شهادة قدمت في ندوة الرواية وخطاب الحرية بقابس 2005
الرواية بين سرد الحكاية ومغامرة المكتوب
الرواية والحرية عنوان طموحومغر، لكن قد يداخله بعض اللغز من حيث المرجعية الدالة ذلك أننا نعيش تشتت المصطلح، وتشظي العبارة؟ فالحرية واحدة في منظومات قديمة كقيمة لاتقبل التأويل، لكنها في زمننا حريات: فحرية السوق حرية والإنتصاب الحر حرية، والعري حرية وكذا الإحتجاب...
فأي الحريات نريد؟
الحرية كما أفهمها كل لا يتجزأ، حرية تصل الفن بالواقع، حرية تلغي الفواصل المموهة بينهما، فالحرية في الرواية والفن عموما هي من المساحات المقتطعة أو المحررة في علاقة الفنان بالواقع، هي ممكنات تصل بين لحظتين إحداهما كائنة ومنها النقد والتعرية، والأخرى ممكنة ومنها التطلع إلى بدائل أفضل وأرقى في شروط الحياة بظاهرها وخفيها؟
الحرية هي الجسر الخطير الواصل بين الواقع والمثال: الواقع بوقائعه الثقيلة، والمثال بأحلامه وممكنات النقاء فيه...
شهادة الغائب مرفوضة في حكم التاريخ
من محاسن الكلام عند البلاغيين القدامى أن يكون مطابقا لمقتضى الحال، والحال كما تعلمون في اللغة حكمه النصب أما حالنا فمجرور أبدا، مجرور بقاطرة أوجاع شتى : ظاهرها أيسر من باطنها ، بل مكسور بعوامل كسر جبارة، بعد وقوفه طويلا على السكون بعوامل الجزم المنفية لزمن طال واستطال،
ومن محاسن الكلام كذلك أن يطابق فيه المقال المقام، ومقامنا مقام هجاء أو رثاء، مقام كارثي بامتياز يعتصر الكاتب والمكتوب .
شهادة الكاتب غالبا ما تكون مزيفة بنقصها، شهادة غائب على حاضر، وشهادة الغائب مرفوضة في حكم التاريخ.
بعض كتاب الفرح الزائف يجدون سبيلا إلى التفاؤل، وتقرأ نصوصهم على قرع الطبل وضرب البندير ويحضون برعاية صندوق النقد والنقاد ومزيفي النقود...
في الخروج الأول يقول إبراهيم الكوني"إذا اخترت الحرية فعليك أن تلجأ إلى الصحراء" 1
وصحراء الكوني إمتداد يغري بإطلاقه وصحراؤنا قلاع كالمدن تقبر فيها الأرواح .
مكتوب على الكاتب أن يكون حرا، أن يقف في صف الخاسرين، لأن الكتابة عدوة الحياد، وهي إنخراط إلى حد الإختناق في الهم العام،
عندما نسي التوحيدي همه ولبس هموم العامة كان يختط سبل الكتابة الحرة ، وعندما نسي جوعه وكلف نفسه إحصاء عاهرات بغداد، وإنصاف الشطار والعيارين كان مأخوذا بشرط الوعي وبشرط الكتابة، كان يصف نفسه بقوله:
"وأنا من الذين فرغهم الله لتتبع أحوال العباد".
أبو العلاء من سجنه وعزلته كان ممسكا بلحظة تاريخية شديدة العمق، فائقة الجرأة...كل الذين إختطوا سبل الخلود إكتووا بنار الحياة وربما إستمتعوا بمغامرة الوعي ومن أرقى مظاهرها مغامرة الكتابة:
أسميها كذلك لأنها خروج عن كل مألوف وتجاوز لكل الحدود، حدود السابق المعرفي وحدود المكرس وحدود كل السلطات المادية أو الميتافيزيقية.
الرواية الجيدة بيان من أجل الحرية
والرواية كما أراها هي ثورة دائمة وهي بيان مشرع من أجل الحرية في علاقة جزئية أو كلية، فيها مغامرة إعادة الخلق في مستويي المعرفة والذوق، والتجاوز من أهم شروطها : والتجاوز لا يكون إلا بعد إختبار السابق، فيكون العمل الروائي مشروعا مستقبليا يختط آفاقا جديدة في الفن والحياة، وهو بذلك في جدل خفي مع المنجز المتقدم عليه لأن كل رواية جديدة تختزن في أعماقها إستلهاما لتجارب فنية سابقة وترسم أفق تجاوز يظل منفتحا على ممكنات لاحقة في طريق المغامرة.
والرواية الجيدة تتجاوز كاتبها إذا آمن بالكتابة كمغامرة متحررة، فيأخذه النص إلى آفاق دون سابق تخطيط...
وتحدث كذلك عن حكمة الرواية أو عرفانيتها من حيث هي مراكمة معرفية وجمالية فيما أعتبره في تجربتي، صيد الممكنات أوالتملص من أسر الكائنات، أن تكون الرواية قارب نجاة ، كمحاولة للنجاة من الغرق في العامية الفكرية والذوقية تلك التي دفعت فلوبير إلى تأليف معجم للأفكار الجاهزة حتى يفضح طالبيها.
وعند إنخراطي في المغامرة كبداية، سكنني هاجسها على إمتداد سنوات تزيد على الثلاث وتوقفت لفترات طويلة عن الكتابة مع تواصل الهاجس ومعايشته من خلال البحث الموازي عن جوانب ضرورية في الفضاء الروائي والعودة إلى مراجع في الإقتصاد والسياسة وخاصة في الفن والشعر الغربيين والبحث عن تراجم مقبولة للشعر الأمريكي الذي وظفته توظيفا أساسيا في موضوعي الروائي...
وعايشت حالة الكتابة من خلال تفاعل مستويات عديدة تفاعلا وظيفيا خفيا: المستوى الأول هو الفكرة الواعية بمجمل ما تظافر معها في ثقافتي السابقة وفي إلتقائها مع الموقف الذاتي الذي بدوره يرتبط بموقعي الطبقي والحضاري وبخياري الإيديولوجي العام، والمستوى الثاني يرتبط بمكتسباتي النظرية في مستوى النقد وبما علق في ذاتي من تجارب إبداعية تراكمت عبر مسار طويل، والمستوى الثالث تجاربي الشخصية ونبش الذاكرة واستعادة فضاءات ومشاهد كنت قد عشتها وجعلت من بعضها فضاءا ممسرحا أو مستعادا من فضاءات الرواية كالعراق والشام وإيطاليا والهند...
وأعتقد أن الفكرة التي تتطور إلى رؤيا هي اللبنة الأولى في كل عمل روائي، لأن الرواية تعيد إنتاج المعرفة وتفرض تاريخا موازيا لكل تاريخ رسمي : تاريخ الحركات الأعمق في الوجود الإنساني ...
وأعتقد أن قراءاتي الفكرية الفلسفية والحضارية والتاريخية كانت قد أفادتني ضمنا أكثر من قراءاتي الإبداعية أو النقدية الأدبية ربما أستثني الروايات الوجودية وروايات كافكا وكازنتزاكيس وكونديرا وبعض أعمال منيف وجبرا ...الروايات التي توقد الفكر والخيال تلك التي تظل كوشم بعيد وضبابي في أعماق الذاكرة، تختفي تفاصيله لكنه باق هناك متفاعلا بطرق مبهمة شديدة التعقيد...
عندما بدأت الفكرة تتسع في الرواية تفطنت إلى علاقتها الوطيدة بما أثرت من أسئلة فكرية في كتابي الحنين البدائي الذي نشرته سنة تسعين وتسعمائة وألف من أسئلة الذات والهوية والصراع الحضاري والعلاقة بالآخر الغربي وثنائية الماضي والحاضر ورغم الوضوح المعلن في العمل الفكري وجدت مجالا أكبر وحرية أجرأ في الرواية لأن البعد الإشكالي يتمظهر مندمجا مع لعبة الحياة التي هي لعبة الفن .
كل مضمون يقتضي شكله
جعلته إنسانا مهزوزا ومهزوما، تنتفض بقايا الإنسان في ذاته ذلك أنه مثقف، ومن فيئة وسطى "عالم أنتروبولوجي" ومحب للشرق وحضارته فكان مترنحا بين حركتين الأولى خارجية مجالها النجاعة ومظهرها السرد، والثانية داخلية ومجالها الإرتداد ومظهرها الشعر كملجإ حميم: فاصلا بين حركة الذات المغتصبة في منظور السياسة والإقتصاد، والذات المنتفضة والمهانة في منظور الفن والوعي الإنسانيين .
ذكرت ثنائية النثر والشعر لأثبت فعل الفكرة في صنع شكلها التعبيري المناسب ...ولأثبت أن الفصل بين الشكل والمضمون في العمل الروائي هو من تعسف النقد إن لم يكن من ضرورات التفكيك المدرسي.
فكل مضمون يقتضي شكلا وبقدر ما يكون المضمون جديدا في مجال السؤال واتساع الدوائر بقدر ما تكون لعبة الفن ممتعة في جدتها عند الكاتب ثم عند القاريء .
وأذكر أن الضمائر تعددت واختلفت بين سرد تقليدي بضمير الغياب إلى سرد بضمير المتكلم إلى آخر في ضمير الخطاب... وكل ذلك أيضا من شأن الخيار في المنظور الروائي ودوائره : فضمير الغياب مع حركة البطل في الخارج، وضمير المتكلم مع حركة البطل في الذات والوعي وضمير الخطاب مع الإدانة في تصاعدها من إدانة الذات إلى إدانة وضع بشري في جملة شروطه المعلنة أو الخفية سواءا في تخلف الشرق أو في عنجهية الغرب...في أرواح الماضي أو في مخالب الحاضر...إدانة تنقل الفن إلى الحياة ويستشعرها القاريء الذي يكون بدوره في ورطة الرواية...القاريء الذي خاطبته الرواية في مقدمتها وحذرته من مخاطر الفصل بين لعبة الفن ولعبة الحياة .
وكذا شأن الراوي بين الإختفاء والظهور في ثنايا النص ، يقمعه الكاتب في بقية الفصول لكن الكاتب بدوره يصبح مقموعا فيتمرد الراوي وينشيء حبائل تورط الكاتب وبين الورطتين يتورط القاريء في تلك الدوائر التي لا تفصل بين الفن والحياة ...
ورطة الطبيعة الإشكالية لرواية طمحت إلى توصيف واقع بأساليب فنية، تطلعت إلى البناء لكن كاتبها وجد نفسه مأخوذا بإشكالية الهدم التي هي من طبيعة الرؤيا...كاتب قطع مع اليمين واستجار باليسار معتقدا أنه الملاذ النقدي الآمن، فإذا بكل الأبعاد تنهار أمام ناظريه ، فجاءت الرواية تأريخا للهدم أو توصيفا له، رواية بين الهجاء والرثاء ...هجاء الذات ورثاء القيم...
وأؤكد في هذا المستوى أيضا أن الرؤيا هي التي فرضت كل ذلك لأن الدوائر الإشكالية التي طورتها ترفض كل نهاية منتظرة أو معهودة ، وأدركت أن الفضاء الروائي الذي أنجزت يستعصي على كل نهاية ...وكانت الصفحات الأخيرة احتجاجا فنيا يدين المنجز البشري ويعلن أن ورطة الوجود قد بدأت لحظة نهاية الرواية...
الفكرة هي جوهر الرواية
ينتصر كبار الروائيّين للفكرة على أنّها الجوهر الذّي يحقق أصالة النّص كما يقول "دستوفسكي" متحدّثا عن إحدى رواياته: " في الرّواية أشياء كثيرة كتبت على عجل ولم تكن موفّقة ... لكن هناك ما هو موفّق وصائب، أنا لا أقف إلى جانب الرّواية بل إلى جانب فكرتي" (3).
وحقيقة دفاعي عن الفكرة في الرواية قد يكون إعتراضا على بعض النظريات التي سادت منذ مطلع عشرية ماضية، نظريات بأقنعة شتى كنت قد حاربتها في حينها في كتابي النقدي "نظام الرواية الذهنية" الذي صدر سنة خمس وتسعين وتعود أسسه إلى مقالات نشرت سنة واحد وتسعين، نظريات إعتبرتها دون تجن عميلة، تؤسس للواحق الهدم وتنظر لمسار جديد فرضته العولمة واقتصاد السوق...
نظريات الموت والهدم منها نهاية التاريخ وموت الفلسفة، وموت الإيديولوجيا وموت الفكرة في العمل الإبداعي...رأيت في كل ذلك مدخلا لموت المعنى وموت المعنى من موت القيمة، وموت القيمة من موت الإنسان وتحنيطه ضمن معادلات السوق وصلبه مع لوحات الإشهار والدعاية...
أردت البطولة أمريكية، فكان لي ما أردت ، إعلانا أو تأكيدا لمقولة هيجلية تنظر لنهاية التاريخ في إتحاد بين العقل الغربي والدولة، مزيج غريب تشكل عبر أحقاب من منهج ديكارت وعقلانية كانط ونهايات هيجل وسوبرمان نيتشة ودكتاتوريات هتلر وموسيليني...
مزيج طبخ في حقبة إستعمارية أولى عبر فتح الأسواق تحت رايات الحرية والعدالة والأخوة البونبارتية ثم تمظهر في الحربين العالميتين وخلف بعدها أنظمة وسيطة تتاجر بوهم الحريات والإستقلال وكالة عن إستعمار أشد خطورة وخبثا ...
مرحلة سوداء في تاريخ البشرية لم أجد لها من الأسماء غير المرحلة الفاوستية، فيها تحالف معلن بين نزعة التاجر وحيل الشيطان ...
مرحلة شد الحبل على حزام الكادحين وشد الحبل على رقبة التاريخ البشري نظر لها مفكروا العولمة ، الذين إنتقلوا بهدوء من التفكير والتدبير إلى التبرير والتحبير بأجر مدفوع من دم الجياع والضياع "بعبارة السياب" ، يؤمهم فوكوياما بتفاؤله الساذج معلنا نهاية التاريخ السعيدة في ظل العولمة...
وما يعنيني أكثر في هذا المقام الروائي الموقر، هي الحيل الخداعة التي تسترت بلبس الفن لتقتل الفن، حيل المنظرين الذين طلبوا الفن في غرفة مغلقة "باختين" الذين نظروا لفن حرفي ماهر وماكر لا يداخله بؤس الحياة، الذين نظروا لكتابة سردية هادئة محايدة كترف لغوي لاشيء فيه غير اللعب باللغة والإشتغال عليها وفيها وإليها بعبارة بعض الأدعياء، اللذين نظروا لفن المتعة وتناسوا أن متعة المبدع في النقد والإعتراض والطموح والتطلع والتجاوز، وكل ذلك عبر تمرد هو من طبيعة الفن وحرية هي من شروطه الأولى...
قد أكون وقد شطت بي العبارة، قد إبتعدت عن حدود الشهادة، ذلك أني لم أدع لشهادات سابقة ولا أعرف للشهادة معنى غير تلك التي ورثتها في ملكوت الرب الغفور.
الكاتب ومسؤولية التاريخ
لكني لا أعلم دورا للكاتب وللروائي على وجه الخصوص: غير دور الإعتراض بأساليب الفن على المستور والمسكوت عنه في كل زمن ، أن يفكر بصوت مرتفع وأن يقدم فكره بحيل الفن ، وأن يزهد في حيل الحياة ...
وقديما قيل من عارض السلطان زهد في الدنيا، والكاتب الحر كمبدع، دائم الإعتراض ودائم التمرد حتى في جنات الخلد، لأنه منذور للحقيقة والحقيقة نسبية في كل موضع.
هذا شرط الفن في كل آن ، فكيف به في زمننا ، زمن الغبن والأراجيف، قدر كل كاتب حر من إبن المقفع إلى سارترأن يصلب على خشبة وعيه، فما الحال بكاتبنا وبمسؤولياته الأخطر، قد لا نحتاج إلى ذكر تقارير التنمية الصادرة عن المنظمات الأممية والتي تجعل العرب في آخر السلالات البشرية، وفي طليعتها تخلفا ونكوصا، لانحتاج إلى ذكر ذلك لأننا نعيشه ونختنق به، نعيش بين فكي كماشة رهيبة تدفع بالكل إلى حافة التطرف والإرهاب، كماشة بدائية قطبها الفاعل من نتاج آخر مراحل الإمبريالية وتحالف الساسة مع تجار العولمة المسلحين، وقطبها المعترض ينبعث من مقابر الأرواح وعواطف الماضي...
وقد ينسىالتاريخ محاسبة الحكام صانعي التخلف لأنهم ممسوخون في جلودهم عابرون في لحظتهم، لكنه لن يتغافل عن محاسبة الكتاب لأنهم من عشاق الخلود، نصبوا أنفسهم للشهادة أمام التاريخ فلا يجوز أن يكونوا شهاد زور وأن يقفوا موقف مزيفي النقود والعقود ...
قد لا أجد خاتمة لهذه الشهادة، وأفضل أن تبقى أفقا ضائعا من بعض آفاقنا، أفق البحث عن حرية تبدو كسراب خلب، دونها مفاوز ومهالك كثيرة، بعضها قديم معلوم وبعضها جديد من أحراش عولمة شديدة المكر والخداع.
هوامش
1- إبراهيم الكوني الخروج الأول إلى وطن الرؤى السماوية ص48 قبرص 1992
2- ميلان كوندرا فن الرواية ص190 قليمار 1986
"نقلا عن محمد خريف" "نشرية أفق الثقافية"
3-(م. باختين) شعريّة دستويفسكي ص 142 دار توبقال 1986
نشرت هذه الشهادة بأحد أعداد مجلة الحياة الثقافية









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية