتماعية تختزل معاناة المواطن في همه اليومي وانشداد أحلامه إلى مدارات اللحظة المعيشة كما في قصتي "الإنتظار واختفت الصورة" ،واتصل بعضها الآخربتسجيل وجه أعمق من وجوه المعاناة ارتبط بمحدودية الأفق السياسي وغياب الديمقراطية من خلال معاناة أم ممزقة بين حلم مستحيل وواقع غامض،من خلال صراع لاتفهمه بين إبنيها المتناقضين،أحدهما عمدة القرية والثاني دارس في الطب، وتنغلق القصة على لحظة حزن لأم عجوز هدها إنتظار الدكتور الذي لن يكون والسجين الذي لن يعود...
ونحت قصص أخرى منحى التحليل النفسي، حيث اتصلت بمحنة الفرد في توتره وردود أفعاله إزاء المتغير الإجتماعي مثل قصتي "الديناصور والأطفال والدخان": ففي الأولى استغل الكاتب حدثا بسيطا يتكرر في كل الأحياء السكنية ليجعل منه مدخلا لتحليل الذات البشرية في حساسيتها المفرطة إزاء جزئيات محيطها اليومي وإمكانية تحولها من العدوانية إلى التسامح، وقد وفق الكاتب في إضاءة جوانب التوتر والإرباك في تلك العلاقة، بأسلوب طريف جمع بين دقة الملاحظة والكاريكاتور النفسي لذات البطل،وفي قصة "الدخان" تطوير لذات الوجهة التحليلية الإجتماعية من خلال إنتقال علاقة أسرية من الهدوء إلى الإضطراب عند اكتشاف الزوج إدمان زوجته التدخين بعد طول عشرة...وتتسم هذه القصة بقدرة تحليلية لشخصية الزوج البطل،وتنتهي بموقف حائر ينقل مدار الحيرة من بعدها الفردي إلى أبعاد حضارية واجتماعية تثير أسئلة متلاحقة حول مصير المواقف والمباديء في عالم متغير يفاجئنا بالجديد المحيّر، في عقر دارنا وفي محيطنا الأقرب، الشيء الذي يفقدنا الطمأنينة والحصانة الموهومتين اللتين كنا نعتقدهما في ملاجئنا الأسرية الخاصة،ويزعزع الثابت فينا كل حين.
وفي نفس الإتجاه التحليلي تندرج قصة"شطحات في العمق" التي انطلق فيها الكاتب من حوار خارجي بين شخصين هما في الحقيقة نزعتان تتصارعان في الذات الواحدة ،الأولى متمردة رافضة تعلن إدانتها وقطعها مع واقع موبوء، في حين تلجأ الثانية إلى التبرير قصد التعايش الممكن مع ذلك الواقع رغم إنحرافه وسلبيته، وفي النزعتين صراع بين شخصيتين متعايشتين :شخصية الكائن الإجتماعي بتوفيقه بين الواقع والقيم وشخصية الكاتب في تجاوزه وتمرده وتماهيه مع دوره التاريخي المتمثل في النقد والإصلاح والتضحية.
ومن هذا الفضاء المضموني تتوضج وجهات نظر الكاتب وهي – في اعتقادنا- شديدة التشاؤم فيها رثاء للإنسان المتورط في هزائمه المتلاحقة، فينتصر الشرير على الخيرفي "حكاية مملكة الأنس" وتنتصر وسوسة الشيطان في"المسرحية الإلاهية" وينتصر السلطان الجاهل على الحكيم في قصة "الخسوف" وكذا في "منطق الحوت" حيث تكون النهاية انتصار النزعة البدائية المتمثلة في الغرائز على منطق الإتزان والعدل وتسود العبودية في "عودة الأصنام" وتتهاوى القيم في "دخان"...
- الخصائص التعبيرية والمنظور الفني:
وفيما يتصل بالخصائص الفنية ننطلق من مستوى التخييل الذي يمثل -في اعتقادنا- ميزة العمل الفني،وفي هذه المجموعة القصصية عمد الكاتب إلى مرتبتي تخييل:الأولى إجتماعية والثانية عجائبية، في الأولى شخوص وحدث وحركة، وفي الثانية حوار وتجريد، فتردد البناء الفني بين الخيارين وتفاوتت الخصائص الفنية من قصة إلى أخرى،وكان الجامع بين كل القصص وضع الراوي التقليدي، حيث انساب السرد المسند إلى ضمير الغائب،باستشناء قصة وحيدة سنعود إليها لاحقا، وتدعم هذا الخيار التقليدي بما يحيل على الحكاية أو الخرافة مثل ما ورد في بدايات بعض القصص"تذكر الأساطيرأو حدث ذلك بإحدى الممالك أو يحكى أن شيخا..."
و القصة الوحيدة التي خرجت عن هذا الإطار هي "شطحات في العمق" حيث تماهى البطل مع الراوي وانساب السرد فيها من ضمير المتكلم، وتطور النص من خلال حوار ثنائي بين كاتبين مختلفين في رؤيتهما للواقع وفي مدى حساسية وإدانة كل منهما لذلك الواقع،لكن النهاية تجعلنا نعيد النظر في القصة،لأن الثنائية الخارجية لم تكن سوى إزدواجا في الذات الواحدة،المتوترة بين تطرف يصل حدّ القطيعة،واستسلام يصل حد المهادنة، فانتقلت الحركة من حوار خارجي إلى حوار باطني توحدت في نهايته الشخصيات لتؤول مجتمعة إلى شخصية الكاتب البطل...
وفي القصص التعليمية أراد الكاتب إنشاء بعد رمزي من خلال الحيوان والجماد، في ما يذكر بالحكاية المثلية عند ابن المقفع، لكن الرمز –في إعتقانا- ظل قاصرا عن بلوغ غايته ،لأن الكاتب جعل منه مبررا ومطية للفكرة دون دعامة فنية واضحة ،ولايمكن للفكرة مهما كانت قوتها أن تؤسس نسقا فنيا لأن التجرد من الحدث ومن المكان والزمان والسعى إلى الإطلاق- من شأن كل ذلك- أن يخل بالتشويق الذي ينشأ عادة من تناسق مختلف المكونات الفنية، لذلك انتفت الحركة في القصص المذكورة وسيطر الحوار على السرد وغاب فيها التكثيف لغياب الحدث ليحل محلهما تجريد فيه تأكيد لوجهة نظر الكاتب التي - رغم وجاهتها- وردت موغلة في المباشرة والوعظية،وأعتقد أن بعض هذه القصص كان قد كتب بامتداد روائي...
وفي المقابل بدت القصص الإجتماعية شديدة الإقناع بما فيها من نظام تآلفت فيه مقومات القص زمانا ومكانا وشخصية وحدثا، وتألقت فيها اللغة بأنماطها التعبيرية المختلفة من سرد وحوار، ورغم غياب الوصف إستطاع الكاتب خلق نموذج قصصي مقنع في "الديناصور والأطفال والدخان وشطحات في العمق" وكذلك في قصتي "واختفت الصورة وحدث ذات ليلة" من خلال لوحات إجتماعية تحليلية غاص فيها الكاتب في أغوار الشخصية باقتدار فني،واستطاع أن يرصد الذات في انفعالاتها بصدق وعمق يذكران بما ذهب إليه الناقد الإنجليزي ألان تيت في دفاعه عن الواقعية بقوله:
"هناك قصصيون محبوبون،قدموا لنا مناظرنا وناسنا وفوق كل شيء،قدموا لنا تاريخنا،وكان لابد لنا من هؤلاء كي يوجهوا أنظارنا إلى معرفة أنفسنا التي تأخرنا قليلا في الوصول إليها."(أنظر مدخل للرواية الإنجليزية –جان ريكاردو-)
وفي الختام نؤكد على وجاهة منطلقات الكاتب وجرأة منظوره النقدي،وعلى إيمانه الواضح بدور الكتابة وسعيه المتواصل إلى إثراء الواقعية بروافد في القصة والرواية، وندعوه - من هذا الموقع المتواضع- أن يلجم بعض الجدية وأن يطلق عنان خياله في الموجود الإجتماعي المحسوس والمتنوع حتى يتحفنا بنماذج فنية متميزة على شاكلة "الديناصور والأطفال أو دخان". /.
مداخلة قدمت في نادي مطارحات أدبية ثم نشرت بمجلة قصص









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية