رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

رواية مقهى الفن لعبدالقادر بالحاج نصر

من آفاق الرواية " محمد الجابلي"

 

 

- بين الفن والحياة
 

عندما تزول كل الأشواك ،وعندما يسير الإنسان حافيا دون خوف من المسامير الصدئة، عندها فقط يمكن أن نتطلع مع المتطلعين إلى فن خالص لايرتبط بغاية،فن ينشد المتعة ولاشيء غيرها، فن علوي لاتكدره نوازع البشر...

وإن كنا لانعتقد نظرية الفصل بين الممتع والمفيد أو بين الجميل والنافع،لأنهما مندمجان بحكم الضرورة على اعتبار أن الجمال نظام فيه سعي إلى إعادة ترتيب ما تشوش في الحياة بفعل الأنانيات الفردية ، لذلك تظل الحياة بتناقضها والواقع بنقائصه ركيزتي الإلهام الحقيقي منهما ينطلق وإليهما يعود ،ولذلك أيضا خاب مسعى أصحاب نظرية الفصل بين الفن والحياة أولئك الذين تطلعوا لعزلة الفن "بجعله في غرفة مغلقة "حسب عبارة "باختين" فخسروا الفن وخسروا الحياة لأنهم لم يحترموا شروط التواصل ففقدوا المتلقي الذي بانعدامه لن تكتمل  شروط العملية الإبداعية  ولن تحقق غاياتها...

ومن هذه المنطلقات المبدئية نقدم رواية "مقهى الفن " لعبد القدر بالحاج نصر" باعتبارها عملا فنيا اكتسب مشروعية من تقاطعه مع لحظة اجتماعية ونفسية وحضارية شديدة الصلة بحركة الجماعة تنطلق من خيار فني متميز ومن منظور نقدي متزن وهي تذكر بقول "الن تيت" في مفتتح نقده للرواية الإنجليزية: "هناك قصصيون محبوبون قدموا لنا مناظرنا وناسنا وفوق كل شيء قدموا لنا تاريخنا وكان لابد لنا من هؤلاء كي يوجهوا أنظارنا إلى معرفة أنفسنا التي تأخرنا قليلا في الوصول إليها ".

 

-       الفضاء العام للرواية :
 

امتدت الرواية في حيز مطبعي يقارب الثلاث مئة صفحة من الحجم المتوسط وانقسمت إلى مقاطع عديدة - لم نعتبرها فصولا لصلة الإختلاف فيها بحركة الشخصيات في الرواية- وهي بمثابة الفصول من جهة اختلاف أنماط التعبير في تنوع الضمائر وتعدد مواقع الراوي وتقارب في مجملها الثمانية والعشرين وتختلف من حيث الطول والقصرمتراوحة في عدد صفحاتها بين الخمس صفحات والعشرين .ويرتبط فضاء المكان فيها بقرية جنوبية لم تحدد باسمها إلا أن إشارات كثيرة في الرواية  تحيل على مسقط رأس الكاتب وإن ارتبطت جل الفصول بفضاء القرية فقد انفتح بعضها على العاصمة ومنها "باب سويقة " كما اتصل بعضها الآخر بمدينة قفصة .

وارتبط فضاء الزمان بالعشرية الأخيرة من القرن الماضي من خلال إشارات وظيفية متعددة ترصد الإختلال وانعكاساته على القرية وأهلهامثل (الآثار السلبية للإنفتاح الإقتصاد ووصاية البنك الدولي ...والفساد المالي والإداري...وحرب الخليج..)  فتوثقت  الصلة بين الحدث الروائي والأفعال وردود الأفعال من جهة وبين الإنفعالات المحدثة والسلوكيات الفردية والعامة من جهة أخرى ...وكل ذلك في اندماج بالشخصية التي جعلها الكاتب حاملة أوجه النظر النقدية من خلال حركتها المعلنة أو الخفية في صراعها وأهدافها وانتظاراتها حتى أمكن القول أن الرواية هي رواية إجتماعية يُضاء الحدث فيها من خلال تعدد الشخصيات التي يوحدها المكان وتشتتها الغايات فتأتلف وتختلف وفقا لمواقعها ليكون الفضاء الروائي ملحمة صراع منظور مسرحه القرية وأصداؤه متعددة فيها تداخل بين أوزار كثيرة تتصاعد من المحلي إلى الوطني ومنهما إلىالقومي والكوني...
 
-فضاء الشخصية:
 

ارتبط  المنظور الروائي في "مقهى الفن " بالشخصيات التي أرادها الكاتب ممثلة للقرية وحاملة لأوجه النظر النقدية في تعددها من خلال مواقع اجتماعية وطبقية مختلفة ومن خلال تقاطع المصالح وتضارب أو تعارض الغايات فكان الإنطلاق من شخصيتين مركزيتين سيجت مسيرتهما الإطار الروائي وهما (عيسى ويوسف العزيزي)، شخصيتان وحدتهما الأصول وفرقتهما الغايات ،فانطلقا من فضاء واحد وانتميا إلى جيل واحد : جيل شاب حاصرته االحدود فترنحت واختلفت وتقاطعت ردود أفعاله ومن ذلك الإختلال صاغ الكاتب منظوره الروائي الناقد للأصول والفروع ضمن دوائر متعاقبة تضيق وتتسع لتشمل أحوال القرية ومنها البلاد في محليتها أو الوطن في عروبته أو الإنسان في ظل المستجدات الجائرة للعولمة وآثارها المدمرة للإقتصاديات المحلية ...ومنها أن يكون عيسى شخصية مثالية حالمة ينسحق بين الكون والإستحالة ينقطع عن الدرس ليلامس وليعاني إنحراف الإدارة وانغلاق المؤسسة وفشل الحب وخيبة الأمل لتكون خطاه إنتحارا محتما لحظة غياب الأطرالحاضنة لوعي إنساني وحلم مشروع (ظل واقفا على الرصيف :رصيف القرية ورصيف قلب خديجة)، وعلى النقيض من كل ذلك يكون يوسف العزيزي شخصية نمطية مرعبة تنتقل من الإسطبل إلى فضاء القرية ومنهما إلى فضاء أرحب ينفتح على وعي جهنمي بسلطان المال وممكنات توظيفه فتتحول القرية على يد يوسف وأمثاله من الهدوء إلى الإضطراب وتنتقل مسرعة من التظاهر مساندة للعراق وفلسطين إلى الرقص والفرجة في مشروع يوسف الجديد "مقهى الفن"...ومن الشخصيتين المركزيتين تطالعنا شخصيات فاعلة كثيرة منها وجهاء القرية وعلى رأسهم "التهامي"  ( الجامع بين الفحولة والنذالة) بحضوره القوي ومخططاته الجهنمية ،وإبنته خديجة بتطلعها وتمردها ثم بانكسارها وخضوعها..والراقصة وردة بوعيها وسلبيتها ومحبوبة بانتقالها بين وضعين وعبدالباقي في إشراقه وانكساره ...شخصيات كثيرة استطاع الكاتب أن يخضعها لمسار وظيفي يندمج مع الفضاء العام للرواية ...

 

-   الفضاء التعبيري ووجهات النظر:
 

النص في مقهى الفن لغة صقيلة يكاد يستغرقها السرد الذي يتجمع في خيار موحد للراوي العليم مع تنويع موفق في الضائر يؤدي أو يسمح باستبطان أغوار الشخصية في تراوح بين كشف لأبعاد خارجية وانكشاف لردود أفعال وانفعالات ضمن العلاقات المتوترة مع الذات والآخر والمكان والزمان(خاصة في شخصيتي عيسى/خديجة) ، وإن جاءت لغة السرد موفقة بإيحائها وشفافيتها فإن لغة الحوارالخارجي بدت مختلة بين نزوع واقعي يداخله تبسيط يقارب الحوار العامي وبين أدبية تتجاوز في معظم الفصول الشخصية وفضائها التعبيري المنتظر ( أنظر ص192/182) ...واستطاع الكاتب -في اعتقادنا- خلق مجال إيحائي بتوظيف أمثلة شعبية إستطاعت أن تكّوّن روافد دلالية ورمزية في صلة بالحدث والشخصية...

 ومن محاسن الرواية أن تنصب الفضاءات فيها في منظور نقدي يمسك بانهيارات اللحظة وبمجمل أوزارها الإجتماعية والنفسية فجعل من القرية وشخوصها معبرا لمجمل إشكاليات عشرية اكتنفتها الفوضى والتداخل واستحال فيها الحلم وهما كما الإنسان  وقودا مستهلكا ...ولا تفوتنا ملاحظة الخيار المشهدي الذي في اعتقادنا لم يخدم الرواية وخاصة المشهد الأخير (الصراع بين يوسف والتهامي ) وفرجة أهل القرية ...

وفي الختام نعتبر مقهى الفن إضافة هامة في مسيرة الرواية التونسية لأن كاتبها لم يتقنع بأقنعة التعمية وعبر بوسائل فنية مقنعة عن أوجه نظر واضحة ومسؤولة ...

                

 

 "مقهى الفن –عبدالقادر بالحاج نصر"- فنون الرسم 2002

نشر المقال بأحد أعداد الطريق الثقافي 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة