رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

تماهي الأدب والحرية – لجلول عزونة

كتب وقضايا:
محمد الجابلي

الصورة من إحدى ندوات الرابطة 
 
 

كتاب جلول عزونة الجديد " تماهي الأدب والحرية " يذكرنا بأطروحة سارتر حول الأدب الملتزم فهو وإن كان توثيقا لمحاضرات ومداخلات متباعدة في الزمان والمناسبة  فإن الجامع بينها هو الإلتزام بحرية الكلمة والدفاع عنها ...

يختزل الكاتب مقاصده في فاتحة الكتاب بتصدير من شعر أبي القاسم الشابي " خلقت طليقا..." وبكلمة عنوانها- هاجس الحرية- يؤكد فيها التلازم بين الإبداع والحرية في كل العصور ثم ينقلنا الكاتب إلى فكر النهضة من خلال مناقشة أطروحات روادها (عبده-الأفغاني–رشيد رضا-قاسم أمين –خير الدين...الحداد..) ويستعرض أهم الإشكالات التي واجهتهم أو واجهوها ويخلص إلى ضرورة التجاوز بخلق معادلة بين القديم كركيزة ذاتية حضارية والجديد كضرورة معرفية وعقلانية تبتعد عن الإنغلاق...
 
وفي مقال الأدب التونسي واقعه وآفاقه يبدأ بتعريف الأدب ويتخلص إلى الأدب التونسي في استقراء تاريخي لجذور التسمية ومحاولة البحث عن خصوصية وجذور تصل حاضر الأدب التونسي بماضيه القديم –قبل الإسلام- ويثير الباحث بعض العقد المعرقلة لمسيرة الأدب التونسي مثل "عقدة المشرق" ثم يختم بتأكيد دور الحرية في النهوض بالأدب وضرورة دعم مكانة الكاتب ماديا ومعنويا...
 
ثم يتعرض في مقال " من خصوصيات الفكر النقدي الحديث" إلى آثار الوضع السياسي المتخلف في الوطن العربي علىالثقافة ومناهج التدريس، ويستعرض تطور النظرية النقدية عند العرب من الجاهلية إلى عصر النهضة مركزا على الصلة بين جمود النقد وعصور الإنحطاط في الحضارة العربية، ويخلص إلى ضرورة مسايرة النقد للمجتمع وحركية الواقع ..وفي مقال "خطورة التطبيع علىمستقبل النضال القومي" فضح الكاتب ممارسات بعض الكتاب في مصر وفلسطين الذين انساقوا وراء المصالح المادية المحدودة ثم استعرض الكاتب عوامل الهزيمة الداخلية التي هي أخطر من الهزائم الخارجية واستشهد بالهزيمة السريعة للهنود الحمر على يد المستعمر الغربي في القارة الأمريكية وفي القرن الخامس عشر مؤكدا على ما يتصل بالعقلية الخرافية الإنهزامية ودورها في التداعي السريع للهنود على نقيض الإرادة الفاعلة لشعب الفيتنام الذي هزم المستعمرين الفرنسيين ودحر الغزو الأمريكي ...ووصل الكاتب إلى إستنتاجات قياسية تؤكد سعي الصهيونية والإمبريالية إلى تدمير معنويات الشعب العربي وتفتيت حواجز المقاومة فيه بشكل تدريجي مدروس ودعا الكتاب إلى تحمل مسؤوليتهم التاريخية وتوظيف طاقاتهم الإبداعية لرفض وفضح الإنحرافات السياسية المشبوهة  والدفاع عن المستقبل إنطلاقا من مسؤولية الحاضرووعي بإيجابية دروس الماضي النضالي ...
 
وفي مقال "الإبداع والرقابة" يستعرض الكاتب الصراع القديم بين  الحكمة والسلطان ويعود إلى معاناة الكتاب ونضالاتهم في سبيل حريتهم الفكرية إبتداء بحرق الكتب مرورا بالنفي والتنكيل وصولا إلى القتل ويستشهد بسيرة كتاب وفقهاء ومفكرين من المشرق و المغرب و الأندلس أمثال ( مالك بن أنس،الحسن البصري،بن عصفور،علي بن زياد،البهلول بن راشد، بن مسرة، وبن حزم،وبن رشد، وبن الآبار...) مرورا بابن أبي الضياف وطمس الحسينيين لآثاره وصولا إلى زمننا واستفحال مصادرة الكتب فيه  مما يؤكد تواصل محن الكتاب مع السلطان في العصور المختلفة وتعرض الكاتب لوضع الرقابة في زمننا  ولادستورية وجودها مطالبا بحذفها وبضرورة الصراع من أجل حرية الكلمة ...
 

وتختص المقالات اللاحقة بمناقشة قضايا فنية نقدية تتصل بالشعر بين قديمه وجديده وينتصر الكاتب لظواهر التجديد مؤكدا جذورها القديمة في التراث مستعرضا محاولات الخروج عن قوانين الخليل قبل الموشحات مبررا غلبة القديم بغلبة المحافظة والنزوع إلى التقليد خاصة في عصر انحطاط الحضارة العربية ومؤكدا أن محاولات التجديد متأصلة قديمة في الشعر العربي قبل المستجد من آثار التجديد الغربي ..

.ويتعرض الكاتب إلى ظاهرة التكسب في الشعر العربي في باب "المدح وأزمة الشعر العربي" مستعرضا علاقة الشاعر بالسلطان، وموقف الإسلام من شعر التكسب مركزا على أزمة المبدع الحديث ودفاعه عن الوجهة الإنسانية لرسالة الإبداع وضرورة التصدي لظواهر تحريف رسالة المبدع وتحويل وجهة الإبداع ...وفي مقال " الترجمة من العربية وإليها " إستعرض الكاتب مسيرة الترجمة من العربية وإليها عبر أزمنة مختلفة من العصر العباسي إلى مدرسة طليطلة بالأندلس ومدرسة سالارن بصقلية وصولا إلى واقع الترجمة في الزمن الحديث ...مؤكدا دور الترجمة في كل نهضة حضارية داعيا إلى ضرورة وضع خطة علمية وتصور مدروس يبتعد عن الدعائية المفرغة ويعيد للترجمة دورها الإنفتاحي الإستيعابي في تطوير الذات والحضارة ..ثم يخلص الكاتب في الأدب المقارن إلى دراسة أثر كتاب طوق الحمامة لإبن حزم في شعر التروبادور الإسباني ويختم الأبواب بشهادة ابن جبير على وضع المسلمين في صقلية زمن النورمان ...
 

والكتاب في عمومه تأكيد لتماهي الأدب مع الحياة وتماهي الحياة مع الموقف والمبدإ والدفاع عنهما، وهو تأكيد علىأن شرف الكلام لايتأسس من تأنقه أوزخرفه بل من دفاعه عن حقيقة ذاتية أو موضوعية يرتئيها الكاتب ويجّد في الدفاع عنها . وفيه جمع بين جدية الباحث ووعي المثقف وجرأة المناضل، وهو بذلك تسفيه لبعض النظريات السلبية المريضة تلك التي تسعى إلى عزلة الأكاديمي وسجنه داخل شرانق البحث، وإخراج البحث من دوائر التدافعات الحية ،فيموت من حيث أراد الحياة ، ويبتعد ،ويتحنط في عزلة أساسها وهم زائف...

 

جلول عزونة – تماهي الأدب والحرية- "دار سحر 2002"

 نشر هذا المقال بجريدتي: الشروق والطريق الجديد " حين كان النص ممنوعا"

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة