رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

تطور الكتابة السردية في الرواية التونسية

الملتقى الدوري لنادي القصة30/08/2003

(المركز الثقافي الدولي بالحمامات)

  
 

219ima

 
 

  محمد الجابلي

مدخل: سطوة النقد على التاريخ
 
أود الإنطلاق من بعض الأسئلة الإشكالية التي اعترضتني أثناء البحث في بدايات الرواية التونسية، وأهم هذه الإشكاليات مسألة نظرية على قدر من الأهمية،لأنها المولد الأساس لبقية الإشكاليات الفرعية اللاحقة.وأعني بهذه المسألة: التداخل بين النقد والتاريخ أو سطوة النقد على التاريخ . لأن معظم الدراسات في الرواية لا تقيم حدا منهجيا بين المستويين بل تتعمد الخلط بينهما قصد الوصول إلى أحكام تقييمية فيها قدر من الحيف...كالقول بأن الرواية التونسية بدأت مع المسعدي في أواخر الثلاثينيات أو أنها بدأت مع أول رواية نشرت كاملة للعروسي المطوي غداة الإستقلال...
ومثل هذه الأقوال هي وجهات نظرلها ما يبررها في  باب النقد. لكنها تتحول إلى أحكام ومصادرات  في باب التاريخ ثم تنتقل بالتدرج إلى الوعي الجماعي حتى تمتلك  سلطة الرأي العام الثقافي الذي ينزع إلى التسليم والشمول. ومثل هذه المصادرات- التي تغلب النقد على التاريخ- وردت كذلك في شأن  الرواية العربية، فتمّ الترويج لرواية زينب "لمحمد حسين هيكل" التي نشرت سنة 1914على أنها الرواية العربية الأولى  .

وهذه الإشكالية الأدبية البريئة في ظاهرها تقودنا –إضطرارا- إلى إشكالية تاريخية حضارية أكثر عمقا والتباسا :إشكالية رؤيتنا لأنفسنا في علاقتنا بالآخر

ولأني لا أؤمن بالأفكار البريئة ولا بنظرية فك الإرتباط  بين الفن الجميل والحياة القبيحة أكاد أجزم أن سطوة النقد على التاريخ في الرواية التونسية أو العربية هي من فعل سطوة حداثة موهومة فيها الكثير من التنكر للواقع  بهدف تدمير ما بقي من جسور خصوصية قد تؤدي إلى وعي ذاتي حضاري يتعارض حتما مع المشروع الغربي سواء  في منطلقه "الحداثي" أو في مستقبله "المعولم".
 
ويمكنني أن أنطلق من أن اختلاف القول في تاريخ الرواية عند العرب هو سليل الاختلاف في مقوّمات الحداثة العربية وفي مدى أصالة أو إنبتات  تلك المقومات واهتزازها بين عاملي التطور الذاتي من جهة وانعكاس حداثة الغرب من جهة ثانية ،إذ تم تغييب مقصود لمرحلة من تاريخنا الأدبي فيها ملامح مقومات سردية كان يمكن في حال تواصلها أن تؤسس لواحق فنية وثيقة الصلة بالذات والواقع.   والرأي الذي يكاد يجتمع عليه نقادنا موصول للأسف -بقادح غربي: مفاده أن الرواية فن غربي شكلا ومضونا وأن بدايتها عند العرب موصولة بتقليدهم الناشئ عند انبهارهم بهذا الجنس عند الغرب، وهذا الرأي الأول يفسر رأيا آخر فيه شيء من التعليل رغم خطورته مفاده أن الرواية مشروطة بالخيال وأن الخيال محدود وقاصر عند العرب ومحدوديته ترتبط بمحدودية المجالين الاجتماعي والبيئي من حيث التعقد والتنوع (1)
 

والملاحظ أن الرأيين السالفين يتكئان على قاعدة نظرية أوسع في دراسة تاريخ ظهور الجنس الروائي وخاصة ما ذهب إليه "ج. لوكاش" في إقراره أن الرواية ملحمة بورجوازية: "وهي الشكل المطابق للتجزئة والتشظي وعواقب الاستلاب داخل المجتمع البورجوازي" ظهرت كاستجابة لتعقد المجتمع الصناعي واختلال ما كان مألوفا من طبقاته.

وكما أسلفنا فإن الرأي الغالب عند النقاد العرب يؤرخ للرواية العربية بصدور رواية "زينب "سنة 1914، ولا يخفى ما في هذا الرأي من تجاهل لسوابق هامة في تاريخ الرواية العربية، ويبدو أن في السكوت عن تلك البدايات حيفا حتى وإن احتج أصحابه بمسألة النضج في الشكل الروائي بجعلهم رواية "زينب" نقطة الانطلاق لأنهم بذلك يدعمون الرأيين (الغربيين) السابق ذكرهما ،لأن رواية "زينب" تدين بشكلها الفني للأدب الأوروبي (2)، ومثلت جسر عبور بين شكلين سرديين :الأول تقليدي والثاني حداثي غربي وقدعبر "د. علي الراعي" عن هذا الصراع في الرواية بين الشكل والمضمون بصراع "بين الرواية والنثر الفني" (
3) وهو صراع في الحقيقة بين الجذورالسردية التراثية وبين المقومات الجديدة لفن الرواية بمنظوره الغربي ...
 

والدليل على أن هذه الجذور ظلت فاعلة بل كانت الركيزة الأولى لظهور جنس الرواية، ما تبدّى في الكتابات العربية السابقة لرواية "زينب" من محاولات تطويع وتطوير لفنون السرد قبل الانفتاح على  الرواية عند الغرب ،وخير دليل على ذلك ما كتب في أواخر القرن التاسع عشروبداية القرن العشرين مثل رواية (علم الدين)  "لعلي مبارك" التي نشرت سنة- 1883- و رواية (ورقة الآس) "لأحمد شوقي" و(ليالي سطيح) "لحافظ ابراهيم" و(حديث عيسى بن هشام)  " للمويلحي"في مصر،أو ما نشركذلك في بلاد الشام مثل (مقامات مجمع البحرين) "لليازجي" و (الساق على الساق) "لفارس الشدياق" (4)

ولما تقدم  نعتبر أن الرواية نشأت نشأة عربية اقتدت فيها بالسير والمقامات ثم تلمست سبلا جديدة للتواصل، وما إن أسعفتها البيئة بالجديد حتى تطورت خاصة عند ولادة طبقة وسطى كان نصيبها من الحلم أكثر من نصيبها في الواقع، فكان السعي إلى تشكيل رؤى جديدة فيها كثير من المراجعات والتقييم والتقويم رغم تواضع البدايات. و التغيرالحاصل في مطلع القرن الماضي، فرض تجاوزا لا بد منه فكان أن اتجه الذوق وجهة الواقع الحاث على الخلق، وكان لا بد من تجاوز الكتابات التي توكأت على الماضي لمغازلة الحاضر مما هيأ لظهور الرواية التاريخية التي تعتبر مرحلة إنتقالية في تطور السرد العربي في ما يلائم البيئة والذوق فظهرت روايات "جورجي زيدان" في أواخر القرن التاسع عشر وهيأت سبل التواصل لروايات جديدة  سعت إلى تمثل حاضر الإنسان في مشكلاته الإجتماعية والنفسية،وجعلت من الواقع منطلقا لها مثل  (في وادي الهموم) "لمحمد لطفي جمعة" و(عذراء دون شواي) "لمحمود طاهر حقي"....

وهذه النصوص المتقدمة التي تجاهلها  النقاد هي سليلة الحركة الحاصلة في الواقع والوعي والذوق، وهي تمثل مرحلة لا بد منها في تاريخ تطور جنس الرواية عند العرب قبل رواية (زينب) ...وهي –بحدودها- تقيم الدليل على تسلط النقد على التاريخ لأن النقد يسمح بالإنتقاء والتقييم والإختزال وتسليط الأحكام ،في حين أن التاريخ ملزم باستقراء المنجز في تراكمه وتواضعه وحدوده...
 

ومن الجلي أن تسرّع النقاد في تحديد بدايات متأخرة للرواية،فيه توجيه ضمني لمستقبلها ورسم خفي لملامحها وفق النموذج الغربي.   

ومن هذه الملاحظات في تاريخ الرواية العربية أخلص إلى تاريخ الرواية التونسية وسأنطلق من الجذور الأولى المؤثرة في نشأة السرد وتطوره اللاحق.
 
النشأة أو ملامح التأسيس
 

 وأعتقد أن المؤثر الأهم هو الكامن في الذاكرة والذائقة الثقافيتين، ونعني به المؤثر التراثي وما فيه من اعتبار للحكي : اعتبارا يتجاوز الامتاع والاستمتاع ليصل حد القداسة.

وهذا المؤثر الكامن - على أهميته- لا يمكن أن ينتج جنس الرواية بمقاييسه المعلومة إلا أنه يهيئ المناخ الملائم لتطوّره واكتماله، وعاضده مؤثر آخر له من الأهمية القدر الكبير في مستوى التصوّر الفنّي لجنس الرواية ، تمثل في الإطلاع على الآداب الغربية وخاصّة المستجد منها من خلال تعريب بعض الآثار في وقت متقدّم .وكان "محمد المشيرقي" أول من تصدى لهذه المهمّة عندما عرّب بعض الفصول من قصص الكاتب الروسي الشهير "تولستوي" ثم عمد إلى تعريب رواية "خاتم عقد بني سراج" ل"شاتوبوريان"( 9) ،.ومن هذه الشرارات الأولى ما ذكره الأستاذ "محمد الفاضل بن عاشور" حول تعريب قصيدة "فيدورة" عن الكاتب الفرنسي "فكتور سارد" التي تعاون على سبكها بالعربية كل من "محمد العربي الجلّولي" و"محمد الجعايبي" ونشرت كاملة سة 1912 (11) ومن المؤثرات كذلك، الولع بالاقتباس مثل رواية "فظائع المقامرة" التياقتبسها "إبراهيم بن شعبان" عن فكرة شريط سينمائي وكان الدافع فيها تعليميا أخلاقيا أكده كاتبها في مقدمة الرواية بإهدائها إلى الوطن (12)
 

وتنعكس أصداء الذاكرة بوضوح في العقد الأوّل من القرن العشرين وتحديدا في رواية "السهرة الأخيرة في غرناطة" التي ألفها "حسن حسني عبد الوهاب" ونشرت في مجلة "النهضة لشمال إفريقيا" سنة 1905 (14) ويرتبط موضوعها بأفول نجم الحضارة الإسلامية (15) وفي الفترة نفسها صدرت رواية "الهيفاء وسراج الليل" لمؤلفها "محمد صالح سويسي القيرواني"  ونشرتها جريدة "خير الدين"  وتشترك مع سابقتها في الحنين وكذلك في التوجه الإصلاحي رغم اختلافهما في فضاء المكان ،إذ اتصلت الأولى بالأندلس في حين ارتبطت الثانية بالجزيرة العربية.

وفي هذه النصوص المتقدمة إنشداد إلى الماضي يكاد يغيب معه الحاضر فتتالت المقالات الداعية إلى ضرورة ارتباط القصة التونسية بالواقع وبضرورة تأكيد صورة للحياة التونسية بما فيها من ألوان وأذواق، فأتى هذا التوجه بنتائجه كما ذكر "الفاضل بن عاشور" فكان فيما نشرته مجلة "العالم الأدبي" من أقاصيص ذات لون تونسي متصل بصميم الحياة الشعبية والنفسية العربية ...و أكثر ما نُشر من تلك القصص ورد بإمضاء رمزي (20). وإخفاء الأسماء مرتبط بالتوجّه النضالي الجديد، وبالرسالة التي وعاها المثقف والتي ستتجسّد في نصوص روائية لاحقة يمكن أن نعتبرها فاتحة مرحلة هامة في الرواية التونسية ستفعل في توجيهها فنيا ومضمونيا وسيستمر أثرها لعدة عقود لاحقة.
 
وهذا التوجه أثمر رواية اختلف فيها النقاد وأثارت جدلا (21) ولم يعرف إلا جزؤها الأوّل الذي نشر سنة 1910 . وهي "الساحرة التونسية" لصاحبها "الصادق الرزقي" صاحب الإسهامات المشهودة في الحياة السياسية والثقافية وصاحب مؤلفات عديدة من أهمها : "الأمثال " و"الأغاني التونسية" وأهم ما في هذا النص الروائي عزوف صاحبه عن قطبي الإقتباس والحنين ومحاولة تمثُله للواقع التونسي في أبعاده السياسية والإجتماعية والجغرافية إذ انشدّ المكان فيها  إلى المدينة بحاراتها وأرباضها ، كما ارتبط الحدث فيها بعائلة فقيرة فقدت عائلها في النضال ضدّ الأجنبي. ويظهرفيها النقد السياسي من خلال نقمة الكاتب على "الحسن الحفصي" الذي "اشتغل باللهو... وقد فشى في المملكة خبر انشغاله عن أمور الملك بالملاذ والملاهي.23
 
ورواية "الساحرة التونسية" بما قيها من جرأة التشهير بالفساد السياسي فتحت السبيل لكتابات لاحقة أو متزامنة معها سارت على المنوال نفسه واتخذت من الهُزء بالمعمرين ورجال الاستعمار مضامينا لها، من ذلك رواية (دالماس) لـ"سليمان الجادوي" وهو من الذين تجندوا لمقاومة الاستعمار عبر إنضاج الوعي الوطني المقاوم فأسس لذلك الغرض صحفا عديدة كان لها كبير الأثر في الثقافة الوطنية وهي (المرشد ومرشد الأمّة وأبو نواس)، ومن واقعية هذه الرواية أن اتخدت من اسم أحد الاستعماريين المكلفين بإدارة المدرسة الصادقية بطلا لها ، وتميزت  بطولها إذ اشتملت على سبعة فصول ويعتبرها محمد صالح الجابري  "النموذج التاريخي لميلاد الرواية المقاومة والقصة النضالية "  إضافة إلى تميزها بخصائص فنية مثل استبطان أغوار الشخصيات وتصوير "دالماس" مفضوحا أمام نوازع نفسه الاستعمارية ...
 

إن تميز نصوص "الرزقي" و"الجادوي" بمقاربة البيئة المحلية لم يمنع ظهور نصوص روائية أخرى فيها حسّ سياسي لكنه على صلة بالحنين للخلافة العثمانية الآفلة، فسجّل بعضهم صفحات من "الحرب المليّة" في صياغة روائية تمجّد بطولات الأتراك وتحلم بعودة أمجاد الإمراطورية العثمانية، ومن أبرز هؤلاء الكتاب "محمد الحبيب" الذي أصدر روايتين في نفس الغرض رغم اختلاف الأسلوب فيهما، وهما (بسالة تركية) و(وطنية الأتراك) (27) تأثر فيهما بزيارته لدار الخلافة العثمانية..

- ومرحلة التأسيس يمكن أن تمتد إلى أواخر الثلاثينات من القرن العشرين بما في ذلك نصوص "محمد قبادو" التي وظف فيها أسلوب المقامة... لكن الأثر الأعمق في المدونة السردية وتشكّل ملامح الوعي الفنّي بدأ مع "جماعة تحت السّور" وتحديدا مع نصوص "علي الدوعاجي" التي تميزت بخصائها الفنية وعمق مقاربتها للواقع الإجتماعي وصدق تمثلها للشخصية التونسية، ورغم أن شهرة "الدواعاجي" اربتطت أساسا بفن القصة فإن أثره جليّ في توجيه الكتابة السردية عموما وجهة واقعية. فقد أسهم  بروايتن إحداهما من أدب الرحلة وهي (جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط) والثانية  أشار إليها "محمد فريد غازي" ووصفها بأنها : عمل روائي مرموق (29) لكنها لم تر النّور في عالم النشر وهي بعنوان (شوارع الأقدام المخضّبة).
 
 - ولئن اعتبرنا "الصادق الرزقي" بروايته "الساحرة التونسية" رائد النشأة و"الدوعاجي" بنصوصه العديدة رائد التأسيس فيمكن أن نعتبر "المسعدي" رائد مرحلة النضج باعتبار الوعي المبكر بأصول هذا الفن إذ بدأ بنشر فصول (حدث أبو هريرة قال) منذ أواخر الثلاثينات في "الزمان" و"المباحث". ورغم تأخر نشر هذه الرواية كاملة فقد اعتبرها بعض النقاد انطلاقة رسمية للرواية التونسية (30) بما فيها من انعكاس لأصداء حضارية وكونية ...

وفي الأربعينات  انصرفت عناية المثقفين بكاملها إلى الشأن السياسي فلم تظهر نصوص جديدة إلا غداة الاستقلال وتحديدا سنة 1956 مع روية "محمد العروسي المطوي" (ومن الضحايا) وهي الرواية التونسية الأولى التي نشرت كاملة تلتها روايتان لـ"عبد الحميد منيف" هما (سر المعركة) و(أخيرا تزوجتها) و هذه الروايات  في مجملها متأثرة بحوادث الإستقلال وروح الكفاح الوطني والدعاية السياسية.

ولئن بدت مرحلة الخمسينيات مرحلة انتقالية برواياتها الثلاث فإن العقدين المواليين قد احتضنا حركة روائية هامّة، تمثلت في وفرة نسبية للنصوص وفي نظرة جديدة للواقع فيها كثير من النقد والتقييم مع سعي إلى التأصيل ومحاولة التجديد، على اعتبار الفهم الخاصّ للفن الروائي وما فيه من ممكنات الانفتاح والتجاوز والبحث عن صيغ فنية فيها كثير من الجرأة والتميز.
 
 مرحلة النضج
 

وفي هذه المرحلة التي تواصلت فيما يقارب العقدين أمكن الحديث عن اتجاهات في الرواية التونسية، بعضها مواصلة وتطوير لجذور واقعية ككتابات "خريف" (حبك درباني) و(برق الليل) و(الدقلة في عراجينها)  وبعضها يوظف الواقعية كأداة للدعاية السياسية ككتابات "محمد العروسي المطوي" (حليمة) و(التوت المر)، وبعضها الآخر ينحو بالواقعية منحى التاريخ مثل "محمد المختار جنات" في روايتي : (أرجوان) و (نوافذ الزمن)،

،وحسبنا أن نُشير باحتراز إلى الاتجاهات التي بدأت تتمظهر فنيّا ومضمونيا منها ما يمكن أن يُلحق بالواقعية وتفرعاتهاالكثيرة مثل (المنعرج) لـ"مصطفى الفارسي" و(يوم من أيام زمرا) لـ"محمد صالح الجابري" و(بودودة مات) لـ"رشاد الحمزاوي"... إضافة إلى نصوص أخرى أدرجها البعض ضمن (التيار الأدبي الجديد) أو (الاتجاه التجريبي) منها كتابات "عبد القادر بن الشيخ" و"عز الدين المدني" وغيرها...

ورغم ما أسلفنا في شأن ريادة "المسعدي" بنصوصه المتقدمة زمانا وفنا ،ورغم الرعاية الأكادمية التي حضيت بها تلك النصوص مما هيأ لولادة إتجاه إنشائي يعلي من شأن اللغة ويجعلها مقصدا لذاتها ، فإن الاتجاه الواقعي بأصوله القديمة التي انطلقت منذ مطلع القرن مع ـ "الصادق الرزقي " والذي تدعّم بكتابات "الدوعاجي" ونُضج في أعمال " خريف" وتفرّع في كتابات اللاّحقين كان -في إعتقادنا- أكثر تجذرا من حيث صلته بالواقع وارتباطه بحركة الوعي ورصده لأهم التحوّلات الإجتماعية والنفسية والسياسية وقد تدعّم هذا الاتجاه بنصوص مُتميزة تجاوزت المرحلة "التسجيلية" وضربت في مجال التنويع مضارب شتى...

ولئن تجاوز عدد الروايات المنشورة "السبعين" في النصف الأول من الثمانينات (32) فإن ما صدر بعدها يُعد تراكما جديرا بالدّرس والتوثيق نشأ من  تعايش الإتجاهين (الإنشائي والواقعي )...
 

 وحسبنا في هذا المجال أن نشير إلى بعض الملامح الكبرى ،من خلال إستقراء مختصر لنماذج نعتقد – باحتراز- أنها تعكس واقع الرواية التونسية، ففي العشرية الأخيرة من القرن الماضي تطور الإتجاه الواقعي وتفرّع في نصوص كثيرة إكتمل في بعضها الوعي الفني "كرأس الدرب" لرضوان الكوني فيما يمكن أن يؤسس لواقعية فنية ،ونزع بعضها إلى فضح الواقع ورصد تحولاته فيما يمكن أن يؤسس لواقعية نقدية تؤرخ فنيا للتحولات الكبرى في واقعنا الإجتماعي كرواية "النزيف" للناصر التومي و "مقهى الفن" لعبدالقادر بالحاج نصر، واتجهت نصوص أخرى وجهة ذاتية تأسست على الحنين واسترجاع الفضاءات المفقودة مثل "دار الباشا" لحسن نصر و"حب الزمن المجنون" لعبدالواحد براهم و"عشاق بية " للحبيب السالمي".

ولايمكن الحديث عن الواقعية دون الإشارة إلى تجربة محمد الهادي بن صالح التي اتسمت بترائها تواصلت منذ السبعينات في روايات كثيرة تفضح دوائر السقوط الإجتماعي وتؤرخ للرذيلة.

وفي مقابل هذا التراكم الواقعي تطور الإتجاه الإنشائي باحتشام ، من خلال نصوص  "بوجاه وطرشونة" لكننا نعتقد أن فرج لحوار بسعيه إلى تطوير نصه يرسم مستقبل هذا الإتجاه ، ففي رواية المؤامرة محاولة جادة للخروج من أسر اللغة وسعي إلى ربط الفن برؤية نقدية في علاقة بلحظة تاريخية ذات خصائص وأبعاد إجتماعية،
 
 ونشيركذلك إلى نصوص متأخرة فيها سعي إلى التجاوز  ضمن ما يسمى بالميتاروائي: أي أن يتجاوز النص حده المعلوم وأن يباشر القاريء في لحظة سفور تخترق التواطؤ الفني المعهود وتحطم ذلك التعاقد الضمني بين الطرفين  لتزول الفواصل بين الفن والحياة. ومن هذه المحاولات رواية "في انتظار الحياة" لكمال الزغباني و" شيخان" لحسن بن عثمان...
 
ملاحظات ختامية
 
وفي الختام يمكن أن نقول أن الرواية التونسية لم تنشأ من فراغ كما لم تنشأ من تثاقف غربي بل إتكأت على جذور موصولة ثم تفرعت و تطورت، وأن اللاحق منها لايحجب فضل السابق، وأن الحاصل فيها نصوص جادة في مستوى المضمون ،جريئة في مستوى النقد،ممتعة في مستوى الفن...تجاوزت من خلال وعي أصحابها بعض الإختلالات المعيقة كالمباشرة ،والدعاية السياسية والإثارة المجانية،والسطو على التراث،والإنشائية المفرغة.
 

إلا أننا نلاحظ في المقابل سيطرة نزعة محافظة حدت من طرافة المضامين وحددت زوايا النظر لواقعنا المتغير، فتقلص الحلم أو ما يسمى بيوتوبيا الفن، فتقيدت نصوصنا بمنظور ردة الفعل والإنفعال في تدافع آني بين الذات والواقع تتقلص فيه مغامرة الأعماق لتكون النصوص رغم تفردها أسيرة أفق منظور وخيال محدود.

ويمكن أن نتطلع إلى آفاق مستقبلية ،تغامر فيها الرواية شكلا ومضمونا مغامرة الإمتلاء، وتجنح جنوحا خلاقا فتتعدد فيها الأصوات وتصخب فيها الأصداء...

وهذه الرواية المرتقبة لن تتنفس في مناخ آحادي، لأنها في صلة بالتعدد والإمتلاء وفي حاجة إلى تحرر الثقافة من الأوصياء والسماسرة والوسطاء...//
 
مداخلة قدمت بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات
نشرت قبل ذلك بأحد أعداد مجلة الحياة الثقافية ثم نشرت بمجلة قصص 

الملتقى الدوري لنادي القصة



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة