الإنتفاضة : حداثة العرب القادمة
من أهم مآخذنا على رؤية بعض المحللين نظرتهم التجزيئية لحركة الراهن العربي: فهم غالبا ما ينطلقون من الظواهر في أبعادها الآنية دون اعتبار لمجمل الإشتراطات السابقة لها والفاعلة في خلقها وإنظاجها، ولذلك لم ينظر للإنتفاضة باعتبارها الحصيلة الحتمية لمسار التاريخ العربي الحديث بل نظر إليها في سياقاتها التفاعلية السياسية والإجتماعية القريبة زمانا والمحددة مكانا والمقننة حصرا في ثنائية التدافع والصراع بين الفلسطينيين وغزاتهم .
لذلك نقترح وجهة نظر أكثر شمولية تنزل الإنتفاضة المنزلة التي تستحق، باعتبارها ظاهرة حركية موجبة نتجت عن تراكم سابق لجملة من الظواهر السالبة، يجب أن تدرك داخل بنية تاريخية عامة لأن البنية– هي كل متكون من ظواهر متماسكة، يتوقف كل منها على ما عداه ولايمكن أن يكون ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه - * وانطلاقا من هذا الإفتراض نقارب الإنتفاضة باعتبارها الحد الفاصل بين زمنين في الوعي والواقع العربيين : زمن أول موسوم بالإنتكاسات أو النكبات وهو الزمن السياسي العربي...وزمن ثان هو نتاج القطع مع الزمن الأول و هو الزمن الملحمي العربي .
- إنحلال الزمن السياسي العربي
نعني بالزمن السياسي العربي مجمل إيديولوجيات السلطة التي أتيح لها أن تحكم الواقع خلال النصف الأخير من القرن الماضي، تلك التي رفعت راية التحرر وتبنت شعارات مختلفة قومية أويسارية أو دينية وفي غالب الأحيان مزيجا من الشعارات المتناقضة وفق مقتضيات المرحلة ،فأنظمة الحكم العربية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها لم تفلح في تأسيس بدائل يطمأن إليها، فعلى المستوى الإقتصادي غابت المشاريع الطموحة لتحل محلها صناعات تحويلية شديدة المحدودية، وغاب وهم الإكتفاء الذاتي لتحل محله تبعية مستفحلة تتنفس من خلال مديونيات أخطبوطية مشروطة، وفي المستوى الإجتماعي والسياسي أعادت الأنظمة استنساخ النموذج القبلي والعشائري في صياغات حزبية رديئة وخلقت دوائر إنتهازية باسم المجتمع المدني، فتوحدت كل الأنظمة العربية تحت مظلة ليبرالية مشوهة بعد اختلافها الطويل حول شعارات التحرر ومقولات الهوية ... وسارت حثيثا نحو دكتاتوريات أكثر مكرا وتلونا من أنظمة الإقطاع التي قامت على أنقاضها.
وإلى عهد قريب كانت كل الأنظمة على اختلافها معنية بدرجات متفاوتة بالصراع العربي الصهيوني لتسترد من خلاله بعض المشروعية المفقودة سيما وأن هذا الصراع كان ولايزال يدار من قبل الأنظمة العربية وفق إعتبارات محدودة ومحسوبة سلفا فكان الإنتقال من هزيمة 48 إلى نكسة 67 إلى حرب 73 إلى غزو بيروت ... مؤشرا على إنحلال الزمن السياسي العربي من خلال خيباته الداخلية وعجزه الخارجي ...
وعندما اعترف السادات بإسرائيل وهي لاتزال تحتل أجزاء من سيناء والجولان وجنوب لبنان إضافة إلى كل الأراضي الفلسطينية بدأ العد التنازلي والسريع للزمن السياسي العربي ولم تكن اعتراضات بعض الأنظمة آنذاك إلا احتجاجات آنية استجابت نسبيا إلى رفض الشارع العربي، فكانت جبهة الصمود والتصدي التي تألفت من كل من العراق وليبيا والجزائر واليمن ... اللقاء الأخير قبل القطيعة النهائية بين سياسة الأنظمة وإرادة الشعوب، وكان لابد من معاقبة تلك الأنظمة بطرق شتى حتى تنخرط في الزمن السياسي وتتخلى بدورها عن شعاراتها السابقة فكان ضرب العراق من أشد أنواع العقاب إذ بعده نظجت مخططات أوسلو وآن أوان الصراحة فحلمت الأنظمة العربية بالتخلص من صراع تقادم ومنوا النفس بحصره أولا بين الفلسطينيين والإسرائيليين ثم بتدويله إن استعصى الحل فكان الإنتقال سريعا من صراع عربي صهيوني إلى صراع فلسطيني إسرائيلي فحلت المواجهة الإقليمية بدل الصراع الإستراتيجي وحل النزاع المحلي بدل المواجهة التحريرية بمفهومها الحضاري .
- الإنتفاضة : سقوط المبادرة السياسية وإعلان إرادة شعبية
وكان وهم الدولة الفلسطينية إغراءا لايقاوم فاستعجل الجميع قيامها دون ركائز ملموسة وتتوجت مساعي إسرائيل بما بعد الإعتراف أي التفاوض وفق اعتبارات جديدة مجزأة حسب مصالحها أولا ثم حسب موازناتها الجديدة مع أطراف الصراع وحصرها ثنائيا مع الفلسطينيين ثم وبدرجة لاحقة مع السوريين .
وتؤكد الوقائع ما ذهبنا إليه في اعتبار أن الدولة الفلسطينية في ظرفها الحالي وهما سياسيا عربيا فهذه الدولة المجردة من كل صلوحياتها لن تقوم فعلا إلا على أنقاض الحس الوطني الفلسطيني كلجم المقاومة وإيقاف الإنتفاضة... وقيامها رهين بما يمكن أن تحققه فعلا لصالح إسرائيل ومن الواضح أن الأنظمة العربية التي دفعت عجلة التفاوض باتت غير قادرة على متابعة اللعبة التي إندفعت إليها وعاجزة عن ضمان الحد الأدنى لاستمرار تلك اللعبة الخطرة، والدليل على ذلك صمت الأنظمة على الإنتهاكات المتكررة مما جعل إسرائيل تبالغ وتمعن في التحدي مثل قتل الميئات والحصار المتكرر والمهين لعرفات ورموز السلطة الفلسطينية .
ويبدو أن الغرب لم يفهم أوهو يتجاهل مواصفات الدولة التي يمكن أن يقبل بها الشعب الفلسطيني وهو لايزال يراهن على دولة تخدم مصالحه وتعلن القطيعة مع شعبها على شاكلة بقية الأنظمة العربية
ومن هذا الفهم المغلوط عادت القضية بأبعادها الإشكالية لتكون طليعة اختبار أخير مثلت السلطة الفلسطينية فيه المحك والمحنة ، محنة التجاذب بين زمن سياسي أسسته الأنظمة وزمن طليعي تؤسسه الشعوب:
- فالأول مر من الأزمات إلى النكسات ومنها إلى المفاوضات وهذا الزمن السياسي العربي إنعكس من خلال عرفات وبالتحديد من خلال منظمة فتح التي كانت الأكثر قربا من أجهزة الحكم العربية في مختلف مراحلها وما حصار الرئيس عرفات إلا خنق للنفس الأخيرفي أنفاس الزمن السياسي العربي لأن النفق المسدود الذي آل إليه وضع السلطة الفلسطينية هو من صنع وتدبير الفاعلين في الزمن السياسي العربي ، أولئك الذين" أتعبهم النضال" فطلبوا الحل على مائدة التفاوض في ظرف شديد الإختلال، وغير خاف أن المطلوب المعلن من عرفات هو المطلوب الضمني من كل الأنظمة العربية: أن تقاوم كل حس وطني بحجة مقاومة الإرهاب ...وإن استطاعت الأنظمة العربية آنيا تحقيق هذا المطلوب ولئن أبدت استعدادها المعلن أو الخفي لتحقيقه بما تهيأ لها من تاريخ غير محمود في تجاهل إرادة مواطنيها ولامبالاتها بضرائب دماء تحرر لم يتحقق ، فإن السلطة الفلسطينية بصرف النظر عن النوايا غير قادرة على تجاوز حدود الإرادة الشعبية لاستمرارية وحضور التضحيات ولأن الحد الأدنى المأمول لن يتحقق في ظل هذا الإختلال العالمي المدعوم بخوف الأنظمة العربية وصمتها العاجز حتى أصبح وضع كل واحد منها يذكر بوضع صبي تبول في فراشه أدركه الصباح فظل في حيرة يتناوم ويربكه الصحو...
- والثاني حاضر، مشدود إلى المستقبل المنظور و ركائزه كثيرة منها المقاومة المسلحة في لبنان التي أثبتت فاعلية في استرجاع الحقوق بعد عجز المفاوضين ومنها فصائل المقاومة الفلسطينية التي تؤكد بتضحياتها الخيار الحقيقي بل المفروض في وجه المستعمر، وتبقى الإنتفاضة بتقاليدها خيارا إستراتيجيا ومعينا لاينضب في مراهنتها على الحس الشعبي بوسائله المتاحة ليجعل من الحياة اليومية إحتجاجا دائما، وجهه الأول يواجه العدو ووجهه الثاني يواجه الإنحراف السياسي ... فالإنتفاضة بما هي وبما يمكن أن تكون عليه في المستقبل المنظور مدرسة جديدة في سجل المقاومات الآتية من حيث منطلقها الفاعل هدما وتأسيسا : فهي هدم لقصور الزمن السياسي وفشله في تحقيق الحد الأدنى المنتظر وهي تأسيس من حيث التطلع لاسترداد زمام المبادرة وترجمة الإرادة الشعبية كبديل وحيد طليعي ينبني على أنقاض الزمن السياسي العربي،زمن تآكل وثبت عجزه المزدوج في النسقين الداخلي أم الخارجي
وأعتقد أن الإنتفاضة ستعمّ لتؤسس مستقبل الشارع العربي وأن المحنة الفلسطينية تصنع الدرس وتنسج خيوط مستقبل مأمول، فيه من التضحيات بقدر مافيه من الآمال لأن الحصار واحد رغم تعدد الأشكال ولئن عبرت حداثة الغرب من التصنيع فإن حداثة العرب ستمر من الإنتفاضة عبر خلق زمن سياسي جديد فيه تضحيات ثانية لاتقل أهمية عن تضحيات حروب التحرير...









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية