رابطة الكتاب التونسيين الأحرار

أدب وثقافة وأخبار أرشيف رابطة الكتاب الأحرار مقالات ودراسات وحوارات...

من آفاق الرواية/في انتظار الحياة لكمال الزغباني

قراءات في نصوص مختارة " محمد الجابلي" 

جنون الرغبة  ومتعة الفن

- لذة النص

 لذة النص لعله المدخل الأسلم والأكثر فنية في مقاربة اثر ابداعي ولئن اعتبر "بارط" إن اللذة واقعة أو حاصلة في النص بجمعه فإن ضرورة النقد تقتضي التجزئة في محاولة تقصي معالم الأجزاء المكونة لجامع النص وعملية التجزئة على قدر من العسرللأن النص يدافع عن وحدته باعتبارها من اهم خصائصه المنجزة لتفرده.

بدا لي هذا الأمر لحظة قراءة رواية "في انتظار الحياة" لكمال الزغباني فهي نص ممتع لكنه عصي فيه من دقة البناء ما يحبل على مهارة وحرفية نادرتين على اعتبارالمكر الخفي والمضمن في تلافيف النص اذ ينقلنا الكاتب في تراوح طريف من لعبة الفن الى لعبة الحياة ومنهما الى الجنون والحب وما فيهما من تداخل حلاق صانع لدوائر سريالية فيها انكشاف للرغبة والرهبة في تداخل مع القدرة والقمع ومن تعارضهما ينسحق العقل فتغذو الذات حنينا تسيجه الاستحالة رغم توقها وشوقها الى المطلق ومن ذلك التوق وفي ذلك الشوق يصطخب النص بين توترات تنعرض في الأحداث سطحا مموها ينشد الى حركة خارجية موتورة هي من صخب الأعماق أقرب وان استعارت لبوس الرتابة وان تزيت بزي اليومي.

فهذه الرواية قد استعارت الحياة لتكون مجازا للفن وان كانت الأستعارة من المجاز في اللغة فان الحياة ليست من الفن في رواية "الزغباني" لأن الصراع دائم بينهما ومن اشتداده ينشأ التشويق وتنسج المتعة, متعة الفن في استحالة الحياة ومتعة اللغة الفاضحة المتمردة الممتدة خارج المدرك والمتطلعة الى انجاز مطلق يركب المعنى لكنه واقع في الشعرومتمكن فيه.

وعلى اعتبار أن الرواية فضاءات تعبيرية أو هي خيارات لأنجازالرؤى انجازا فنيا فقد ارتأى الكاتب المدينة محط حمله وقد أصاب على اعتبار أن الفن الروائى مدينى بنشاته وتطوره وأن رؤى الكاتب المتداخلة والمدخولة لايمكن أن تحلق في غير المدينة مدينة الفن والحب والأغتراب والجنون ليكون الأنطلاق من متاهة العاصمة الى متاهة الفن وحرقة الأسئلة ويضعنا الكاتب من الفصل الأول في انشداد البدايات المربكة على حافة خطيرة تتلبس بالقارىء وتوقعه في حبائلها ليكتشف منذ البداية خطورة النص الذي يفاتحه وليكتشف عبر القراءة وكلما أوغل فيها أدرك أن المتعة التي ينشدها أو ينشد اليها هى متعة من نوع خاص فيها قدر من الألم لكنه ألم خلاق يضعنا على حافة صحو نستعيد معه بعضا منا لندرك أننا نحن رغم غرابتنا ورغم تهشيم مرآتنا  لازلنا قادرين على رؤية أنفسنا رغم إقرارنا بالأستحالة ومعايشتنا للحدود.

 

- الشخصية ووجهات النظر

      وتبدأ الرواية بفصل أول موسوم بسمة الفن "تحليق" وهي اللوحة اللغز أو الإثارة التي تفصل بين الحياة بفجاجتها والفن بانسيابه فينقلنا الكاتب من سؤال الفن الى سؤال الحياة وتبدأ المشاهد من تعارض عالمين انطلاقا من وعي مجروح وعاطفة مكتظة ومختنقة عند لحظة حائرة من شخصية خائرة هي شحصية "فادية" التي جعلها الكاتب بوابة الجحيم والمتعة جحيم الحاضر بغموضه ومتعة الماضي بتألقه فكانت المراوحة بين الكشف والأنكشاف : كشف في الخارج ووظيفته تنضيد الكون الروائي وتحديد العلاقات بين فواعله ومن أهمها تحديد اولي لشخصية "فادية" في علاقتها بشخصية البطل من خلال إطار مشحون بالدلالات التي تستبق تطور الحدث وتهيئ له المرجعية الأساس ونعني بها مرجعية العشق والفن والجنون ومن هذا الكشف يتجلى المكان ويتحدد الزمان ونعني به الزمن الداخلي الحاضن للحدث فإذا باللحظة الحاضرة تنفتح على ما يزيد عن السنة من  خلال التذكر أو الأسترجاع ويضعنا الكاتب بمهارة وذكاء نادرين على حافة أسئلة تنطلق من القمة الموتورة في وعي الشخصية الحاضرة وتجرنا قسرا الى عوالم أخرى فيها حضور شفاف ومبهم لشخصية غائبة هي شخصية البطل "عيسى الشرقي" الذي يحضر من زاويتين الأولى من ذاكرة فادية ومن حركتها الباحثة والثانية من متن مباشر في صلة  بالظرف الحاوي لتداعيات البطل ورؤاه...

ومن حرفية الكشف ينطلق الأنكشاف من ذات الشخصية ومن توجسها تنجلي الدوائر المعذبة بين اللوحة والظرف فتتراص الأسئلة وتأسر القارىء فينشد الى عيسى ومصيره المجهول ويندمج مع فادية بين حميمية الماضي وحيرة الحاضر: بين حكاية الحب في امتداد اللوحة وغموض الأختفاء أو الأنتحار أو السفر أو الجنون في طيات الظرف الرهيب الذي أودعه البطل فادية لتحمل وزره.

ويفصح الكاتب عن رؤيته من خلال فضاء الشخصية باعتباره الحامل لوجهات النظر في وحدتها او في تعددها فكانت الشخصيات في عمومها مثقفة من طينة خاصة لم تزدها الثقافة إلا تجذرا ولم يزدها الوعي إلا اغترابا اغتراب التناقض مع الخارج ومحاولة ترميم الدواخل عبر حميمية مستعصية ووضوح مستحيل...

فالبطل أصيل الجنوب التونسي ومن "الشراقة" بدأت خطاه وفي الجامعة تشكل وعيه كما تشكلت لامبالاته وبعض عدميته ويرد تحديد شخصية البطل على لسان" فادية" فترتسم معالم دالة بتناقضها فهي شخصية تجمع بين "الشيطانية، اللاأخلاقية، الجنون، الملائكية، البشاعة، الرعب... توليفة عجيبة من العناصرالمتنافرة التي يمثل اجتماعها في شخص واحد خرقا لكل القواعد... أن يكون عيسى الشرقي قد وجد فذلك يشكل صفعة للنوع البشري برمته...ص29" ومن هذا التنافر تكتسب شخصية البطل خصوصية في مستويى الوعي واللاوعي لتكون خير شاهد إدانة وإثبات على واقع أساسه التعدد والخديعة وتكتسب من ذلك مهابة الحقيقة المغيبة حقيقة الوضوح المؤلم الذي هو من بعض القداسة قداسة الصلب على خشبة الوعي الأنساني في واقع مرفوض لكنه مفروض بآليات متمكنة لاطاقة للأفراد على مواجهتها فكانت شيطانبتة "تنطوي على ضرب فريد من القداسة ومن الجمالية الساحرة... جمالية نصل سكين حاد مرهف وشديد اللمعان... ص29" شخصية ممحونة بالدواخل ومشحونة بحركتين متداخلتين ومتناقضتين إحداهما في ظاهر الفراغ والأخرى في باطن العدم – ظاهر الفراغ يواجه بالسخرية الفاجعة سخرية الأنفصال والتباعد والقرف وباطن العدم يواجه بشوق مبهم إلى المطلق ومنه الإنتحار والجنون...

شخصية طفل "يمور رأسه بطفولة شريرة" وشاب مسكون بهاجس المعرفة وتمرد الثورة وألق الفن يجد ذاته بكل طاقاتها حبيسة عمل هو أقرب إلى الدجل منه إلى أي شيء آخر – ان يرد على أسئلة المراهقين في صحيفة مغمورة أو قل مبتذلة – ص151 – بعد أن عمل فترة نادل مقهى ما كان لهذه الشخصية أن تقاوم لولا سلاح السخرية و" لم يكن يدخر جهدا في إظهار لامبالاته الجذرية بكل ما كان يجري في البلاد وفي العالم من أحداث سياسية لكنها لم تعتقد يوما في صدق تلك اللامبالاة... ظلت موقنة أنه لم يكن يوما محايد اتجاه ما كان يحدث حوله قد يكون استبد بروحه ضرب من اليأس العميق بسبب ما عاشه وما عايشه من إحباطات ونكسات فردية او جماعية وجعله يعزل نفسه داخل قوقعة معتمة من العدمية المستهترة"ص205.       

و"عيسى الشرقي" بما هو يعكس واجهتين إحداهما واجهة جيل إنكسرت أحلامه وحابت تطلعاته والأخرى واجهة أكثر إيغالا وإيلاما هي واجهة الأنسان في إحساسه بعدم الأكتمال ووعيه الحاد بعبثية وجوده وانسحاقه داخل الحدود ومن جوانب الإمتاع في الكشف الروائي أن نعرف ملامح البطل من خلال تداعيات فادية لحظة حيرتها إزاء الضرف وإزاء اختفاء عيسى المفاجىء... ثم ينفتح النص على نص آخر هو منه قريب وكأن الرواية قدت من متن وهامش لتكون لعبة الكشف مرايا من خلالها تنعكس الشخصيات متآلفة او متنافرة ومنها يتنزل الحدث في دوائر لولبية تتسع فتضيق حسب تشابك العلاقات بين فواعل النص "قررت الذهاب اليه وجدت نفسها عاجزة عن تحديد الغاية الأساسية من ذلك.

 لم تعد تدري مالذي ستفعله عندما تجده وما سيكون رد فعلها عندما تعرف مصيره. هل كانت ستقتله أم سترتمي بين أحضانه. هل كانت سترمي بالضرف في وجهه أم ستبكي على صدره أو على قبره ؟" ص157- وتبدأ المتاهة من دوائر البحث فادية تبحث عن عيسى ماديا ومعنويا وفيه تبحث عن ذاتها وعيسى يبحث عن نفسه في معابثة الآخرين وفي أقنعة السخرية وفي إتحاده أو في أزدواجيته مع إسماعيل في وضوحه وثورته أو في تناقضه وجنونه...   ويتداخل كل ذلك بأوراق عيسى التي هي متن روائي قائم بذاته فيه تزداد المكاشفة توغلا في الأقاصي ومعها تزداد متعة الكشف من خلال حركتين متوازيتين وأحيانا متناقضتين إحداهما في الوعي والأخرى في الواقع ويحيلنا الكاتب بخبث فني إلى هذا المتن الموصوف والموسوم بالفوضى والتداخل على لسان فادية "عدد من النصوص المتداخلة ...عبارة عن جملة من المقاطع القصيرة أو المطولة... شكل سيرة ذاتية قائمة على الإعتراف المفصل والحميمي أو على التداعي الحر...ص39"

 ولئن احتل الفن إحدى الفضاءات المميزة في النص من خلال شخصيتي فادية وعيسى في حسهما المشترك والمجسد في صلتهما أو في تحليقهما صمتا كان أم حوارا فإن للحب الحيز الأكبربل يكاد يحتل المساحة المشهدية في فضاءات النص ضمن تعاود أو إلحاح يجعل منه المبحث الأهم الحاضن لوجهات النظر والمولد للرؤية الأكثف التي منها أو من حلالها تتناسل الرؤى الأخرى في الرواية

 فالحب ومنه اللذة ينفتحان على الرغبة في تحققها أو في استبصارها خيالا خلبا أو في خيبة عدم اكتمالها الرغبة المتلفعة برداء العاطفة أو الموتورة تحت حجاب الحياء أو المتقدة تحت برقع العفة أو العارية الجامحة الجانحة  الفجة والفاجرة والمنفجرة .

فلسفة اللذة هي ألق يشد النص في نسيج حريري شفاف فيه متع مع عذابات القدرة على تفكيك الرغبة الإنسانية ووضع الذات تحت مجهرها الفاضح وتتبعها في لحظاتها المتراكبة من الحلم إلى الإنجاز ومنهما أحيانا إلى القرف أوالملل أو اللأشمئزاز والتقززوغالبا ما تومض الرغبة من شوق العاطفة وتتقد في لهيب الجسد وتنطمس في لظى الفكر "كانت تقف صامتة تعانقه بعينين تبللتا ولها وتحنانا... بدا لهما ذلك الصباح مبكيا من فرط جماله"ص66- "كان يرعبها ان تدرك معنى الشهوة وعذاب التطلع إلى اللذة القريبة النائية... هذا الجسد كم تمقته كم تعشقه تلمست مواضع الألم حتى استقرت على أشدها حدة ,أعلى البطن أسفل الصدر حيث كانت الأرنب الصغيرة تخبط خبط عشواء...ص72"

 وغالبا ما يرسم الكاتب للذة إطارا حافا فيه كشف لخفايا الذات ويصلح مدخلا لفلسفة الجنس في ذلك اللقاء المبهم بين النقائض وفي ذلك التماس الشفيف بين الإدراك والشعور وفي ذلك الإنتقال المؤلم من إنشداد الرغبة إلى خيبة التباعد وحموضة الإنتهاء وتكاد كل المشاهد الجنسية رغم تألقها تؤول إلى إحساس متعاود بسأم النهايات وباحتقار شديد التخفي لرجفة اللذة وصبوة الجسد "ضاجعها قبل النوم دعها تنام قبلك إستمع إلى شخيرها الذي يشبه صفير الريح في قصبة مهملة شم رائحة كريهة إستمع إلى ضراطها إندم لإنك جعلتها تنام قربك... أتركها تغادرك تنفس الصعداء... "ص167.

 

وفي هذا الإعتراف الوارد في شكل بيان تتبدى إستحالة التعويض في الجنس أو في اللذة وتعود الذات إلى سأمها الأزلي متعايشة معه أو رافضة له إلا أنها حالة فيه بشجاعة وجرأة نادرتين ... ويتحول الجنس من الرغبة والحاجة إلى قصدية بليغة الدلالة قصدية تبديد العبث وتخفيف الإغتراب في محاولة يائسة لترميم الدواخل ورأب تصدعات الكيان ورتق خروق الكون ...قصدية صنع لحظة انتشاء ومحاولة الإمساك بها محاولة عابثة صورها "كافكا" في رواية القصر بقوله "كان جسماهما المضطربان لا يجعلانهما ينسيان واجبهما بل يذكرانهما به كانا ينهشان في جسميهما كما تنبش الكلاب البائسة في الأرض وكانا يجران بلسانيهما كل على وجه الآخر إلتماسا لسعادة أخرى في يأسهما وعجزهما ..." ص72- ومن عبث الحب أن تتجدد الصبابة كما الحياة ومن عبث الشهوة أن تتقد كلما خبت هو الجنس في الرواية ظاهره حياة وباطنه عدم  بدائي في تألقه كما في إنطفائه منزع حياة دون أن يكونها ظمأ إلى الكيان وشوق لاينتهي ورغبة لاتشبع...

 

ومن تفكيك الرغبة تجىء الأسطورة مكملة للأبعاد لتكون "عائشة" مدخلا يراوح بين اللذة والألم هي "عشتار" بابل أو البغي القدس من خلالها استطاع الكاتب الأنتقال من فلسفة الجنس واللذة إلى إجتماعيتهما بمعنى المحمول الوظيفي الجديد وفي جسد عائشة يتقاطع الكون الروائي بل ينفتح على فضاءات وفضاعات مرسومة بمهارة فنان وبخبرة إيديولوجي ماكر فنستعيد أزمنة داخلية مفتوحة على ذاكرة حية تنقلنا من فضاء مدني إلى فضاء ريفي كان قد لفظ عائلة الأختين "فادية و عائشة" لتتشبث الأولى بالدرس ومنه الفن ولتتلبس الثانية بالجسد ومنه العهر وفي فصل"جسد عائشة" تنعرض بمهارة فنية مأساة أسرة ومنها مأساة طبقة وفي كل ذلك أزمة مجتمع وقد استطاع الكاتب الغوص الدقيق في الشخصيات ظاهرا وباطنا ليرصد ظواهر الإنسحاق والمهانة من خلال ردود الأفعال المتراوحة بين الوعي واللاوعي والمتجلية في علاقات أفراد الأسرة ببعضهم البعض أفرادا جمعهم الدم وشتتهم الوزر الطبقي والإصطدام بنقائض الواقع سواءا في بساطة الريف أو في تعقد العاصمة...

 

ومن جسد عائشة تبدأ المأساة : من نضجه المبكر ومن تفتح مسامه ومن شبق مدير مدرسة إبتدائية في أرياف "تالة" ومن عيون أهل القرية المشتهية والمتهمة ترحل الأسرة بل تفر إلى ضباب العاصمة وضياعها حيث يوغل كل في تطرفه :تطرف مداره الواقع وجسد عائشة كرد فعل إزائهما معا :فادية تنكر جسدها وتكره أنوثتها كنقيض لجسد عائشة وأخ يتحول من التسكع إلى تطرف دينني يحتمي به وأب يحتجب خلف الخمرة والعنف وأم تنطمس خلف الهزال والمرض... عالم رزح تحت عهرين : عهر عائشة رسمته الطبيعة وغذاه الواقع " تخرج من بين طيات ثيابها قطعة مرآة صغيرة وتشرع في تأمل وجهها وشعرها على مرآة البترول... وتبدأ في الدوران المحلق... كانت تتدرب على ترقيص عجيزتها الصغيرة وعلى جعل نهديها الناشئين يهتزان ... ص88"

 وعهر المدينة النهمة لكل شىء  جعلا الكل يترنح بطريقة ما لكن المأساة الموغلة تتكاثف بل تجتمع في شخصية الأب الذي نزل السلم درجا درجا وتحول من العنف إلى الخنوع وأصبح متواطئا مع الحضيض بل متمعشا منه " واستبدل فقرا أبيا في الريف بفقر ذليل في المدينة " واستطاع "الزغباني " أن يصور تدحرج روحه وأن يرصد ردود أفعاله المتناقضة من خلال عين إبنته" فادية " فتصور المعاناة من منظور داخلي ضمن إنفصال واتصال ومشاركة هي إلى البوح أقرب " كان الحمر يمكنه من تحويل القهر إلى عنف وكنا نحن وخصوصا أمي وعائشة المجال الأمثل لتصريف تلك الشحنات...

 لكن الخمر كانت تتطلب المزيد من المال... وكانت عائشة صاحبة الحل... تغيبت يوما كاملا ثم عادت تسلم أبي نقودا ..لحظة رأيته يدافع عنها ويشكر لها تفكيرها في البحث عن شغل لمساعدته..رأيته ينحدر روحيا إلى قاع لاقرار له من الذل وانعدام الكرامة ص93"

 وتتجسد درامة ساخرة من سلوك الأب وتناقض ردود أفعاله بين ذل الحاجة وانتفاض البقايا فيشجع عائشة ويتكل عليها لكنه يعنفها وينكل بها بين الحين والآخر فيكون جسد عائشة مجالا لاستقطاب آخر ينفجر فيه ومن خلاله تمرد عاجز لأب مهزوم ومن الطرافة أن تتعايش عائشة مع ذلك الوضع بل أن تنتظر تعنيف الأب بعد أخذه النقود التي غالبا ما تكون ورقة من فئة العشرين دينارا ... ومن النقائض تنفتح الرواية على أوضاع إجتماعية في دوائر تتصاعد من بؤس أسرة إلى إنحراف مجتمع  فيكون عمر نقيضا آخر ألجأه البؤس إلى التطرف الديني فيفرض الزي على إناث الأسرة ومن طرائف المفارقات أن تستغل عائشة الظرف الجديد وأن تمارس العهر تحت الحجاب المفروض بل أن توظف ذلك الوضع لتتقي شر أولاد الحومة المشاكسين وأن توسع دائرة عهرها وعلاقاتها في المدينة ومن خلال ذلك إستطاعت الرواية ملامسة الجرح اللإجتماعي في عشرية تداخلت فيها الأوزار لتنعكس نقائضا ضحيتها شباب الأسر البائسة : عشرية الثمانينات بأحلامها وأوهامها الكثيرة وخيباتها الأكثر ...واستطاع الكاتب بلورة المحمول الإيديولوجي في مهارة المراوحة بين الفئات والطبقات فنقلنا بيسر من فئة مثقفة تعي الضياع وتفلسفه إلى فئة بائسة تتعايش مع الضياع بألم متجدد ...     

 
- حيل النص ومكر الكتابة

          كل رواية هي مزيج من العناصر وبلغة أهل الكيمياء كلما استطاع الكاتب استعمال الخليط ووفق في تركيب عناصره كلما كان نصه أمتع وأكثر إقناعا  على اعتبار أن الرواية خبر وخطاب فهي خبر من جهة الرؤى ووجهات النظر وهي خطاب من جهة حيل التبليغ ووسائط الإتصال وفي هذا المزج يتحدد مصير النص في تكامل بين وجاهة المضامين وجمالية التواصل ولا تغليب لطرف على آخر لأن النص بجمعه ووحدته ومنهما يكتسب تفردا ويحل في المتعة باعتبارها المؤسس الأوحد للفن ... وتبدأ حيل النص من وضعية الراوي كاختيار أولي من خلاله تتحدد ملامح الأجزاء الأخرى في بناء النص لأنه المحدد لوجهات النظر في بنيتها السطحية كالضمائر أو في بنيتها العميقة كالشخصيات والأفعال وقد استطاع "الزغباني" أن يتصرف في وظيفة الراوي وأن ينقله من الوحدة إلى التعدد في فصول النص كأن يجعل الرواية مرايا تتعدد بتعدد الشخصيات فتكون البداية مع راو تقليدي عليم فينساب السرد مع ضمير الغائب " هي فادية في حيرتها إزاءه أي إزاء البطل المختفي " ثم ننتقل إلى راو مندمج مع البطل فينساب السرد بحرارة أنا المتكلم في ضرب من المكاشفة أو الإعتراف ثم يعود إلى نحن في سرد فادية لحكاية عائلتها ثم يفاجئنا الكاتب بحيادية ما أو يفرضها في مراوحة بين الظاهر والباطن من خلال تداعيات في ذات الشخصية على أن الحيلة الأهم والأكثر طرافة في المستوى الأول هي حيلة التماهي بين شخصيتي عيسى وإسماعيل فالأول وحه للثاني جمعهما وعي حاد وفرقتهما سيل مواجهة التناقض فحل الأول في عدمية ساخرة وحل الثاني في مطلق الجنون وهما ذات واحدة بين نزعتين متناقضتين .

 ومن حيلة المضمون العميق إلى حيلة أخرى تجمع بين الراوي والبطل والكاتب لنتوهم أن البطل الذي اختفى هو الكاتب المعلوم والمسمى والذي يفاجئنا في مناسبتين ليتسلم الظرف ومنه يختط المتن الروائي هو "كمال الزغباني "يرسل خيط اللعبة فيتحرك عالم الشخصيات كالدمى فينعتق فترة ثم يعود إليه ص85 و ص259- ومن هذه اللعبة الفنية تمكن الكاتب من تجاوز الحدود التقليدية المعلومة للراوي واستطاع وأن يميز نصه بسيمات الطرافة والجدة فيما يمكن أن يسمى بالميتاروائي : أن ينقد النص ذاته وأن يفصح عن بعض خباياه ومن ذلك الإفصاح – إذا أحسن الكاتب توظيفه – تخلق أبعاد مجازية وفنية تزيد النص إشراقا وإمتاعا كما نجد في هذه الرواية ...

ومن حيل الكتابة فضاء آخر هو فضاء التعبير وهو من أهم الفضاءات إذ من خلاله ينعرض النص ويتمظهر بجمعه في اللغة  بمختلف وظائفها الإبلاغية أو الإنفعالية سواءا في السرد أو في الوصف أو في الحوار فبدت لغة الرواية محققة لمقاصدها وتألقت خاصة في الوظيفة الإنفعالية التأثيرية ومنها الشعرية : وظيفة لازمت الرواية في كل فضاءاتها : من شفافية السرد إلى انسيابية الوصف ومنهما إلى كثافة وألق الحوار: -"كانت أغلب البرك الصغيرة قد اختفت بعد من الساحة تاركة على الإسفلت آثار بللها والتماعها وجد القمر إليها مدخلا بعد أن تحرر نهائيا من مضايقة بقايا السحب ، ظهر ضياؤه أكثر فتنة وهو ينبجس من سواد الإسفلت ويمد إلى السماء أشعته المبللة ليجر نحو الأعماق صورته الأولى ...رأى الشمس تنبت في أعماق البئر ذات قيلولة شديدة الحر كان النداء المنطلق من قمر الإسفلت أكثر عنفا وروعة من أن يقاوم ...و... ص245". واستطاع الكاتب  أن يصوغ نسيجا تتكامل وظائفه بين شفافية الإيحاء  وعمق الدلالة

ومن متع التبليغ ما تطلعت إليه الرواية من عمق فكري جعلها تعيد إنتاج المعرفة في حوارات  مطولة حول  المصير والمسؤولية والإلتزام والعبث والفن والحياة واللاجدوى      

 

- ملاحظات ختامية

 "في إنتظار الحياة" رواية آسرة بتناسقها وتنطوي على خصائص فنية جديرة بمقاربات أشمل ورغم تميزها إرتأينا بعض الملاحظات الجزئية منها ما يتصل بالحوار وتحديدا في عاميته المغرقة في المحلية والتي قد تستعصي على غير أهل تونس ومنها ما يتصل بوظائف الراوي تلك التي نوهنا بها في موضع سابق  من جهة الفن وحيل الكتابة إلا أنها من جهة وجهات النظر قد تحيل النص على إنغلاق آحادي يجعل من الرواية منظورا واحدا  أشبه بسيرة فنية لذات موحدة بجيث ينتفي التعدد وينصب النص بكله في فضاء تعبيري واحد رغم أن عمق رؤى الكاتب قد استطاع إخفاء تلك الآحادية ... وفي إعقادنا أن هذه الرواية تفتح سبيلا لنصوص جديدة تؤسس أو تستعيد بناء تواصل جديد مع القارىء وتختط مع قلة غيرها مسلكا جديدا مسؤولا في الرواية التونسية والعربية ...
 
نشرت الدراسة بأحد أعداد مجلة الحياة الثقافية

  

 

 

 



أضف تعليقا


رابطة الكتاب التونسيين الأحرار في سنتها السابعة